الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿الصَّرْحَ﴾ : قد تقدم الخلافُ في الظرف الواقع بعد " دخل " : هل هو منصوبٌ على الظرفِ ؟ وشَذَّ ذلك مع " دخل " خاصةً كما قاله سيبويه، أو مفعول به كهَدَمْتُ البيتَ كما قاله الأخفش. والصَّرْحُ : القَصْرُ أو صَحْنُ الدارِ أو بَلاطٌ متخَذٌ مِنْ زُجاج. وأصلُه من التصرِيح، وهو الكشفُ. وكَذِبٌ صُراحٌ أي : ظاهرٌ مكشوفٌ وَلُؤْمٌ صُراحٌ. والصَّريحُ : مقابِلُ الكنايةِ لظهورِه واستتارِ ضدِّه. وقيل : الصريحُ : الخالِصُ، مِنْ قولِهم : لَبَنٌ صَريحٌ بَيِّنُ الصَّراحَةِ والصُّرُوْحَةِ.
وقال الراغب :" الصَّرْحُ : بيتٌ عالٍ مُزَوَّقٌ، سمِّي بذلك اعتباراً بكونِه صَرْحاً عن/ الشَّوْبِ أي : خالصاً ".
قوله :﴿سَاقَيْهَا﴾ العامَّةُ على ألفٍ صريحةٍ. وقنبل روى همزَها عن ابنِ كثير. وضَعَّفَها أبو عليّ. وكذلك فعل قنبل في جمع " ساق " في ص، وفي الفتح هَمَزَ واوَه. فقرأ " بالسُّؤْقِ والأَعْناق " " فاسْتَوَى على سُؤْقِه " بهمزةٍ مكانَ الواوِ. وعنه وجهٌ آخرٌ :" السُّؤُوْق " و " سُؤُوْقة " بزيادة واوٍ بعد الهمزةِ.
ورُوِي عنه أنه كان يَهْمِزُه مفرداً في قوله :﴿يُكْشَفُ عَن سَأْقٍ﴾ [القلم: ٤٢].
فأمَّا هَمْزُ الواوِ ففيها أوجهٌ، أحدُها : أنَّ الواوَ الساكنةَ المضمومَ ما قبلَها يَقْلِبُها بعضُ العربِ همزةَ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في أولِ البقرةِ عند " يُوْقنون " وأنشَدْتُ عليه :
أَحَبُّ المُؤْقِدِين إليَّ مُوْسَى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان أبو حَيَّةَ النميري يَهْمِزُ كلَّ واوٍ في القرآن، هذا وَصْفُها. الثاني : أنَّ ساقاً على فَعَلَ كأَسَدٍ، فجُمِعَ على فُعُل بضمِّ العين كأُسُدٍ. والواوُ المضمومةُ تُقْلب همزةً نحو : وُجوه، ووُقِّتَتْ، ثم بعد الهمزِ سَكَنَتْ.
الثالث : أنَّ المفردَ سُمِعَ هَمْزُه، كما سيأتي تقريرُه، فجاء جَمْعُه عليه.
وأمَّا " سُؤُوْق " بالواوِ بعد الهمزةِ فإنَّ ساقاً جُمِع على " سُوُوق " بواوِ، فهُمِزَتْ الأولى لانضمامِها. وهذه الروايةُ غريبةٌ عن قنبلٍ، وقد قَرَأْنا بها ولله الحمدُ.
وأمَّا " سَأْقَيْها " فوجهُ الهمزِ أحدُ أوجهٍ : إمَّا لغةُ مَنْ يَقْلِبُ الألفَ همزةَ، وعليه لغةُ العَجَّاج في العَأْلَمِ والخَأْتَمِ. وأنشد :
وخِنْدِفٌ هامَةُ هذا العَأْلَمِ ***
وسيأتي تقريرُه أيضاً في " مِنْسَأَته " في سبأ إنْ شاء اللهُ تعالى، وتقدَّم طَرَفٌ منه في الفاتحة، وإمَّا على التشبيهِ برِأْس وكَأْس، كما قالوا :" حَلأْت السَّويق " حَمْلاً على حَلأُتُه عن الماء أي طَرَدْتُه، وإمَّا حَمْلاً للمفرد والمثنى على جَمْعِهما. وقد تَقَرَّر في جمعِهما الهمزُ.
قوله :﴿مُّمَرَّدٌ﴾ أي مُمَلَّسٌ. ومنه الأَمْرَدُ لِمَلاسَةِ وجهه من الشَّعر. وبَرِّيَّة مَرْدَاء : لخُلُوِّها من النباتِ، ورَمْلَةٌ مَرْداء : لا تُنْبِتُ شيئاً. والمارِدُ من الشياطين : مَنْ تَعَرَّى من الخيرِ وتَجَرَّد منه. ومارِدٌ : حِصْنٌ معروفٌ. وفي أمثال الزَّبَّاء :" تَمَرَّد مارِدٌ وعَزَّ الأَبْلَقُ " قالَتْها في حِصْنَيْنِ امتنع فَتْحُهما عليها.
والقوارِيْرُ : جمعُ قارُوْرة، وهي الزُّجاج الشفافُ. و " مِنْ قواريرَ " صفةٌ ثانية ل " صَرْحٌ ".
قوله :﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، ولا يتعلَّقُ ب " أَسْلَمْتُ " ؛ لأنَّ إسلامَه سابقٌ إسلامَها بزمانٍ. وهو وجهٌ لطيفٌ. وقال ابن عطية :" ومع ظرفٌ بُنِيَ على الفتحِ. وأمَّا إذا أُسْكِنَتِ العينُ فلا خِلافَ أنه حرفٌ " قلتُ : قد تقدَّم القولُ في ذلك. وقد قال مكي هنا نحواً مِنْ قولِ ابنِ عطيةَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى