كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ ؛ أي مَن يَخْرُجْ في سبيلِ الله الذي أمرَ اللهُ بالْهِجْرَةِ فيهِ وهو سبيلُ المدينةِ ؛ يَجِدْ في الأرض مُتَحَوَّلاً كثيراً وَمُتَزَحْزَحاً عَمَّا يكرهُ. وقولهُ تعالى :﴿وَسَعَةً﴾ أي سَعَةً في الرِّزْقِ. وقال قتادةُ :(سَعَةً فِي إظْهَار الدِّيْنِ) وإنَّما قال ذلكَ كان يلحقُهم من الضِّيْقِ من جهةِ الكفَّار في إظهار دِينهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس : لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي اللَّيْثِ شَيْخٌ كَبيْرٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدُعُ بْنُ ضَمِرَةَ فَقَالَ : أنَا وَاللهِ مِمَّنِ اسْتَثْنَانَا اللهُ تَعَالَى فَإنِّي لاَ أجِدُ حِيْلَةً، وَاللهِ لاَ أبِيْتُ لَيْلَةً بَمَكَّةَ، فَخَرَجُواْ بهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَريْرِهِ ؛ فَأَتَواْ بهِ التَّنْعِيْمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَصَفَّقَ بيَمِيْنِهِ عَلَى شِمالِهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أبَايعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَمَاتَ حَمِيْداً.
فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ وَكَانُواْ يَقُولُونَ : لَوْ بَلَغَ إلَيْنَا لَتَمَّ أجْرُهُ، وَضَحِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُواْ : مَا أدْرَكَ مَا طلَبَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً﴾. أي مهاجِراً قومَهُ وأهلَه وولدَه إلى طاعةِ الله وطاعةِ رسوله ؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ ؛ في الطريقِ ؛ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ ؛ فقد وجبَ ثوابهُ على اللهِ الْمَلِيءُ الوفِيُّ بوعدهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ ؛ بما كان منهُ في الشِّرْكِ ؛ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بهِ في الإسلامِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى