روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَأَنتُمْ سامدون﴾ أي لاهون كما روى عن ابن عباس جواباً لنافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد :قيل :
ليت ( عاداً ) قبلوا الحقولم يبدوا جحودا
قم فانظر إليهمثم دع عنك ( السمودا )
وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه سئل عن السمود، فقال : البرطمة وهي رفع الرأس تكبراً أي وأنتم رافعون رؤوسكم تكبراً، وروى تفسيره بالبرطمة عن مجاهد أيضاً، وقال الراغب : السامد اللاهي الرافع رأسه من سمد البعير في سيره إذا رفع رأسه، وقال أبو عبيدة : السمود الغناء بلغة حمير يقولون : يا جارية اسمدي لنا أي غنى لنا، وروى نحوه عن عكرمة، وأخرج عبد الرزاق. والبزار. وابن جرير. والبيهقي في «سننه » وجماعة عن ابن عباس أنه قال : هو الغناء باليمانية وكانوا إذا سمعوا القرآن غنوا تشاغلاً عنه، وقييل : يفعلون ذلك ليشغلوا الناس عن استماعه، والجملة الاسمية على جميع ذلك حال من فاعل لا تبكون ومضمونها قيد للنفي والانكار متوجه إلى نفي البكاء ووجود السمود، وقال المبرد : السمود الجمود والخشوع كما في قوله :
رمى الحدثان نسوة آل سعدبمقدار سمدن له ( سمودا )
فرد شعورهن السود بيضاورد وجوههن البيض سودا
والجملة عليه حال من فاعل ﴿تبكون﴾ [النجم: ٦٠] أيضاً إلا أن مضمونها قيد للمنفى، والإنكار وارد على نفي البكاء والسمود معاً فلا تغفل، وف حرف أبيّ. وعبد الله تضحكون بغير واو، وقرأ الحسن تعجبون تضحكون بغير واو وضم التاءين وكسر الجيم والحاء، واستدل بالآية كما في أحكام القرآن على استحباب البكاء عند سماع القرآن وقراءته، أخرج البيهقي في «شعب الايمان » عن أبي هريرة قال :«لما نزلت ﴿أَفَمِنْ هذا الحديث﴾ [النجم: ٥٩] الآية بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع رسول الله ﷺ حنينهم بكى معهم فبكينا ببكائه فقال عليه الصلاة والسلام :" لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى ولا يدخل الجنة مصرّ على معصيته ولو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " وأخرج أحمد في الزهد. وابن أبي شيبة. وهناد. وغيرهم عن صالح أبي الخليل قال : لما نزلت هذه الآية ﴿أَفَمِنْ هذا الحديث تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦٠] ما ضحك النبي ﷺ بعد ذلك إلا أن يتبسم » ولفظ عبد بن حميد " فما رؤى النبي عليه الصلاة والسلام ضاحكاً ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا " وفيه سد باب الضحك عند قراءة القرآن ولو لم يكن استهزاءاً والعياذ بالله عز وجل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى