التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله :﴿مِنَ الجنة والناس﴾ زيادة بيان للذي يوسوس فى صدور الناس، وأن الوسوسة بالسوء تأتي من نوعين من المخلوقات : تأتي من الشياطين المعبر عنهم بالجِنّةِ.. وتأتي من الناس.
وقدم - سبحانه - الجِنَّة على الناس ؛ لأنهم هم أصل الوسواس ؛ إذ إنهم مختفون عنا، ولا نراهم، كما قال - تعالى - :﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ فلفظ الجِنَّة - بكسر الجيم - مأخوذ من الجَنِّ - بفتح الجيم - على معنى الخفاء والاستتار.
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأعتصم وأستجير، برب الناس، ومالكهم ومعبودهم الحق، من شر الشيطان الموسوس بالشر، والذي يخنس ويتأخر ويندحر، إذا ما تيقظ له الإِنسان، واستعان عليه بذكر الله - تعالى -.
والذي من صفاته - أيضا - أنه يوسوس فى صدور الناس بالسوء والفحشاء، حيث يلقى فيها خفية، ما يضلها عن طريق الهدى والرشاد.
وهذا الوسواس الخناس، قد يكون من الجن، وقد يكون من الإِنس، فعليك - أيها الرسول الكريم - أن تستعيذ بالله - تعالى - من شر النوعين جميعا.
قال - تعالى - :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً...﴾ قال قتادة : إن من الجن شياطين، وإن من الإِنس شيطاطين، فنعوذ بالله من شياطين الإِنس والجن.
وقال الإِمام ابن كثير : هذه ثلاث صفات من صفات الله - عز وجل - : الربوبية، والملك، والألوهية.
فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له.. فأمر سبحانه المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإِنسان، فإنه ما من أحد من بنى آدم، إلا وله قرين يزين له الفواحش.. والمعصوم من عمصه الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى