روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿مِنَ الجنة والناس﴾ بيان للذي يوسوس على أنه ضربان جني وأنسي كما قال تعالى :﴿شياطين الإنس والجن﴾ [الأنعام: ١١٢] أو متعلق ب«يوسوس » ومن لابتداء الغاية أي يوسوس في صدورهم من جهة الجن مثل أن يلقى في قلب المرء من جهتهم أنهم ينفعون ويضرون ومن جهة الناس مثل أنت يلقى في قلبه من جهة المنجمين والكهان أنهم يعلمون الغيب وجوز فيه الحالية من ضمير يوسوس والبدلية من قوله تعالى :﴿من شر﴾ [الناس: ٤] بإعادة الجار وتقدير المضاف والبدلية من الوسواس على أن من تبعيضية وقال الفراء وجماعة هو بيان للناس بناء على أنه يطلق على الجن أيضاً فيقال كما نقل عن الكلبي ناس من الجن كما يقال نفر ورجال منهم وفيه أن المعروف عند الناس خلافه مع ما في ذلك من شبه جعل قسم الشيء قسيماً له ومثله لا يناسب بلاغة القرآن وإن سلم صحته وتعقب أيضاً بأنه يلزم عليه القول بأن الشيطان يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس ولم يقم دليل عليه ولا يجوز جعل الآية دليلاً لما لا يخفي وأقرب منه على ما قيل أن يراد بالناس الناسي بالياء مثله في قراءة بعضهم ﴿من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩] بالكسر ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله تعالى :﴿يَوْمَ يَدْعُو الداع﴾ [القمر: ٦] ثم يبين بالجنة والناس فإن كان كل فرد من أفراد الفريقين مبتلي بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله واسع رحمته جعلنا الله ممن نال من عصمته الحظ الأوفي وكال له مولاه من رحمته فأوفي