اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿يَقُولُونَ﴾ أي : يقول هؤلاء المكذِّبون المنكِرُونَ للبعث إذا قيل لهم : إنكم تُبْعَثُون، قالوا منكرين متعجبين : أنُرَدُّ بعد موتتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء، كما كنا قبل الموت ؟ وهو كقولهم :﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩].
قوله :﴿فِي الحافرة﴾ «الحافرة » : التي يرجعُ الإنسان فيها من حيث جاء، يقال : رجع في حافرته، ثم يعبر عن الرجوع في الأحوال من آخر الأمر إلى أوله ؛ قال :[ الوافر ]
٥٠٨٩- أحَافِرةً عَلى صَلعٍ وشَيْبٍ ؟مَعاذَ اللهِ من سَفهٍ وعَارِ(١)
يقول : أأرجعُ ما كنت عليه في شبابي مع الغزلِ والصبا بعد أن شبت وصلعت ؟.
وأصله : أنَّ الإنسان إذا رجع في طريقه أثرت قدماه فيها حفراً.
وقال الراغبُ، في قوله تعالى :﴿فِي الحافرة﴾ مثل لمن يرد من حيث جاء، أي : أنَحْيَا بعد أن نموت ؟.
وقيل :«الحَافرة »، الأرضُ التي جُعلتْ قبُورهُمْ فيها، ومعناه : أئِنَّا لمردودون ونحن في الحافرة ؟ أي : في القبور.
وقوله :«في الحافرة » على هذا في موضع الحال، ويقال : رجع الشيخ إلى حافرته، أي : هرم لقوله تعالى :﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ [النحل: ٧٠].
وقولهم :«النقد عند الحافرة » لما يباع نقداً، وأصله من(٢) الفرس إذا بيع، فيقال : لا يزول حافره، أو ينقد ثمنه.
والحفر : تآكل الأسنان، ود حفر فوه حفراً، وقد أحفر المهر للأثناء والأرباع.
والحافرة :«فاعلة » بمعنى :«مفعولة »، وهي الأرض التي تحفر قبورهم فيها فهي بمعنى :«المحفورة »، كقوله تعالى :﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، و﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]، والمعنى : أئِنَّا لمردودون في قبورنا.
وقيل : على النسب، أي : ذاتُ حفر.
وقيل : سُمِّيت الأرض الحافرة ؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سمِّيت القدم أرضاً ؛ لأنها على الأرض، لقولهم : الحافرة جمع حافرة بمعنى : القدم أي : نمشي أحياء على أقدامنا، ونطأ بها الأرض.
وقيل : هي أول الأمر.
ويقول التجار :«النقد في الحافرة » أي في أول السّوم ؛ وقال الشاعر :[ السريع ]
٥٠٩٠- آلَيْتُ لا أنْسَاكُم فاعْلَمُواحَتَّى يُرَدَّ النَّاسُ في الحَافِرَهْ(٣)
وقال ابن زيدٍ : الحافرة «النَّار »، وقرأ :«تلك إذا كرَّه خاسرة »(٤).
وقال مقاتلٌ وزيدُ بن أسلم : هي اسم من أسماء النار(٥).
وقال ابنُ عبَّاسٍ : الحافرة في كلام العرب : الأرض التي تغيَّرت وأنتنت بأجسادِ موتاها(٦)، من قولهم : حفرت أسنانه، أي : تآكلت، أي : دكها الوسخُ من باطنها وظاهرها، ويجوز تعلقه ب «مردودون »، أو : بمحذوف على أنه حال.

فصل في تفسير الآية


قال ابن الخطيب(٧) : هذه الأحوال المتقدمة هي أحوال القيامة عند جمهور المفسرين.
وقال أبو مسلم : هذه الأحوال ليست هي أحوال القيامة ؛ لأنه فسَّر «النَّازعات » بنزعِ القوسِ، و " الناشطات " بخروج السهم، و " السابحات " بعدو الفرس، و " السابقات " بسبقها، و«المُدبِّرات » بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي، والعدو، ثم بنى على ذلك فقال :«الرَّاجفَة » هي خيلُ المشركين، وكذلك «الرَّادفة »، وهما طائفتان من المشركين غزوا رسول الله ﷺ فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة، هي القلقةُ، والأبصار الخاشعة، هي أبصار المنافقين، كقوله تعالى :﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: ٢٠]، كأنَّه قيل : لمَّا جاء خيل العدو ترجف ؛ لأنها اضطربت قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جُبْناً وضَعْفاً ثم قالوا :«أئِنَّا لمردودون فِي الحَافِرَةِ » أي : نرجع إلى الدنيا حتى نتحمّل هذا الخوف لأجلها. وقالوا أيضاً :«تِلْكَ إذا كَرَّة خَاسِرةٌ »، فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله ﷺ من المشركين، وأوسطه حكاية لحال المنافقين، وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه - تعالى - أجاب عن كلامهم بقوله تعالى :﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بالساهرة﴾.
قال ابن الخطيب(٨) : وكلام أبي مسلم محتملٌ، وإن كان على خلاف قولِ الجمهور.
١ ينظر سمط اللآلىء ١/١٢٢، وإصلاح المنطق ص ٣٢٧، والكشاف ٤/٦٩٤، والطبري ٣٠/٢٢، واللسان (حضر)، والقرطبي ١٩/١٢٨، والبحر ٨/٤١٠، ومجمع البيان ١٠/٦٥١، والدر المصون ٦/٤٧١..
٢ في ب: في..
٣ ينظر القرطبي ١٩/١٢٨، والبحر ٨/٤١٣، والدر المصون ٦/٤٧٢، وفتح القدير ٥/٣٧٤..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٢٧-٤٢٨)، عن ابن زيد..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٢٨)..
٦ ينظر المصدر السابق..
٧ ينظر الفخر الرازي ٢١/٣٢..
٨ الفخر الرازي ٣١/٣٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى