بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
فقال سليمان : أنا أريد أسرع من هذا ﴿قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب﴾ يعني : آصف بن برخيا، وكان وزيره ومؤدبه في حال صغره، وكان يعلم الاسم الأعظم، ويقرأ كتاب الله. فقال : يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت. ويقال : هو قوله يا حي يا قيوم. ويقال يا ذا الجلال والإكرام ويقال إن الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه السلام، وهو قول المعتزلة. قال الشيخ الإمام : لأنهم لا يرون كرامة الأولياء وأكثر المفسرين على أنه آصف بن برخيا رضي الله عنه قال :﴿قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ﴾ يعني : قبل أن ينتهي إليك الذي وقع عليه منتهى بصرك، وهو جاءٍ إليك. ويقال : قبل أن تطرف. قال له سليمان : لقد أسرعت إن فعلت ذلك، فدعا بالاسم الأعظم، فإذا بالسرير قد ظهر بين يدي سليمان ﴿فَلَمَّا رَءاهُ﴾ أي : رأى سليمان السرير ﴿مُسْتَقِرّاً عِندَهُ﴾ أي : موجوداً عنده ﴿قَالَ﴾ سليمان ﴿هذا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى﴾ يعني : ليختبرني ﴿أأشكَرَ﴾ هذه النعمة ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ نعم الله تعالى إذا رأيت من دوني هو أعلم مني. قال مقاتل : فلما رفع رأسه قال : الحمد لله الذي جعل في أهلي من يدعوه، فيستجيب له ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يعني : يفعل لنفسه، لأنه يعود إليه حيث يستجيب المزيد من الله تعالى ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ النعم يعني : ترك الشكر ﴿فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ﴾ عن شكر العباد ﴿كَرِيمٌ﴾ في الإفضال على من شكره بالنعمة. ويقال : كريم لمن شكر من عباده. ويقال : لما رأى آصف السرير مستقراً عنده خرج من فضل نفسه، ورجع إلى فضل الله، ورأى الحول والقوة لله تعالى، فقال : هذا من فضل ربي لا من فضل نفسي، ولو لم يقل من فضل ربي لسقط عن المنزلة أسرع من إتيان السرير حيث قال :﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مّن﴾ حيث شهر نفسه بالفضيلة. ويقال :﴿أنا آتيك به﴾. يعني : بالله آتيك لا بالمدة والحيلة ؛ فأسقط الحول والقوة عن نفسه، وسلم الأمر إلى الله. فقال :﴿هذا مِن فَضْلِ رَبّى﴾، فلما رأى سليمان السرير عنده علم أن هذا ليس من قوة جلسائه، إنما هو من صنع ربه.