تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
[ الآية ٤ ] وقوله تعالى :﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم﴾ الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني. ويحتمل ﴿زينا لهم أعمالهم﴾ الأعمال التي هي عليهم، أي زين لهم الخيرات والطاعات. لكنهم أبوا أن يأتوا بها.
فالمعتزلة قالوا بهذا التأويل، وأبوا أن يقولوا بالأول : أن يكون من الله تزيين ما هم فيه من الشرك والكفر، إذ أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان حين(١) قال :﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٢٤] وقال :﴿الشيطان سول لهم﴾ [محمد: ٢٥] ونحو ذلك من الآيات، فقالوا : أضاف إلى الشيطان، ولا يجوز أن يضاف إلى الله. ذلك بغيته.
فدل أن الله إنما زين أعمالهم التي عليهم من الإيمان والخيرات لا الأعمال التي هم فيها.
لكن عندنا يجوز إضافة تزيين أعمالهم التي هم فيها إلى الله من جهة ما ركب فيهم من الشهوات والأماني التي توافق طباعهم وأنفسهم لأن التزيين يقع بنفس الكفر وأفعاله ؛ إذ الكفر نفسه ليس بمزين ولا مستحسن. إنا هو شتم رب العالمين، ولكن تزيينه واستحسانه، هو موافقة ما يعمل من الأعمال طباعة والجهة التي تضاف إلى الله، إذ الجهة التي تضاف إلى الشيطان هي دعاؤه وتمنيته إلى ما يوافق طباعهم. فمن هذه الجهة تجوز إضافته على الشيطان.
والجهة التي تضاف إلى الله هي ما ركب فيهم من الشهوات والأماني، وجعل الطباع موافقة(٢) لها.
وإلا الصدق وجميع الخير يأتي(٣) ؛ إنما يكون مزينا مستحسنا في العقل للعاقبة. وجميع المعاصي مستقبح في العقل للعاقبة : إذا حمد أحدهما، وأثيب على فعله ذم(٤) الآخر، وعوقب لسوء اختياره.
ويحتمل(٥) أن تكون إضافة ذلك إلى الله لما خلق أفعالهم وأعمالهم التي عملوها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهي من هذه الجهة فعله. وهو يرد قولهم في إبائهم خلق أفعال العباد.
وقوله تعالى :﴿فهم يعمهون﴾ قيل : يترددون. وأصل العمه الحيرة، أي يتحيرون.
١ - في الأصل وم: حيث..
٢ - في الأصل وم: موافقا..
٣ - في الأصل وم: بات..
٤ - في الأصل وم: وذم..
٥ - في الأصل وم: أو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى