مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
﴿وما ينطق عن الهوى﴾ أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود، وذلك لأن من يسلك طريقا ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق، وربما يجد إليه طريقا بعيدا فيه متاعب ومهالك، وربما يجد طريقا واسعا آمنا، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد، ويتأخر عليه الوصول، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولا، ويمكن أن يقال ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ دليل على أنه ما ضل وما غوى، تقديره : كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما يضل من يتبع الهوى، ويدل عليه قوله تعالى :﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله ﴿ما ضل﴾ وصيغة المستقبل في قوله ﴿وما ينطق﴾ في غاية الحسن، أي ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون في صغره ﴿وما غوى﴾ حين اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولا شاهدا عليكم، فلم يكن أولا ضالا ولا غاويا، وصار الآن منقذا من الضلالة ومرشدا وهاديا.
وأما على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة ؟ نقول بلى، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر، والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب، فقال تعالى :﴿ما ضل﴾ في صغره، لأنه لا ينطق عن الهوى، وأحسن ما يقال في تفسير ﴿الهوى﴾ أنها المحبة، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دنيئة، وتركت المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء، ولو قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة، فإنها مستعملة في موضع المدح، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى :﴿فأما من طغى وءاثر الحياة الدنيا﴾ إلى قوله ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ إشارة إلى علو مرتبة النفس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى