التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ
عن الكتاب
﴿ملك الناس إله الناس﴾ هذا عطف بيان، فإن قيل : لم قدم وصفه تعالى برب، ثم بملك، ثم بإله ؟ فالجواب : أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى، وذلك أن الرب قد يطلق على كثير من الناس، فيقال : فلان رب الدار، وشبه ذلك، فبدأ به لاشتراك معناه : وأما الملك فلا يوصف به إلا أحد من الناس، وهم الملوك، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس، فلذلك جاء به بعد الرب، وأما الإله فهو أعلى من الملك، ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة، فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير، فلذلك ختم به ؛ فإن قيل : لما أظهر المضاف إليه -وهو الناس في المرة الثانية والثالثة - فهلا أضمره في المرتين لتقديم ذكره في قوله :﴿برب الناس﴾ ؟ أو هلا اكتفى بإظهاره في المرة الثانية ؟ فالجواب : أنه لما كان عطف بيان حسن فيه البيان، وهو الإظهار دون الإضمار، وقصد أيضا الاعتناء بالمكرر ذكره كقول الشاعر :
| لا أرى لموت يسبق لموت شيء | يغص الموت ذا الغنى والفقير |