البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿لأعذبنه عذاباً شديداً﴾ : أبهم العذاب الشديد، وفي تعيينه أقوال متعارضة، والأجود أن يجعل أمثلة.
فعن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج : نتف ريشه.
وقال ابن جريج : ريشه كله.
وقال يزيد بن رومان : جناحه.
وقال ابن وهب : نصفه ويبقى نصفه.
وقيل : يزاد مع نتفه تركه للشمس.
وقيل : يحبس في القفص.
وقيل : يطلى بالقطران ويشمس.
وقيل : ينتف ويلقى للنمل.
وقيل : يجمع مع غير جنسه.
وقيل : يبعد من خدمة سليمان عليه السلام.
وقيل : يفرق بينه وبين إلفه.
وقيل : يلزم خدمة امرأته، وكان هذا القول من سليمان غضباً لله، حيث حضرت الصلاة وطلب الماء للوضوء فلم يجده، وأباح الله له ذلك للمصلحة، كما أباح البهائم والطيور للأكل، وكما سخر له الطير، فله أن يؤذّيه إذا لم يأت ما سخر له.
وقرأ الجمهور : أو ليأتيني، بنون مشددة بعدها ياء المتكلم، وابن كثير : بنون مشددة بعدها نون الوقاية بعد الياء ؛ وعيسى بن عمر : بنون مشددة مفتوحة بغير ياء.
والسلطان المبين : الحجة والعذر، وفيه دليل على الإغلاط على العاصين وعقابهم.
وبدأ أولاً بأخف العقابين، وهو التعذيب ؛ ثم أتبعه بالأشد، وهو إذهاب المهجة بالذبح، وأقسم على هذين لأنهما من فعله، وأقسم على الإتيان بالسلطان وليس من فعله.
لما نظم الثلاثة في الحكم بأو، كأنه قال : ليكونن أحد الثلاثة، والمعنى : إن أتى بالسلطان، لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإلا كان أحدهما.
ولا يدل قسمه على الإتيان على ادعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه يأتيه بسلطان، فيكون قوله :﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ عن دراية وإيقان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى