الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
ويجوز أن يتعلق بقوله :﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى﴾ لأن نتيجة العلم بالضال والمهتدي جزاؤهما ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ بعقاب ما عملوا من السوء. و ﴿بالحسنى﴾ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى ﴿كبائر الإثم﴾ أي الكبائر من الإثم ؛ لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر : الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة. وقيل : التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها ﴿والفواحش﴾ مافحش من الكبائر، كأنه قال : والفواحش منها خاصة : وقرىء :«كبير الإثم » أي : النوع الكبير منه وقيل : هو الشرك بالله. واللمم : ما قل وصغر. ومنه : اللمم المس من الجنون، واللوثة منه. وألمّ بالمكان إذا قل فيه لبثه. وألمّ بالطعام : قل منه أكله : ومنه :
لِقَاءُ أَخِلاَّءِ الصَّفَاِ لِمَامُ ***
والمراد الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله تعالى :﴿إِلاَّ اللمم﴾ من أن يكون استثناء منقطعاً أو صفة، كقوله تعالى :﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله﴾ [الأنبياء: ٢٢] كأنه قيل : كبائر الإثم غير اللمم، وآلهة غير الله : وعن أبي سعيد الخدري : اللمم هي النظرة، والغمزة، والقبلة، وعند السدّي : الخطرة من الذنب، وعن الكلبي : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدّاً ولا عذاباً، وعن عطاء : عادة النفس الحين بعد الحين ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة﴾ حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة ﴿فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير وعمل الطاعات : أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله الزكي منكم والتقي أوّلاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل : كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت : وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء : فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح : لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى