جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالنّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبّرَاتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.أقسم ربنا جلّ جلاله بالنازعات، واختلف أهل التأويل فيها، وما هي ؟ وما تنزع ؟ فقال بعضهم : هم الملائكة التي تنزع نفوس بني آدم، والمنزوع نفوس الآدميين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال : حدثنا النضّر بن شُمَيل، قال : أخبرنا شُعبة، عن سليمان، قال : سمعت أبا الضّحى، عن مسروق، عن عبد الله والنّازِعاتِ غَرْقا قال : الملائكة.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق : أنه كان يقول في النازعات : هي الملائكة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب، قال : حدثنا شعبة، عن السديّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في النازعات، قال : حين تنزع نفسه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والنّازِعاتِ غَرْقا قال : تَنْزِع الأنفس.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله : والنّازِعاتِ غَرْقا قال : نزعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم قذف بها في النار.
وقال آخرون : بل هو الموت يَنْزِع النفوس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد والنّازِعاتِ غَرْقا قال : الموت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : هي النجوم تَنْزِع من أُفق إلى أفق.
حدثنا الفضل بن إسحاق، قال : حدثنا أبو قُتَيبة، قال : حدثنا أبو العوّام، أنه سمع الحسن في النّازِعاتِ غَرْقا قال : النجوم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : والنّازِعاتِ غَرْقا قال : النجوم.
وقال آخرون : هي القِسِيّ تَنزِع بالسهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء والنّازِعاتِ غَرْقا قال القِسِيّ.
وقال آخرون : هي النفس حين تنزع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السديّ والنّازِعاتِ غَرْقا قال : النفس حين تغرق في الصدر.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقا، ولم يخصُصْ نازعة دون نازعة، فكلّ نازعة غَرْقا، فداخلة في قَسَمه، مَلَكا كان أو موتا، أو نجما، أو قوسا، أو غير ذلك. والمعنى : والنازعات إغراقا، كما يغرق النازع في القوس.