اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على ما قبله من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز : جاء زيدٌ ومن أبوك، وتقدمت أدلته أول البقرة.
وقال الزمخشري : فإن قلت : علام عطف قوله :«وَأَلْقِ عَصَاكَ » ؟ قلت : على قوله :«بُورِكَ » لأن معنى : نودي أن بورك(١)، وقيل له : ألق عصاك، والدليل على ذلك قوله :﴿وأن ألق عصاك﴾، بعد قوله : أن يا موسى إني أنا الله على تكرير حرف التفسير، كما يقول : كتبت إليه أن حجَّ واعتمر، وإن شئت، أن حجَّ وأن اعتمر(٢). قال أبو حيان : وقوله إنه معطوف على «بُورِكَ » مُنَافٍ لتقديره، وقيل له : ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على «بُورِكَ » وليس جزؤها الذي هو معمول، وقيل : معطوفاً على «بُورِكَ »، وإنما احتاج إلى تقدير : وقيل له : ألق، ليكون جملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها، كأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة. والصحيح أنه لا يشترط ذلك(٣)، ثم ذكر مذهب سيبويه(٤).
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جان﴾، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها(٥)، سميت جانّاً، لأنها تستر عن الناس(٦). وقرأ الحسن، والزهري، وعمرو(٧) بن عبيد «جَأنٌّ » بهمزة مكان الألف(٨)، وقد(٩) تقدم تقرير هذا عند ﴿وَلاَ الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] على لغة من يهرب من التقاء الساكنين، فيقول شأبَّة ودأبَّة. «وَلَّي مُدْبِراً » هرب(١٠) من الخوف، و «وَلَمْ يُعَقِّبْ » : لم يرجع، يقال : عقب فلان : إذا رجع، وكل راجع معقب.
وقال قتادة : ولم يلتفت، فقال الله(١١) :﴿يا موسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾(١٢)، يريد : إذا أمَّنتهم لا يخافون(١٣)، وقيل : المراد إذا أمرتهم بإظهار معجز أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة(١٤)، لأن الخوف الذي هو شرط الإيمان لا يفارقهم، قال النبي - ﷺ - :«أنا أخشاكم لله »(١٥).
قوله :«تَهْتَزُّ » جملة حالية من ( هاء ) «رآها »(١٦)، لأن(١٧) الرؤية بصريَّة، وقوله :«كَأنَّهَا جَانٌّ » : يجوز أن تكون حالاً(١٨) ثانية(١٩)، وأن تكون حالاً من ضمير «تَهْتَزُّ »(٢٠)، فيكون حالاً متداخلة، وقوله :«وَلَمْ يُعَقّبْ » يجوز أن يكون عطفاً على «وَلَّى »، وأن يكون حالاً أخرى، والمعنى : ولم يرجع على عقبه، كقوله :
٣٩٣٣ - فَمَا عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ(٢١) مِنْ مُعَقِّبوَلاَ نَزلُوا يَومَ الكَرِيهَةِ مَنْزِلا(٢٢)
١ في الكشاف: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي، والمعنى: قيل له: بورك من في النار..
٢ الكشاف ٣/١٣٤..
٣ البحر المحيط ٧/٥٦..
٤ قال أبو حيان: (بل قوله: ﴿وألق عصاك﴾ معطوف على قوله ﴿إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ عطف جملة الأمر على جملة الخبر، وقد أجاز سيبويه جاء زيد ومن عمرو) البحر المحيط ٧/٥٦..
٥ في ب: اضطرب، انظر البغوي ٦/٢٦٢..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٨٤..
٧ في ب: وعمر..
٨ المحتسب ٢/١٣٥، الخصائص ٣/١٢٦، سر صناعة الإعراب ١/٧٢-٧٣، المنصف ١/١٤٩، الكشاف ٣/١٣٤، ابن يعيش ٩/١٢٩-١٣٠، البحر المحيط ٧/٥٦-٥٧..
٩ قد: سقط من ب..
١٠ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٦/٢٦٢..
١١ لفظ الجلالة: سقط من ب..
١٢ في الأصل: المرسلين. وهو تحريف..
١٣ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٦/٢٦٢..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٤..
١٥ أخرجه البخاري (نكاح) ٣/٢٣٧، أحمد ٦/٦٧، ١٥٦، ٢٢٦، ٢٤٥..
١٦ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٥، البيان ٢/٢١٩، التبيان ٢/١٠٠٥..
١٧ في ب: لأنه. وهو تحريف..
١٨ في ب: حال..
١٩ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١٤٥، البيان ٢/٢١٩..
٢٠ انظر التبيان ٢/١٠٠٥..
٢١ في ب: هم..
٢٢ البيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٣/١٣٤، البحر المحيط ٧/٥٧، شرح شواهد الكشاف(١٠٠)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى