غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿وكان في المدينة﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدنية والشام ﴿تسعة رهط﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولقد أرسلنا﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر. والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية. وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿تسعة رهط﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿يفسدون﴾ في أرض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿تقاسموا﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق سبحانه. ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ومكروا مكراً﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ومكرنا مكراً﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿وهم لا يشعرون﴾ أن صلاحهم في هلاكهم. فمن قتلته فأنا ديته ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجمعين وهم النفس وصفاتها ﴿فتلك بيوتهم﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿بما ظلموا﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿وأنجينا الذين آمنوا﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها. ولوط الروح ﴿إذ قال لقومه﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿أتأتون الفاحشة﴾ وهي كل ما زلت به أقدامهم عن الصراط المستقيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿وأنتم تبصرون﴾ تميزون الخير من الشر. وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿فما كان جواب قومه﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿أخرجوا﴾ الصفات الروحانية من قرية الشخص الإنساني ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿فأنجيناه وأهله﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿إلا امرأته﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿وأمطرنا﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿فساء مطر المنذرين﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿قل الحمد لله وسلام﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿على عباده﴾ ﴿أمن خلق﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿فأنبتنا به حدائق﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿أءله مع الله﴾ من الهوى ﴿أمن جعل﴾ أرض النفس ﴿قراراُ﴾ في الجسد ﴿وجعل خلالها أنهاراً﴾ من دواعي البشرية ﴿وجعل لها رواسي﴾ من القوى والحواس ﴿وجعل بين﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿حاجزاً﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿أءله مع الله﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ويجعلكم﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿أءله مع الله﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿أمن يهديكم في ظلمات﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿أءله مع الله﴾ كما يقول المنجمون : مطرنا بنوء كذا. وكما يقوله قاصرو النظر : هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿من يبدأ الخلق﴾ بالوجود المجازي ﴿ثم يعيده﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ومن يرزقكم﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿أءله مع الله﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.
وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح.