التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
هو الذي يستحق العبادة لا غيره، و ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ لا ملكة سبأ؛ لأن عرشها وإن كان عظيمًا لا يبلغ عرش الله في العِظَم (١).
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى منتهى هذه الآية، من كلام الهدهد (٢). والسجود على مذهب الشافعي رضي الله عنه يكون عقيب هذه الآية.
٢٧ - قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُر﴾ قال سليمان للهدهد: سننظر فيما أخبرتنا من هذه القصة ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيم قلت ﴿أَمْ كُنْتَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وصاحب النظم: يعني: أم أنت من الكاذبين (٣). والكلام في الكاذبين في مخاطبة الطير كالكلام في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقد مر (٤).
٢٨ - قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل: كتب سليمان كتابًا وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، وقال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أهل سبأ (٥).
وفي قوله: (أَلْقِهِ) أوجه من القراءة؛ أجودها: وصل الهاء بالياء: (فَأَلْقِهِي) (٦)، وترك وصله بالياء إنما يكون في الشعر؛ كقوله:
(١) بنصه في "تفسير الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٧٦، ولم ينسبه. والأولى جعل الآية عامة، قال ابن كثير: أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات. "البداية والنهاية" ٢/ ٢٢.
(٢) أخرجه عنهما ابن جرير ١٩/ ١٥١. وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب.
(٣) "تفسير مقاتل" ٥٨ ب.
(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]
(٥) "تفسير مقاتل" ٥٨ ب.
(٦) في قوله تعالى ﴿فَأَلْقِهْ﴾ ثلاث قراءات: =
ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا (١)
وأنشد الزجاج:
سأجعلُ عينيه لنفْسِه مَقْنَعًا (٢)
١ - إسكان الهاء، قرأ بها حمزة، وعاصم وأبو عمرو.
٢ - كسر الهاء من غير ياء، قرأ بها نافع في رواية قالون.
٣ - كسر الهاء ووصلها بالياء، قرأ بها ابن كثير والكسائي وابن عامر، وورش عن نافع.
"السبعة في القراءات" ٤٨١. و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٥٠. وجود كسر الهاء مع الياء الزجاج، "معاني القرآن" ٤/ ١١٦. واختارها الأزهري، "معاني القراءات" ٢/ ٢٤١. وقال السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٩٤: والقراءة بالياء أوسع اللغتين، وأكثر استعمالًا.
(١) عجز بيت ذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٨٧، ولم ينسبه، وصدره:
أو مُعْبَرُ الظهر يُنبي عن وَليَّته
وهو من شواهد سيبويه، ونسبه لرجل من باهلة. وذكره المبرد، والأنباري، ولم ينسباه. والشاعر يصف لصًا يتمنى سرقة بعير لم يستعمله صاحبه في سفر لحج أو عمرة. ومعبر الظهر: كثير الشعر في امتلاء، والولية: البرذعة، ومعنى: ينبي عن وليته: يجعلها تنبو عنه لسمنه. "الكتاب" ١/ ٣٠، و"الإنصاف" ٢/ ٥١٦، و"المقتضب" ١/ ٣٨، وحاشيته. والبرذعة والبردعة، بالذال والدال: الحِلس الذي يُلقى تحت الرحل. "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٥٧ (برخ)، و"لسان العرب" ٨/ ٨ وفي "المعجم الوسيط" ١/ ٤٨: ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه كالسرج للفرس.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١١٧، ولم ينسبه، وصدره:
فإن يك غثًّا أو سمينًا فإنني
ونسبه سيبويه ١/ ٢٨، لمالك بن خريم الهمداني، واستشهد به سيبويه على حذف الياء في الوصل من قوله: لنفسه، للضرورة. وذكره المبرد، في "المقتضب" ١/ ٣٨، ولم ينسبه. وفي حاشيته: يقول الشاعر: إنه يقدم لضيفه ما عنده من القِرى، ويحكّمه فيه ليختار منه أفضل ما تقع عليه عيناه، فيقتنع بذلك.
قال: ولو قال: لنفسهي، لكسر الشعر ولكنه ترك الياء وأبقى الكسرة لإقامة الوزن، وأكثر ما يقع هذا في الشعر.
ومن أسكن الهاء فغالط؛ لأن الهاء ليست مجزومة، وليس له وجه من القياس؛ لأنه يُجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف (١)، وزعم الأخفش أن هذا لغة كقوله:
.. مشتاقانِ لَهْ أَرِقان (٢)
ولم يحك ذلك سيبويه، وحمله على الضرورة (٣).
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١١٧. وسياق الكلام فيه يدل على الإثبات، قال: لأن الهاء ليست بمجزومة، ولها وجه من القياس، وهو أنه يجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف، وأكثر ما يقع هذا في الشعر أن تحذف هذه الهاء وتُبقي كسرة. وتسكين الهاء قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، في رواية عنهم. "السبعة في القراءات" ٤٨١. و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٥٠.
(٢) أنشده كاملاً، الأخفش ١/ ١٧٩، في تفسير سورة البقرة، وعنه ابن جني، "الخصائص" ١/ ١٢٨، ولم ينسباه. وكذا أبو علي في "الحجة" ٥/ ٣٨٧، وحمله المبرد على الضرورة، "المقتضب" ١/ ٣٩.
والبيت بتمامه:
فَظِلتُ لدى البيت العتيق أُريغهُومِطواي مشتاقان لَهْ أرقان
وفي الحاشية: الأصل: فظللت فحذفت العين، ويجوز فتح الظاء وكسرها، وأريغه: بمعنى: أطلبه، ومطواي: بمعنى صاحباى، مثنى: مطوى، وضمير الغائب للبرق. "المقتضب" ١/ ٣٩. وعند الأخفش: أُخيله بدل: أريغه. والشاهد فيه تسكين الهاء من: له، وحذف حركتها.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٨٧. قال علي بن سليمان: لا تلتفت إلى هذه اللغة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن تحذف الإعراب من الأسماء. "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٢٠٩. وتكلم عن هذا سيبويه ١/ ٢٦.
قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: انصرف عنهم (١).
وقيل: أعرض عنهم. [قال ابن زيد: هذا على التأخير والتقديم، المعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم (٢). قال: لأن رجوعه من عندهم] (٣) والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب.
قال الزجاج: وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام (٤). ومن لم يحمل الآية على التقديم والتأخير قال: معناه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مستترًا من حيث لا يرونك فانظر ما يردون من الجواب (٥). فيقال: إن الهدهد فعل ذلك: ألقى الكتاب وطار إلى كَوَّة (٦) في مجلسها متواريًا
(١) "تفسير مقاتل" ٥٨ ب. و"تفسير هود الهواري" ٣/ ٢٥٢.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥١، وذكره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب. وأبو علي، كتاب "الشعر" ١/ ١٠٢، ولم ينسبه.
(٣) ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١١٧. واختار هذا الوجه الأخفش، "معاني القرآن" ٢/ ٦٥١، وذكره الفراء، "معاني القرآن" ٢/ ٢٩١.
وذهب إلى القول بالتقديم والتأخير الأنباري، "الأضداد" ١١١. وهذا التقديم والتأخير لا يحتاج إليه؛ لأن الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب، والمعنى: فألقه إليهم ثم قول عنهم قريبًا منهم فانظر ماذا يرجعون. "تفسير الطوسي" ٨/ ٩١.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١١٧. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٧١، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: كن قريبًا منهم.
وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٥١، عن وهب بن منبه. واختاره الثعلبي ٨/ ١٢٧ ب.
(٦) الكوة: الخرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء. "اللسان" ١٥/ ٢٣٦ (كوي).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى