مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ المشهور أن أم منقطعة معناه : أللإنسان ما اختاره واشتهاه ؟ وفي ﴿ما تمنى﴾ وجوه :( الأولى ) الشفاعة تمنوها وليس لهم شفاعة ( الثاني ) قولهم ﴿ولئن رجعت إلى ربى إن لي عنده للحسنى﴾ ( الثالث ) قول الوليد بن المغيرة ﴿لأوتين مالا وولدا﴾ ( الرابع ) تمنى جماعة أن يكونوا أنبياء ولم تحصل لهم تلك الدرجة الرفيعة، فإن قلت هل يمكن أن تكون أم هاهنا متصلة ؟ نقول نعم والجملة الأولى حينئذ تحتمل وجهين :( أحدهما ) أنها مذكورة في قوله تعالى :﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ كأنه قال ألكم الذكر وله الأنثى على الحقيقة أو تجعلون لأنفسكم ما تشتهون وتتمنون وعلى هذا فقوله تلك ﴿إذا قسمة ضيزى﴾ وغيرها جمل اعترضت بين كلامين متصلين ( ثانيهما ) أنها محذوفة وتقرير ذلك هو أنا بينا أن قوله ﴿أفرأيتم﴾ لبيان فساد قولهم، والإشارة إلى ظهور ذلك من غير دليل، كما إذا قال قائل فلان يصلح للملك فيقول آخر لثالث، أما رأيت هذا الذي يقوله فلان ولا يذكر أنه لا يصلح للملك، ويكون مراده ذلك فيذكره وحده منبها على عدم صلاحه، فهاهنا قال تعالى :﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ أي يستحقان العبادة أم للإنسان أن يعبد ما يشتهيه طبعه وإن لم يكن يستحق العبادة، وعلى هذا فقوله أم للإنسان أي هل له أن يعبد بالتمني والاشتهاء، ويؤيد هذا قوله تعالى :﴿وما تهوى الأنفس﴾ أي عبدتم بهوى أنفسكم ما لا يستحق العبادة فهل لكم ذلك.