الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿طس﴾ قرىء : بالتفخيم والإمالة، و ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين : إما اللوح، وإبانته : أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه إبانة. وإما الصورة. وإما القرآن، وإبانتهما : أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع، وأنّ إعجازهما ظاهر مكشوف، وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين : على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأنّ المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه.
فإن قلت : لم نكر الكتاب المبين ؟ قلت : ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله تعالى :﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥].
فإن قلت : ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن ؟ قلت : كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك : هذا فعل السخي والجواد الكريم، لأنّ القرآن هو المنزل المبارك المصدّق لما بين يديه، فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح، فكأنه قيل : تلك الآيات آيات المنزل المبارك آي كتاب مبين. وقرأ ابن أبي عبلة :«وكتابٌ مبينٌ » بالرفع على تقدير : وآيات كتاب مبين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين قوله :﴿الرَ تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١] ؟ قلت : لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدّم والتأخر، وذلك على ضربين : ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى :﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، [الأعراف: ١٦١]، ﴿وادخلوا الباب سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، [الأعراف: ١٦١] ومنه ما نحن بصدده. والثاني : نحو قوله تعالى :﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى