التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى - سبحانه - ما قالته نملة عندما رأت هذا الجيس العظيم المنظم، فقال - تعالى - :﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.
و ﴿حتى﴾ هنا ابتدائية. أى : يبتدأ بها الكلام، وقوله ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ جواب إذا.
وقوله :﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ من الحطم، وأصله : كسر الشىء.. يقال : حطم فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا : الإهلاك والقتل.
والمعنى : وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام، ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل﴾ أى : على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة سليمان ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده :﴿ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ أى : ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى ﴿أَتَوْا﴾ بعلى ؟ قلت : يتوجه على معنين : أحدهما : أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء... والثانى : أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء إذا أنفذه وبلغ آخره...
فإن قلت :﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ما هو ؟ قلت : يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكون نهيا بدلاً من الأمر. والذى جوز أن يكون بدلاً منه : أنه فى معنى : لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة : لاأرينك ههنا ".
أى : لا تحضر ها هنا بحيث أراك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى