جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ إنّ رَبّكَ يا محمد وَاسِعُ المَغْفِرَةِ : واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم. وإنما أعلم جلّ ثناؤه بقوله هذا عباده أنه يغفر اللمم بما وصفنا من الذنوب لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش. كما :
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ رَبّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ قد غفر ذلك لهم.
وقوله : هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ إذْ أنشأَكُمْ مِنَ الأرْضِ يقول تعالى ذكره : ربكم أعلم بالمؤمن منكم من الكافر، والمحسن منكم من المسيء، والمطيع من العاصي، حين ابتدعكم من الأرض، فأحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، يقول : وحين أنتم حمل لم تولدوا منكم، وأنفسكم بعدما، صرتم رجالاً ونساء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأول. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذْ أنْشأَكُمْ مِنَ الأرْضِ قال : كنحو قوله : وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ.
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إذْ أَنْشأَكُمْ مِنَ الأرْضِ قال : حين خلق آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم، وقرأ وَإذْ أنْتُمْ أجِنّةٌ فِي بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ.
وقد بيّنا فيما مضى قبل معنى الجنين، ولِمَ قيل له جنين، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله : فَلا تُزَكّوا أنْفُسَكُمْ يقول جل ثناؤه : فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصيّ. كما :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، قال : سمعت زيد بن أسلم يقول فَلا تُزكّوا أنْفُسَكُمْ يقول : فلا تبرئوها.
وقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَى يقول جلّ ثناؤه : ربك يا محمد أعلم بمن خاف عقوبة الله فاجتنب معاصيه من عباده.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريقه فى سابق علمه، فلا يؤمن، وذلك الطريق هو الإسلام (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) يقول: وربك أعلم بمن أصاب طريقه فسلكه في سياق علمه، وذلك الطريق أيضا الإسلام.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
يقول تعالى ذكره (وَلِلَّهِ) مُلك (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) من شيء. وهو يضلّ من يشاء، وهو أعلم بهم (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) يقول: ليجزي الذين عصوه من خلقه، فأساءوا بمعصيتهم إياه، فيثيبهم بها النار (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) يقول: وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة، فيثيبهم بها.
وقيل: عُنِي بذلك أهل الشرك والإيمان.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في قول الله (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا) المؤمنون.
وقوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ) يقول: الذين يبتعدون عن كبائر
وقوله (وَالْفَوَاحِشَ) وهي الزنا وما أشبهه، مما أوجب الله فيه حدّا.
وقوله (إِلا اللَّمَمَ) اختلف أهل التأويل في معنى "إلا" في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي بمعنى الاستثناء المنقطع، وقالوا: معنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلا اللمم الذي ألمُّوا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، فإن الله قد عفا لهم عنه، فلا يؤاخذهم به.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) يقول: إلا ما قد سلف.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معناه، فانزل الله عزّ وجلّ (إِلا اللَّمَمَ) ما كان منهم في الجاهلية. قال: واللمم: الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عياش، عن ابن عون، عن محمد، قال: سأل رجل زيد بن ثابت، عن هذه الآية (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) فقال: حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في قول الله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: كبائر الشرك والفواحش: الزنى، تركوا ذلك
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل "إلا" في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك: لم يؤذن لهم في اللمم، وليس هو من الفواحش، ولا من كبائر الإثم، وقد يُستثنى الشيء من الشيء، وليس منه على ضمير قد كفّ عنه فمجازه، إلا أن يلمَّ بشيء ليس من الفواحش ولا من الكبائر، قال: الشاعر:
| وَبَلْدَةٍ ليْسَ بِها أَنِيسُ | إلا اليَعافيرُ وإلا الْعِيسُ (١) |
وقال بنحو هذا القول جماعة من أهل التأويل.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى، أن ابن مسعود قال: زنى العينين: النظر، وزنى الشفتين: التقبيل، وزنى اليدين: البطش، وزنى الرجلين: المشي، ويصدّق ذلك الفرْج أو يكذّبه، فإن تقدّم بفرجه كان زانيا، وإلا فهو اللمم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وأخبرنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَينِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ".
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله (إِلا اللَّمَمَ) قال: إن تقدم كان زنى، وإن تأخر كان لَمَمًا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: سألت الشعبيّ، عن قول الله (يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: هو ما دون الزنى، ثم ذكر لنا عن ابن مسعود، قال: " زنى العينين: ما نظرت إليه، وزنى اليد: ما لمستْ، وزنى الرجل: ما مشتْ والتحقيق بالفرج.
حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم بن عمرو القاريّ، قال: ثني عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لُبابة الطائفيّ، قال: سألت أبا هُريرة عن قول الله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: القُبلة، والغمزة، والنظْرة والمباشرة، إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنى.
وقال آخرون: بل ذلك استثناء صحيح، ومعنى الكلام: الذين يجتنبون
* ذكر من قال ذلك:
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: هو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب; قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
| إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا | وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا (١) |
| إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا | وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا |
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن،
| لا هم هذا خامس إن تما | أتمه الله وقد أتما |
| إن تغفر اللهم تغفر جما | وأي عبد لك لا ألما |
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن أبي عديّ عن عوف، عن الحسن، في قول الله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: اللمة من الزنى، أو السرقة، أو شرب الخمر ثم لا يعود.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: قد كان أصحاب النبيّ ﷺ يقولون: هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللَّمة من شرب الخمر، فيخفيها فيتوب منها.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس (إِلا اللَّمَمَ) يلمّ بها فى الحين، قلت الزنى، قال: الزنى ثم يتوب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر: كان الحسن يقول في اللَّمم: تكون اللَّمة من الرجل: الفاحشة ثم يتوب.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: الزنى ثم يتوب.
قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن قتادة، عن الحسن (إِلا اللَّمَمَ) قال: أن يقع الوقعة ثم ينتهي.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: اللَّمم: الذي تُلِمُّ المرَّةَ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: اللمم: ما دون الشرك.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله (إِلا اللَّمَمَ) قال: الرجل يلمّ بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:
| إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا | وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا |
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عطاء، عن ابن الزبير (إِلا اللَّمَمَ) قال: ما بين الحدّين، حدّ الدنيا، وعذاب الآخرة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس أنه قال: اللمم: ما دون الحدّين: حدّ الدنيا والآخرة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم وقتادة، عن ابن عباس بمثله، إلا أنه قال: حدّ الدنيا، وحدّ الآخرة.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عُتَيبة، قال: قال ابن عباس: اللمم ما دون الحدين، حد الدنيا وحد الآخرة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: كلّ شيء بين الحدّين، حدّ الدنيا وحدّ الآخرة تكفِّره الصلوات، وهو اللمم، وهو دون كل موجب; فأما حدّ الدنيا فكلّ حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا; وأما حدّ الآخرة فكلّ شيء ختمه الله بالنار، وأخَّر عقوبته إلى الآخرة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) واللمم: ما كان بين الحدّين لم يبلغ حدّ الدنيا ولا حدّ الآخرة موجبة، قد أوجب الله لأهلها النار، أو فاحشة يقام عليه الحدّ في الدنيا.
وحدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن قتادة، قال: قال بعضهم: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا، وحدّ الآخرة.
حدثنا أبو كُريب ويعقوب، قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن ابن عباس، قال: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا، وحدّ الآخرة.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال الضحاك (إِلا اللَّمَمَ) قال: كلّ شيء بين حدّ الدنيا والآخرة فهو اللمم يغفره الله.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال "إلا" بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجّه معنى الكلام إلى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فإن ذلك معفوّ لهم عنه، وذلك عندي نظير قوله جلّ ثناؤه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا) فوعد جلّ ثناؤه باجتناب الكبائر، العفو عما دونها من السيئات، وهو اللمم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الْعَينانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجلانِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ "، وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه، والله جلّ ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه، كما رُوي عن النبيّ ﷺ واللمم في كلام العرب:
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ (إِنَّ رَبَّكَ) يا محمد (وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) : واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم. وإنما أعلم جلّ ثناؤه بقوله هذا عباده أنه يغفر اللمم بما وصفنا من الذنوب لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش.
كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) قد غفر ذلك لهم.
وقوله (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ) يقول تعالى ذكره: ربكم أعلم بالمؤمن منكم من الكافر، والمحسن منكم من المسيء، والمطيع من العاصي، حين ابتدعكم من الأرض، فأحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، يقول: وحين أنتم حمل لم تولدوا منكم، وأنفسكم بعدما (٢) صرتم رجالا ونساء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأول.
(٢) كذا وردت هذه العبارة الأخيرة في الأصل، وهي غامضة من أول قوله " منكم وأنفسكم... إلخ " ولعل صوابها: فلا تزكوا أنفسكم بعد ما صرتم رجالا ونساء.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر(١) عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئًا أشبه باللمَم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال :" إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فَزِنَا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتَشْتَهِي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكَذِّبه ".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الرزاق، به(٢).
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن(٣) ثور حدثنا مَعْمَر، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى ؛ أن ابن مسعود قال :" زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويُصدّق ذلك الفرج أو يُكَذِّبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا، وإلا فهو اللَّمَم " (٤). وكذا قال مسروق، والشعبي.
وقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له : ابن لبابة الطائفي - قال : سألت أبا هريرة عن قول الله :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : القُبلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، وهو الزنا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال : في هذه الآية :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : الذي يلم بالذنب ثم يَدَعه، قال الشاعر :
| إنْ تَغْفِر اللهُمّ تغفر جَمّا | وَأيّ عَبْد لَكَ مَا أَلَمَّا؟ ! |
| إن تغفر اللهم تغفر جما | وأي عبد لك ما ألما؟ ! |
قال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس :﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال : قال رسول الله ﷺ :
| إن تغفر اللهم تغفر جما | وأي عبد لك ما ألما؟ ! |
ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة - أراه رفعه - :﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال :" اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود "، قال :" ذلك(٨) الإلمام " (٩).
وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عَديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله :﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود.
وحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاء، عن الحسن في قول الله :﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون : هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها.
وقال ابن جرير(١٠)، عن عطاء، عن ابن عباس :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ يلم بها في الحين. قلت : الزنا ؟ قال : الزنا ثم يتوب.
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال :﴿اللَّمَمَ﴾ الذي يلم المرَّةَ.
وقال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن ﴿اللَّمَمَ﴾ فقلت : هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب. وأخبرت بذلك ابن عباس فقال : لقد أعانك عليها مَلَك كريم. حكاه البغوي.
وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب ؛ أن عبد الله بن عمرو قال :﴿اللَّمَمَ﴾ : ما دون الشرك.
وقال سفيان الثوري، عن جابر الجُعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ قال : ما بين الحدين : حد الدنيا (١١) وعذاب الآخرة. وكذا رواه شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس، مثله سواء.
وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله :﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ كل شيء بين (١٢) الحدين : حد الدنيا (١٣) وحد الآخرة، تكفره الصلوات، وهو (١٤) اللمم، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخَّر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك.
وقوله :﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي : رحمته وَسِعَت كل شيء، ومغفرته تَسَع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله :﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وقوله :﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْض﴾ أي : هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر(١٥) عنكم وتقع منكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذَّر، ثم قسمهم فريقين : فريقا للجنة وفريقا للسعير(١٦). وكذا قوله :﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قد كتب الملك الذي يُوَكَّل به رزقَه وأجَلَه وعمله، وشقي أم سعيد.
قال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا، فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا يَفَعَةً، فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابًا فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك - فماذا بعد هذا ننتظر ؟(١٧) رواه ابن أبي حاتم عنه.
وقوله :﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي : تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، كما قال :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩].
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا عَمْرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي بَرّةَ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسميت بَرَّة، فقال رسول الله ﷺ :" لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم ". فقالوا : بم نسميها ؟ قال :" سموها زينب " (١٨).
وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحَذَّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكْرَة، عن أبيه قال : مدح رَجُلٌ رجلا عند النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ :" ويلك ! قطعت عُنُقَ صاحبك - مرارًا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل : أحسب فلانا - والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا - أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك " (١٩).
ثم رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، به. وكذا رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، من طرق، عن خالد الحذاء، به(٢٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال : جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال : فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول : أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب.
ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري، عن منصور، به (٢١).
٢ - (٢) المسند (٢/٢٧٦) وصحيح البخاري برقم (٦٦١٢) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٧)..
٣ - (٣) في أ: "أبو"..
٤ - (٤) تفسير الطبري (٢٧/٣٩)..
٥ - (١) تفسير الطبري (٢٧/٣٩)..
٦ - (٢) في م: "أي"..
٧ - (٣) سنن الترمذي برقم (٣٢٨٤) وتفسير البغوي (٧/١٢٨)..
٨ - (٤) في م: "فتلك" وفي أ: "فعلك"..
٩ - (٥) تفسير الطبري (٢٧/٣٩)..
١٠ - (٦) في أ: "جريج"..
١١ - (١) في م، أ: "الزنا"..
١٢ - (٢) في م: "من"..
١٣ - (٣) في أ: "الزنا"..
١٤ - (٤) في م: "فهو"..
١٥ - (٥) في م، أ: "ستصدر"..
١٦ - (٦) في أ: "فريقا في الجنة وفريقا في السعير"..
١٧ - (٧) في م، أ: "ينتظر"..
١٨ - (١) صحيح مسلم برقم (٢١٤٢)..
١٩ - (٢) المسند (٥/٤٥)..
٢٠ - (٣) المسند (٥/٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٦٦٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٨٠٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٤٤)..
٢١ - (٤) صحيح مسلم برقم (٣٠٠٢) وسنن أبي داود برقم (٤٨٠٤)..
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [ فإن التقوى، محلها القلب، والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون عنكم من الله شيئا ].
٢ - في ب: حين أخرجكم..
٣ - في ب: وأجود الأجودين..
٤ - كذا في ب، وفي أ: تطهرونها، وتخبرون الناس بذلك على وجه التمدح..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخبر تعالى أنه مالك الملك، المتفرد بملك الدنيا والآخرة، وأن جميع من في السماوات والأرض ملك لله، يتصرف فيهم تصرف الملك العظيم، في عبيده ومماليكه، ينفذ فيهم قدره، ويجري عليهم شرعه، ويأمرهم وينهاهم، ويجزيهم على ما أمرهم به ونهاهم [عنه]، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي، ليجزي الذين أساؤوا العمل السيئات من الكفر فما دونه بما عملوا من أعمال الشر بالعقوبة البليغة (١).
﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى خلق الله، بأنواع المنافع ﴿بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، وأكبر ذلك وأجله رضا ربهم، والفوز بنعيم الجنة (٢).
ثم ذكر وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، ﴿إِلا اللَّمَمَ﴾ وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر" [وقوله:] ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض (٣) المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم (٤) الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين (٥) أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح (٦).
(٢) في ب: والفوز بالجنة وما فيها من النعيم.
(٣) في ب: إلى فعل.
(٤) في ب: حين أخرجكم.
(٥) في ب: وأجود الأجودين.
(٦) كذا في ب، وفي أ: تطهرونها، وتخبرون الناس بذلك على وجه التمدح.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٣ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- وَالْفَوَاحِشَ
- مَا عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الكَبَائِرِ.
- اللَّمَمَ
- الذُّنُوبِ الصِّغَارَ الَّتِي لَا يُصِرُّ صَاحِبُهَا عَلَيْهَا، أَوْ يُلِمُّ بِهَا العَبْدُ عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ.
- فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ
- لَا تَمْدَحُوهَا، وَتَصِفُوهَا بِالتَّقْوَى.
إعراب الآية ٣٢ من سورة النجم
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣١]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)تكون لام كي متعلقة بالمعنى أي ولله ما في السّموات وما في الأرض من شيء يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا أي كفروا وعصوا بِما عَمِلُوا، ويجوز أن يكون اللام متعلّقة بقوله جلّ وعزّ: لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسئوُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى عطف. قيل: الحسنى الجنة. وقال زيد بن أسلم. الَّذِينَ أَساؤُا الكفار والَّذِينَ أَحْسَنُوا المؤمنون.
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)الَّذِينَ بدل من الذين قبله يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ «١» الْإِثْمِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه في سورة «حم عسق». وَالْفَواحِشَ عطف على الكبائر إِلَّا اللَّمَمَ قد ذكرنا ما فيه من قول أهل التفسير. وهو منصوب على أنه استثناء ليس من الأول. ومن أصحّ ما قيل فيه وأجمعه لأقوال العلماء أنّه الصغائر ويكون مأخوذا من لممت بالشيء إذا قلّلت نيله.
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أي لأصحاب الصغائر، ونظيره إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ أي هو أعلم بما تعملون وما أنتم صائرون إليه حين ابتدأ خلق أبيكم من تراب، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم منكم لما أن كبرتم، ويجوز أن يكون اعلم بمعنى عالم فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال زيد بن أسلم: أي لا تبرئوها من المعاصي. قال:
وشرح هذا لا تقولوا إنّا أزكياء. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى المعاصي وخاف وأدى الفرائض.
[سورة النجم (٥٣) : آية ٣٣]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)أي عن الإيمان. قال ابن زيد: نزلت في رجل أسلم فلقيه صاحبه فغيره وقال له:
سبب نزول الآية ٣٢ من سورة النجم
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا أحمد بن سعد، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال:
كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صدِّيق. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله تعالى في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد، وأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى آخرها.
القراءات في الآية ٣٢ من سورة النجم
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ
اخفاء الميم الأولى بعد إسكانها واسكان ميم الجمع دون سكت عليها
اظهار الميم الأولى مرفوعة وإسكان ميم الجمع دون سكت عليها
اظهار الميم الأولى مرفوعة واسكان ميم الجمع مع السكت عليها
اظهار الميم الأولى مرفوعة وصلة ميم الجمع ومدها 3 حركات
اظهار الميم الأولى مرفوعة وصلة ميم الجمع ومدها 6 حركات
اظهار الميم الأولى مرفوعة وصلة ميم الجمع ومدها حركتين
أَعْلَمُ بِمَنِ
اخفاء الميم الأولى بعد إسكانها
اظهار الميم الأولى مرفوعة
أُمَّهَاتِكُمْ
(أُمَّهَاتِكُمْ) بضم الهمزة وفتح الميم الأولى واسكان ميم الجمع
(أُمَّهَاتِكُمُ) بضم الهمزة وفتح الميم الأولى وصلة ميم الجمع
(إِمِّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم الأولى واسكان ميم الجمع
(إِمَّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة وفتح الميم الأولى واسكان ميم الجمع
كَبَآئِرَ
(كَبَآئِرَ) بفتح الباء وبعدها ألف تمد 4 أو 5 حركات وبعدها همزة مكسورة ثم راء مفخمة
(كَبَآئِرَ) بفتح الباء وبعدها ألف تمد 3 حركات وبعدها همزة مكسورة ثم راء مفخمة
(كَبَآئِرَ) بفتح الباء وبعدها ألف تمد 4 حركات وبعدها همزة مكسورة ثم راء مفخمة
(كَبَآئِرَ) بفتح الباء وبعدها ألف تمد 6 حركات ثم همزة مكسورة ثم راء مرققة
(كَبِيرَ) بكسر الباء وبعدها ياء ساكنة ثم راء مفخمة
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٦٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٥٠ قولًاعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾: قد غفر ذلك لهم١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾، قال: هو كنحو قوله: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:١١٧، النحل:١٢٥، القصص:٥٦، القلم:٧]١
عن الحسن البصري -من طريق يونس- في قوله: ﴿إذْ أنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، قال: علم الله مِن كلِّ نفسٍ ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ مِن غيره ﴿إذْ أنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ يعني: خَلَقكم مِن تراب وهو أعلم بكم، ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ يعني: جنين١ الذي يكون في بطن أمه٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم-من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إذْ أنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾، قال: حين خَلَق آدم من الأرض، ثم خَلَقكم من آدم١٢
عن طاووس -من طريق خُصيف- قال: اللّمَم: ما ألممتَ بالنّظر، ولمستَ بيدك وتناولتَ، ما لم يكن الجماع١
عن عامر الشعبي -من طريق منصور بن عبد الرحمن- أنه سأله عن قول الله: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾. قال: هو ما دون الزّنا. ثم روى لنا عن ابن مسعود قال: زِنا العينين ما نظرَتْ إليه، وزِنا اليد ما لمسَتْ، وزِنا الرجل ما مشَتْ، والتحقيق بالفَرْج١
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: أن يقع الوقعة ثم ينتهي١
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: الزَّنية في الحين١
قال الحسن البصري: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ إلا اللّمّة يُلِمّ بها من الذنوب١
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: اللّمّة من الزّنا، أو السّرقة، أو شُرب الخمر، ثم لا يعود١
قال عطاء بن أبي رباح: ﴿اللَّمَمَ﴾ عادة النفس الحين بعد الحين١
عن عطاء، في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: هو ما دون الجماع١
عن أبي صالح باذام، قال: سُئِلتُ عن اللّمَم. فقلتُ: هو الرجل يصيب الذنبَ ثم يتوب. وأخبرتُ بذلك ابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها مَلكٌ كريم١
عن أبي صالح باذام -من طريق إسماعيل- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: الوقعة من الزنا لا يعود لها١
عن عبد الله بن القاسم -من طريق قرة- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: اللَّمّة يُلِمّ بها مِن الذنوب١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: اللّمَم: ما بين الحدّين، ما لم يبلغ حدّ الدنيا، ولا حدّ الآخرة؛ مُوجبة قد أوجب الله لأهلها النار، أو فاحشة يُقام عليها الحدّ في الدنيا١
عن زيد بن أسلم -من طريق ابن عيّاش- في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ قال: الشّرك، ﴿والفَواحِشَ﴾ قال: الزّنا، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، وغفر الله لهم ما كانوا ألَمُّوا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام١
عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن- في قول الله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: هو ما ألَمُّوا به في الشِّرك١
عن زياد بن أبي مريم -من طريق خُصيف- في قوله عز وجل: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، قال: اللّمَم: كلّ شيء ألممتَ به، ثم تركتَه ونزعتَ عنه١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: اللّمَم على وجهين: كلّ ذنب لم يذكر الله عليه حدًّا في الدنيا ولا عذابًا في الآخرة، فذلك الذي تكفّره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو: الذّنب العظيم يُلِمّ به المسلم المرّة بعد المرّة، فيتوب منه١
قال مقاتل بن سليمان: نَعتَ المتّقين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ يعني: كلّ ذنب يُختم بالنار، ﴿والفَواحِشَ﴾ يعني: كلّ ذنب فيه حدٌّ، ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ يعني: ما بين الحدّين١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن هب- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ ما كان منهم في الجاهلية. قال: واللّمَم: الذي ألَمُّوا به مِن تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا١٢
قال عبد الله بن عباس: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ لِمَن فعل ذلك وتاب١
عن أبي هريرة -من طريق عبد الرحمن- أنه سُئِل عن قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾. قال: هي النّظرة، والغَمزة، والقُبلة، والمباشرة، فإذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغُسل، وهو الزّنا١
عن سعيد بن أبي سعيد، قال: كان أبو هريرة يقول: ﴿اللمم﴾: النكاح؛ يعني: التزويج١
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق عمرو بن شعيب- قال: اللمَم: ما دون الشِّرك١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللّمَم مِمّا قال أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ، قال: «إنّ الله كتب على ابن آدم حظّه مِن الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزِنا العين النّظر، وزِنا اللسان النُّطق، والنفس تتمنّى وتشتهي، والفَرْج يصدّق ذلك أو يكذّبه»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: هو الرجل يُلِمّ بالفاحشة، ثم يتوب منها. قال: وقال رسول الله ﷺ: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألَمّا!١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، يقول: إلا ما قد سلف١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: يُلِمّ بها في الحين ثم يتوب١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قال: اللّمَم: كلّ شيء بين الحدَّين؛ حدّ الدنيا وحدّ الآخرة، يكفّره الصلاة، وهو دون كل مُوجب، فأمّا حدّ الدنيا فكلُّ حدٍّ فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حدّ الآخرة فكلّ شيء ختمه الله بالنار، وأخَّر عقوبته إلى الآخرة١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- قال: ﴿اللَّمَمَ﴾: الذي يُلِمّ المرّة١
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- قال: اللّمَم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا، وحدّ الآخرة١
عن عبد الله بن الزبير -من طريق عطاء- قال: اللّمَم: ما بين الحدّين: حد الدنيا، وحد الآخرة١
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللّمّة مِن الزِّنا، واللّمّة من شُرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها١
عن مَسروق بن الأجْدع الهَمداني -من طريق مسلم- في قوله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: إن تقدّم كان زِنًا، وإن تأخّر كان لَمَمًا١
قال محمد بن علي بن الحنفيّة: ﴿اللَّمَمَ﴾ كلّ ما هممتَ به مِن خير أو شرٍّ فهو لَمَم١
قال سعيد بن المسيّب: ﴿اللَّمَمَ﴾ هو ما لمّ على القلب، أي: خطر١
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: الرجل يُلِمّ بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألَمّا!١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق سفيان الثوري- ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: كلّ شيء بين حدّ الدنيا والآخرة فهو اللّمَم يغفره الله١
عن عكرمة مولى ابن عباس، أنّه ذُكِر له قول الحسن في اللّمَم: هي الخَطْرة من الزّنا. فقال: لا، ولكنها الضمّة، والقُبلة، والشمّة١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، يقول: ما بين الحدّين، كلّ ذنبٍ ليس فيه حدٌّ في الدنيا ولا عذاب في الآخرة، فهو اللّمَم١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾، قال: الكبائر: ما سمّى الله فيه النار، والفواحش: ما كان فيه حدٌّ في الدنيا١
قال مقاتل بن سليمان: نَعتَ المتّقين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ يعني: كلّ ذنب يُختم بالنار، ﴿والفَواحِشَ﴾ يعني: كلّ ذنب فيه حدٌّ١٢
عن أبي هريرة -من طريق الحسن- أُراه رفعه، في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: «اللمّة من الزّنى، ثم يتوب ولا يعود، واللمّة من شُرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود». قال: فتلك الإلمام١
عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما اللَّمَم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هو الرجل يُلِمّ بالنّظرة مِن الزِّنا ثم لا يعود، ويُلِمّ بالشّربة مِن الخمر ثم لا يعود، ويُلِمّ بالسرقة ثم لا يعود»١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الضُّحى- في قوله: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: زِنا العينين: النّظر، وزِنا الشفتين: التقبيل، وزِنا اليدين: البطْش، وزِنا الرِّجلين: المشي، ويصدّق ذلك الفَرْج أو يكذّبه، فإن تقدّم بفَرْجه كان زانيًا، وإلا فهو اللمم١
عن حُذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخُدري: ﴿اللَّمَمَ﴾: هو صغار الذنوب؛ مثل النّظرة، والغَمزة، والقُبلة١
عن محمد بن سيرين، قال: سأل رجلٌ زيدَ بن ثابت عن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾. فقال: حرّم الله عليك الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن١
آثار متعلقة بالآية
٣ أقوالعن أبي وائل، قال: رأى أبو مَيسَرة عمرو بن شَرحبيل -وكان مِن أفاضل أصحاب عبد الله- في المنام، قال: رأيتُ كأني دخلتُ الجنة، فإذا قباب مضروبة، فقلتُ: لِمَن هذه؟ فقالوا: لِذي الكَلاع وحَوشَب. وكانا مِمَّن قُتلا مع معاوية. فقلت: فأين عمّار وأصحابه؟ فقالوا: أمامك. قلتُ: وقد قَتل بعضُهم بعضًا! وكيف ذلك؟ قالوا: إنهم لقوا الله سبحانه، فوجدوه واسع المغفرة١
عن زينب بنت أبي سلمة، أنها سُميت: بَرّة، فقال رسول الله ﷺ: «لا تزكُّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البِرِّ منكم، سمُّوها: زينب»١
قال أبو بكر الصِّدِّيق لقيس بن عاصم: صِف لنا نفسَك. فقال: إن الله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾؛ فلستُ بمُزكٍّ نفسي، وقد نهاني الله عنه. فأعجب أبا بكر ذلك منه١
نزول الآية
٦ أقوالعن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبيٌّ صغير قالوا: هو صِدِّيق. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال: «كذبت يهود، ما مِن نَسمة يخلقها اللهُ في بطن أُمّها إلا أنه شقي أو سعيد». فأنزل الله عند ذلك: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ إذْ أنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية كلّها١
عن عائشة –من طريق مسروق-، نحوه١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: كان ناسٌ يعملون أعمالًا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحَجّنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿هو أعلم بمن اتقى﴾، أي: بَرّ وأطاع وأخلص العمل لله تعالى١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ وقال ناس من المسلمين: صَلّينا، وصُمنا، وفعلنا. فزكُّوا أنفسهم؛ فقال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾١
قال مقاتل بن سليمان: نَزَلَتْ في نَبْهان التَّمّار، وذلك أنّه كان له حانوتٌ يبيع فيه التمر، فأتتْه امرأةٌ تريد تمرًا، فقال لها: ادخلي الحانوت؛ فإنّ فيه تمرًا جيدًا. فلما دخلتْ راودها عن نفسها، فأبتْ عليه، فلما رأت الشرّ خرجتْ، فوثب إليها، فضرب عَجُزَها بيده، فقالت: واللهِ، ما نلتَ مِنِّي حاجتك، ولا حفظتَ غيبة أخيك المسلم. فذهبت المرأةُ، وندم الرجل، فأتى النبيَّ ﷺ، فأخبره بصنيعه، فقال له النبي ﷺ: «ويحك، يا نبهان، فلعلّ زوجها غازٍ في سبيل الله». فقال: الله ورسوله أعلم. فقال: «أما علمتَ أنّ الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم». فلقي أبا بكر رضي الله عنه، فأعلمه، فقال: ويحك، فلعلّ زوجها غازٍ في سبيل الله. فقال: الله أعلم. ثم رجع، فلقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبره، فقال: ويحك، لعلّ زوجها غازٍ في سبيل الله. قال: الله أعلم. فصرعه عمر، فوطئه، ثم انطلَق به إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إخواننا غُزاة في سبيل الله تُكسر الرماح في صدورهم، يخلُف هذا ونحوه أهليهم بسوء، فاضرب عنقه. فضحك النبيُّ ﷺ، فقال: أرْسِله، يا عمر. فنَزَلَتْ فيه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾، قال: قال المشركون: إنما كانوا بالأمس يعملون معنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ ما كان منهم في الجاهلية. قال: واللمم: الذي ألمّوا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا١٢
تفسير الآية
٥ أقوالقال علي بن أبي طالب: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾، يعني: يعمل حسنة، ويرعوي عن سيئة١
قال عبد الله بن عباس: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ لا تمدحوها١
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾، قال: لا تعملوا بالمعاصي، وتقولون: نعمل بالطاعة١
قال الحسن البصري: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ أخلِص العمل لله١
عن زيد بن أسلم -من طريق سفيان- يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾، يقول: فلا تُبَرِّئوها١٢
وقفات تدبرية في الآية ٣٢ من سورة النجم
٦٠ وقفةً في هذه الآية
-
( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) "باجتنابهم الكبائر يصدق عليهم اسم المحسنين ووعدهم بالحسنى "ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" ."
— ابو حمزة الكناني
-
يا من افتخرت بعملك ومالك وعلمك وجاهك وجمالك تذكر (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ انتم أجنة في بطون أمهاتكم) فلنتذكر ضعفنا..
— محمد آل فهيد القحطاني
-
(إن ربك واسع المغفرة) فمن ضيقها فقد تدخَّل بما لا يعنيه
— عقيل الشمري
-
إن حَجَبتْ جبال الذنوب رؤية جنة التوبة ، زلزلها بقول الله : ( إن ربك واسع المغفرة )
— عايض المطيري
-
ألا ليت بعض الذين ينادون باستيراد أفكار الغرب والشرق أن يقرأ قول الله تعالى ((إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم))سبحانك ما أحكمك.
— محمد آل فهيد القحطاني
-
﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد ولولا عفوه لسقطت السماء على الأرض ولما ترك على ظهرها من دابة.
— تفسير السعدي
-
(وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم.) للمرء جنة في الدنيا هي بطن أمّه حيث تأتيه المسببات بدون فعل السبب.
— بدون مصدر
-
(فلا تزكوا أنفسكم) لا تتكلم عن نفسك ، فكثرة الكلام عن النفس (يخفيها) ثم (يهينها) ثم (ينهيها)
— عقيل الشمري
-
(فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) ليست العبرة بما (تعلن) وإنما بما (تُكِنّ)
— عقيل الشمري
-
" هو أعلم بمن اتقى" إذا زكاك المزكون وأثنى عليك المثنون فتذكر هذه الآية ، وتذكر أيضاً أنهم يرون (ظاهراً) جميل ستر الله لقبيح عملك و (سريرتك).
— ابو حمزة الكناني
-
تربية للنفوس مهما بلغت من علم وعبادة وصلاح "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" كم نحتاج إليها كثيرا
— بدون مصدر
-
{ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } ما يضر المؤمن سوء ظنِ الناس به ، إن كان الله قد كتبه من المتقين ؟* { هو أعلمُ بمن أتقى }
— بدون مصدر
و٤٨ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ٣٢ من سورة النجم
٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ٣٢ من سورة النجم
ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً
(32) Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا