تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
[ الآية ١٥ ] وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ فيه وجهان من الاستدلال :
أحدهما في خلق أفعال العباد.
والثاني : في ترك الأصلح.
أما الاستدلال على خلق الأفعال فلأنه(١) قال :﴿آتينا داوود وسليمان علما﴾ وقال على إثره :﴿علمنا منطق الطير﴾ [النمل: ١٦] وقال في رسول الله :﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩] وقال :﴿الرحمن﴾ ﴿علم القرآن﴾ ﴿خلق الإنسان﴾ ﴿علمه البيان﴾ [الرحمن: ١-٤] ونحوه من الآيات في ما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه. فلو لم يكن له في ذلك صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى. فدل أنه خلق أفعالهم منهم.
فإن قيل : إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم قيل : لا يحتمل ذلك لأنه قد أعطى رسول الله ﷺ جميع أسباب الشعر، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله ﷺ ثم أخبر أنه لم يرد به الأسباب، ولكن أراد ما ذكرنا.
وأما في ترك الأصلح فهو ما ذكر من قوله ﴿ولقد آتينا داوود وسليمان علما﴾. . . ﴿وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء﴾ إنه إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال. فلو كان لا يجوز أن يعطيه ذلك، ولا كان له ترك ما فعل بهم من الأفضال لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال والامتنان معنى، ولا كان داوود وسليمان يحمدان على ما أعطاهما، ولا كان له ترك الحمد بذلك أو فعل ما عليه أن يفعل.
دل أنه إنما أعطى ذلك، وفعل بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان، وكان له ترك ما فعل، وإن كان ذلك لهم أصلح في الدين.
فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم في إنكارهم خلق الأفعال وجواز ترك الأصلح في الدين. ثم قوله :﴿علما﴾ قال بعضهم : علما بالقضاء والحكم، والعلم بكلام الطير الدواب. وقال بعضهم : فضلا بالنبوة والعلم.
لكن عندنا ذكر أنه آتاهما العلم، ولم يبين ما ذلك العلم أنه علم ماذا ؟ مخافة الكذب على الله، والله أعلم.
١ - الفاء ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى