البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
و ﴿أتمدونني بمال﴾ : استفهام إنكار واستقلال، وفي ذلك دلالة على عزوفه عن الدنيا، وعدم تعلق قلبه عليه الصلاة والسلام بها.
ثم ذكر نعمة الله عليه، وإن ما آتاه الله من النبوة وسعة الملك خير مما آتاكم، بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون بحبكم الدنيا، والهدية تصح إضافتها إلى المهدي وإلى المهدى إليه، وهي هنا مضافة للمهدى إليه، وهذا هو الظاهر.
ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي، أي بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك، فإنكم قدرتم على إهداء مثلها.
ويجوز أن تكون عبارة عن الرد، كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها.
وقرأ جمهور السبعة : أتمدونني، بنونين، وأثبت بعض الياء.
وقرأ حمزة : بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم.
وقرأ المسيبي، عن نافع : بنون واحدة خفيفة.
وقال الزمخشري : فإن قلت : ما الفرق بين قولك : أتمدونني بمال وأنا أغني منكم، وبين أن يقوله بالفاء ؟ قلت : إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى، وهو مع ذلك يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء، فقد جعلته ممن خفيت عنه حالي، وأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له : أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه.
وعليه ورد قوله :﴿فما آتاني الله﴾.
فإن قلت : فما وجه الإضراب ؟ قلت : لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضاً ولا فرح إلا أن يهدى إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها. انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى