البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
والمضطر : اسم مفعول، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الالتجاء إلى الله والتضرع إليه، فيدعوه لكشف ما اعتراه من ذلك وإزالته عنه.
وقال ابن عباس : هو المجهود.
وقال السدّي : هو الذي لا حول ولا قوة له.
وقيل : هو المذنب إذا استغفر، وإجابته إياه مقرونة بمشيئته تعالى، فليس كل مضطر دعا يجيبه الله في كشف ما به.
وقال الزمخشري : الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به مصلحة، ولهذا لا يحسن الدعاء إلا شارطاً فيه المصلحة.
انتهى، وهو على طريق الاعتزال في مراعاة المصلحة من الله تعالى.
﴿ويكشف﴾ : هو كل ما يسوء، وهو عام في كل ضر انتقل من حالة المضطر، وهو خاص إليّ أعم، وهو ما يسوء، سواء كان المكشوف عنه في حالة الاضطرار أو فيما دونها.
وخلفاء : أي الأمم السالفة، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو خلفاء النبي ﷺ من بعده، أو خلفاء الكفار في أرضهم، أو الملك والتسلط، أقوال.
وقرأ الحسن في رواية : ونجعلكم بنون المتكلم، كأنه استئناف إخبار ووعد، كما قال تعالى :﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾.
وقوله :﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ : انتقال من حالة المضطر إلى رتبة مغايرة لحالة الاضطرار، وهي حالة الخلافة، فهما ظرفان.
وكم رأينا في الدنيا ممن بلغ حالة الاضطرار ثم صار ملكاً متسلطاً.
وقرأ الجمهور : تذكرون، بتاء الخطاب ؛ والحسن، والأعمش، وأبو عمرو : بياء الغيبة، والذال في القراءتين مشددة لإدغام التاء فيها.
وقرأ أبو حيوة : تتذكرون، بتاءين.
ولما ذكر إجابة دعاء المضطر، وكشف السوء، واستخلافهم في الأرض، ناسب أن يستحضر الإنسان دائماً هذه المنة، فختم بقوله :﴿قليلاً ما تذكرون﴾، إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره وكشف السوء عنه، كما قال :
﴿نسي ما كان يدعوا إليه من قبل﴾ ولما ذكر الهداية في الظلمات، وإرسال الرياح نشراً، ومعبوداتهم لا تهدي ولا ترسل، وهم يشركون بها الله، قال تعالى :﴿عما يشركون﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى