التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
ولا واحد للرهط من لفظه (١). فلذلك قيل: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ والمراد به تسعة رجل، وليس المراد به: رهط تسعة، على أن يجمع الرهط فيبلغوا خمسين أو قدره.
قال ابن عباس: كانوا تسعة من أشرافهم، وهم غواة قوم صالح (٢) ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعملون فيها بالمعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لا يطيعون الله. قاله مقاتل (٣). وقال الكلبي: لا يدعون إلى توحيد الله (٤).
٤٩ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ لفظٌ يصلح أن يراد به مثال الماضي، ويصلح أن يراد به مثال الأمر (٥).
= يحضّض على الحرب، ويعرّض بالحارث بن عباد البكري الذي كان اعتزل الحرب، وقوله: وضعت، أي: حطت قومًا بالقعود عنها، وأسقطتهم عن مرتبة الشرف فاستراحوا وآثروا السلامة كالنساء، ولم يعانوا أخطار المجد والسيادة. وعن ابن جني، ذكره البغدادي، "الخزانة" ١١/ ١٤١، ولم ينسبه.
(١) "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٥٠. و"تهذيب اللغة" ٦/ ١٧٤ (رهط)، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٢١٤.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠، وفيه ذكر أسمائهم، وذكر أسماءهم مقاتل ٦٠ ب، والثعلبي ٨/ ١٣٢ أ، وهو مما لا دليل عليه. وقال الزجاج ٤/ ١٢٣: هؤلاء عتاة قوم صالح.
(٣) "تفسير مقاتل" ٦٠ ب.
(٤) في "تنوير المقباس" ٣١٩: لا يأمرون بالصلاح ولا يعملون به. قال مالك بن دينار: فكم اليوم في كل قبيلة من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٠.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٩٤، وفيه: ألا ترى أنك تقول: تقاسموا أمسِ، إذا أردت الماضي، وتقاسموا غدًا، إذا أردت به الأمر. وذكر هذا القول الثعلبي ٨/ ١٣٢ أ.
وفي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ و: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ وجهان من القراءة؛ أحدهما: التاء وضم اللام من الفعلين على مخاطبة الجماعة (١). والثاني: النون وفتح اللام على إخبار الجماعة عن أنفسهم (٢)، فمن قرأ بالتاء كان قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ والمعنى: قال بعضهم لبعض: احلفوا لتهلكن صالحًا، وجعل: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ جوابًا لتقاسموا؛ لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تُتَلقى بما تُتَلقى به الأيمان، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] و: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ [فاطر ٤٢] ومن قرأ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون جاز أن يكون: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ كأنهم قالوا: أَقْسِموا لنفعلن كذا وكذا (٣)، والذين أمروهم بالقسم داخلون معهم في الفعل، ألا ترى أنك تقول: قوموا نذهبْ إلى فلان، ويجوز على هذا الوجه من القراءة أن يكون قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ خبرًا، والمعنى: قالوا متقاسمين لنفعلن كذا. وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي (٤).
ومعنى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ بياتًا. قاله ابن عباس (٥). ومضى تفسير
(١) أي: ضم التاء من: (لنبيتُنه) وضم اللام من: (لنقولُن).
(٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، بالنون في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي، بالتاء في الموضعين. "السبعة في القراءات" ٤٨٣، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٩٤، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٨، قال النحاس: وهذا أحسن ما قرئ به هذا الحرف؛ لأنه يدخل فيه المخاطبون في اللفظ والمعنى. "إعراب القرآن" ٣/ ٢١٥.
(٣) وكذا. في نسخة: (ب).
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٩٦. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٢٣. و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٩٤.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٠٢. و"تفسير مقاتل" ٦٠ ب.
البيات عند قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] (١).
قوله: (وَأَهْلَهُ) قال ابن عباس: يريدون بني عبيد، وكانوا آمنوا معه (٢).
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قال مقاتل: يعني: ذا رحم صالح، إن سألونا عنه (٣).
وقال ابن عباس: يريدون قومه ولد عبيد، وهم: نفر من ثمود ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ما قتلناه وما ندري من قتل صالحًا وأهله (٤). والمهلك يحتمل أمرين: يجوز أن يكون إهلاك أهله، ويجوز أن يكون الموضع (٥).
وروى أبو بكر عن عاصم: (مَهلَك) بفتح الميم واللام يريد: الهلاك، يقال: هلك يهلك مَهلَكًا، كما أن المصدر في: ضرب، يضرب مَضرَبًا بفتح الراء، ولكون المصدر مضافًا إلى الفاعل؛ كما تقول: هلاك أهله. وحكي أنه يقال: هلك بمعنى: أهلك، في لغة تميم، فيكون المهلَك على هذا مصدرًا مضافًا إلى المفعول به، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام ﴿مَهْلِكَ﴾ فيجوز أن يكون اسم المكان على: ما شهدنا موضع هلاكهم ومكانه فيكون المهلِك: كالمجلس في أنه يراد به موضع الجلوس، ويجوز
(١) أحال الواحدي في تفسير البيات عند هذه الآية على الآية ٨١، من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ وفيها قال الوا حدي في تفسير البيات: قال الزجاج: كل أمر فكر فيه، وخيض فيه بليل، فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد.. وهو قول أبي عبيدة وأبي العباس، وجميع أهل اللغة.
(٢) قال الحسن: أهله: أمته الذين على دينه. تفسير الهواري ٣/ ٢٥٨.
(٣) "تفسير مقاتل" ٦٠ ب.
(٤) "تفسير مقاتل" ٦٠ ب.
(٥) "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٢١٥.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى