البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ : أي مقاماً بين يدي ربه يوم القيامة للجزاء ؛ وفي إضافة المقام إلى الرب تفخيم للمقام وتهويل عظيم واقع من النفوس موقعاً عظيماً.
قال ابن عباس : خافه عندما هم بالمعصية فانتهى عنها.
﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ : أي عن شهوات النفس، وأكثر استعمال الهوى فيما ليس بمحمود.
قال سهل : لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين.
وقال بعض الحكماء : إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه.
وقال عمران الميرتليّ :
فخالف هواها واعصها إن من يطعهوى نفسه تنزع به كل منزع
ومن يطع النفس اللجوجة تردهوترم به في مصرع أي مصرع
وقال الفضيل : أفضل الأعمال خلاف الهوى، وهذا التفضيل هو عام في أهل الجنة وأهل النار.
وعن ابن عباس : نزل ذلك في أبي جهل ومصعب بن عمير العبدري، رضي الله تعالى عنه.
وعنه أيضاً :﴿فأما من طغى﴾، فهو أخ لمصعب بن عمير، أسر فلم يشدوا وثاقه، وأكرموه وبيتوه عندهم ؛ فلما أصبحوا حدثوا مصعباً، فقال : ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً فأوثقوه.
﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ فمصعب بن عمير، وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أُحد حين تفرّق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السهام.
فلما رآه رسول الله ﷺ متشحطاً في دمه قال :« عند الله أحتسبك »، وقال لأصحابه :« لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما، وإن شراك نعله من ذهب » قيل : واسم أخيه عامر.
وفي الكشاف، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزير بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أُحد، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه. انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى