اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ [ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ١٠٧﴾ ](١)
كما بيَّن قَصْر الصَّلاة يحَسبِ الكَمَِّيَّة في العَدَدِ، بين في هذه الآيَة كَيْفِيَّتَها، والضَّمِير في " فِيهِم " يعُود الضَّاربين في الأرضِ، وقيل على الخَائِفَين.
روى الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح ؛ عن ابن عبَّاس، وجابر - رضي الله عنهم - : أن المُشْرِكِين لَمَّا رأوْا رسُول الله ﷺ وأصْحَابَهُ قاموا في الظُّهْر يُصَلُّون جميعاً، نَدِمُوا ألاّ كَانُوا أكبُّوا عليهم، فقال بَعْضُهم لبعضٍ : دَعْهم فإنَّ لهم بَعْدَها صَلاة هي أحَبُّ إليهم من آبَائِهِم وأبْنَائِهِم، يعني : صَلاَة العَصْر، فإذا قَامُوا فيها(٢) فَشُدُّوا عليهم، فاقْتُلُوهم ؛ فنزل جِبْرِيل فقال : يا محمَّد إنَّها صلاة الخَوْفِ، وإن الله - عز وجل - يقُول :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ فعلَّمه صَلاَةَ الخَوْفِ.
قال أبُو يُوسف، والحَسَن بن زِيَاد : صلاة الخَوْف كانت خَاصَّة للرسول - عليه الصلاة والسلام -، ولا تجُوز لغيره ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾.
وقال المُزَني : كانت ثَابِتَةً ثم نُسِخَتْ، ومذهب الجُمْهُور : ثُبوتُها في حقِّ كل الأمَّة ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وأن حكمها باقٍ، وقد ورد كيفيَّة صَلاَة الخَوْفِ على سِتَّة أوْجُه مذكُورة في كُتُبِ الفِقْهِ.
قال أحْمد بن حَنْبَل : كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبْواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ، روي فيه سِتَّةُ أوْجُه، أو سبْعَة أوْجُه.
قوله :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ أي : شَهِيداً مَعَهُم في غَزَواتهم، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ أي : فَلْتَقِفْ ؛ كقوله - تعالى - :﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾
[البقرة: ٢٠] أي : وَقَفُوا، والمعنى : فاجْعَلْهم طَائِفَتَيْن، فَلْتَقُم طَائِفة منهم مَعَك، فَصَلِّ بهم.
وقرأ الحسن(٣) " فَلِتَقُمْ " بِكَسْر لاَمِ الأمْر وهو الأصْل، " وليأخذوا أسلحتهم " والضَّمير : إمَّا للمُصَلِّين، أو لغيرهم، فإنَ كان للمُصَلِّين، [ فقالوا ](٤) : يأخُذُون(٥) من السِّلاح ما لا يَشَغلُهُم عن الصَّلاة ؛ كالسَّيْف والخنجَر ؛ لأن ذلك أقْرَب إلى الإحْتِيَاط، وأمْنَع للعدُوِّ(٦) من الإقْدَام عَلَيْهِم، وإن كان لِغَيْر المُصَلِّين، وهُم الطَّائِفَةُ الأخْرى التي تَحْرُس المُصَلِّين، فلا كَلاَمَ.
واحتار الزَّجَّاج(٧) عَوْدَه على الجَميع، قال :" لأنه أهْيَب للعَدُوَِّ ". والسِّلاح : ما يُقَاتَل به، وجمعه أسْلِحَة وهو مُذكَّر، وقد يُؤنَّث باعْتِبَار الشَّوْكَة، قال الطِّرمَّاحُ :[ الطويل ]
فأعاد الضَّمير عليه كَضَمير المؤنَّثة، ويقال : سلاح كحِمَار، وسِلْحٌ كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحَان كسُلْطان ؛ نقله أبو بكر دُرَيْد. والسَّلِيحُ : نبت إذا رَعَتْه الإبل، سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البَعِيرُ من جَوْفِه، يقال له :" سُلاحٌ " بزنة غُلام، ثم عُبِّر به عن كُلِّ عَذِرة، حتى قيل في الحُبَارَى، " سِلاحُه [ سُلاحُه ] ".
ثم قال - تعالى - :﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ﴾ يعني : غير المُصَلِّين من وَرَائِكُم يَحْرُسُونكم يريد : مكان الَّذِين هم تجاه العَدُو، ثم قال - [ تعالى ](٩) - :﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ وهم الَّّذِين كانُوا في تجاه العَدُوِّ، وقرأ أبو حَيْوة(١٠) :" وليأتِ " بناء على تذكيرِ الطَّائِفَةِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرو : الإظْهَارُ والإدْغَامُ في " ولتأتِ طَائَفَةٌ ".
قوله :" لم يصلوا " الجُمْلة في محلِّ رَفْع ؛ لأنها [ صفة ل " طَائِفة " بعد صِفَةٍ، ويجُوز أن يكُون في مَحَلِّ نَصْب على الحَال ؛ لأن النَّكِرَة ](١١) قَبْلَهَا تخصَّصَت بالوَصْفِ بِأخْرى. ثم قال ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ والمعْنَى : أنه - تعالى - جعل الحَذَر : الَّذِي هو التحذُّر والتَّيَقُّظ آلة يِسْتَعْمِلُها الغازي ؛ فَلِذَلِكَ جمع بينَه وبين الأسْلِحَةِ في الأخْذِ ؛ وجُعِلاَ مأخُوذَيْن، وهذا مَجَازٌ ؛ كقوله :﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] في أحَد الأوْجُه.
قال الوَاحِدِيِ(١٢) رحمه الله تعالى : وفيه رُخْصَة للخَائِفِ في الصَّلاة، بأن يَجْعَل بَعْضَ فكْره في غَيْرِ الصَّلاةِ.
فإن قيل : لِمَ ذَكَرَ في الآيَةِ الأولى :" أسْلِحَتُهم " فقط، وفي هذه الآيَة ذكر " حِذْرَهُم وأسلحتهم " ؟
فالجوابُ : أن في أوَّل الصلاة قلَّما يَنْتَبِهُ العَدُوُّ : لكون المُسْلِمِين في الصَّلاة، بل يظُنُّون كونهمُ قَائِمين لأجْل المُحَارَبة، وأما في الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فقد يَظْهَرُ للعَدُوِّ كونهم في الصَّلاة، فَهَهُنا يتنهزُون الفُرصة في الهُجُوم عليهم، فلذلك خَصَّ الله [ - تعالى - ](١٣) هذا المَوْضِع بزِيَادَة تَحْذِير.
ثم قال :" ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم " قد تقدم الكلام في [ " لو " ](١٤) الواقعة بعد " وَدَّ " في البَقَرَة [ آية : ١٠٩ ].
وقرئ(١٥) :" وأمتعاتكم " وهو في الشُّذُوذِ من حَيْث إنَّه جَمْع الجَمْعِ، كقولهم : أسْقِيات وأعْطِيَات. ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي : بالقِتَالِ، أي : يتمنَّون لو وَجدُوكُم غَافِلِين عن أسْلِحَتِكُم، فيقْصِدُونكم ويَحْملُون عَلَيْكُم حملة وَاحِدَة.
رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس : وجابر : أن النَّبي ﷺ صلَّى بأصْحَابِه الظُّهْر، ورأى المُشْرِكُون ذَلِكَ، فَقَالُوا بعد ذلك : بِئْسَ ما صَنَعْنَا، حيث ما أقْدمْنَا عليهم، وعَزَمُوا على ذَلِكَ عند الصَّلاة الأخْرَى، فأطْلَعَ اللَّهُ نبيَّهُ ﷺ على أسْرَارِهِم بِهَذِهِ الآيَةِ(١٦).
قال الإمامُ أحمد - رحمه الله تعالى - : صحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ صلاة الخَوْفِ من خمْسة أوْجُه أوْ سِتَّة [ أوْجُه ](١٧)، كل ذلك جَائِزٌ.
الأول : إذا كان العَدُوُّ من جهة القِبْلَة، صف الإمَامُ(١٨) المُسْلِمِين خَلْفه(١٩) صَفَّيْن، فصلّى بهم جَميعاً إلى أن يَسْجُد ؛ فَيَسْجُد معه الصَّفُ الذي يَلِيهِ، ويَحْرُس الآخَر، فإذا قَامَ الإمَامُ إلى الثَّانِيةِ سجد الآخَر ولَحِقَهُ، فإذا سَجَدَ للثَّانِيةِ، سجد معه الصَّفُّ الذي حَرَس، وحَرَس الأوَّل، فإذا جَلَس للتَّشَهُّد، سجد الأوَّل، ولحقه في التَّشَهُّد ويسلم بهم.
الثاني : إذا كان العَدُوُّ في غَيْرِ جهة القِبْلَة جعل طَائِفَة [ تجاه العَدُوِّ، وطائفةً ](٢٠) تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِيةِ ثَبَت قَائِماً وأتمَّت لأنفُسِها أخْرى، [ وسلمت ومضت إلى العَدُوِّ، وجاءت الأخْرَى، فَصَلَّت معه الثَّانِية، فإذا جَلَس، أنهت لأنفُسِهَا أخْرَى ](٢١).
وتشهدت ثم سَلَّم بهم، وإن كانَت الصَّلاةُ مَغْرباً، صلّى بالأولى رَكعتين وبالثَّانية ركْعَة، وإنْ كانت رُباعيَّة، صَلَّى بكل طائِفَةً ركْعَتَيْن وأتمَّت الأولَى، بالحَمْد لله في كل رَكْعةِ، والأخرى تتم بالحَمْد للَّه وسُورة، وهل تُفَارِقُهُ الأولَى في التِّشَهُّدِ، أوْ في الثَّانِيَة على وَجْهَيْن، وإن فَرَّقَهُم أرْبَعاً، فصلى بكلِّ طَائِفَةٍ ركْعَة، صحَّت صلاة الأولَى وبَطَلَت صَلاَةُ الإمَامِ والآخرين وإن عَلموا بطلان صلاته، أما بُطْلان صَلاَة الإمَام ؛ فلأجل انْتِظَارِه ؛ لأنه لَمْ يَرد الشَّرع بِهِ، وأمَّا بطلان صَلاَة الآخرين ؛ فلأنهم ائتمُّوا بمن صلاته بَاطِلَةٌ، فأمَّا إذَا لم يعلموا، فهم مَعْذُورُونَ.
الثالث : أن يُصَلِّي بطائِفَةٍ رَكْعَة، ثم تمْضِي إلى العَدُوِّ، وتأتي الأخْرَى، فيُصلي بها رَكْعَةً ويسلم وَحْدَه وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم صلاتها وتمْضِي هي : ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها.
الرابع : أن يُصَلِّي بِكُلِّ طائفة صَلاَةً، ويُسَلِّم بِهَا.
الخامس : أن يُصَلِّي [ بكلِّ ](٢٢) الرُّباعيَّة تامَّة، وتصلي مَعَهُ كل طَائِفةِ رَكْعَتَيْن ولا يَقْضِي شَيْئاً، فتكون له تامَّة ولَهُم مَقْصُورَة.
إذا اشْتَدَّ الخَوْف عند التحام الحَرْب، يصلي كَيْفَما أمْكَن رِجَالاً ورُكْبَاناً إلى القِبْلَة وإلى غيرها يومئُون(٢٣) إيماءً بالرُّكوع والسُّجود، وكَذَلِك كلّ خَائِفٍ على نَفْسِهِ فإن لم يَقْدر على الإيمَاءِ أخَّرُوا الصَّلاة إلى انْكِشَاف الحَالَةِ.
قال مَالِكٌ وجماعة : يصلي الطَّالِب والمَطْلُوب كُلُّ واحد منهما على دَابَّتِهِ ؛ كالخائف سَوَاء.
وقال الأوْزَاعِيّ، والشَّافِعي، وفُقَهَاء المُحَدِّثين، وابن عَبْد الحكم : ولا يصَلِّي الطَّالِب إلاَّ بالأرْضِ.
قال القُرْطُبِي(٢٤) : وهو الصَّحيحُ ؛ لأنَّ الطَّلب تَطَوُّعٌ، والمكْتُوبَة فَرْضٌ، والفرض إنَّما يُصَلَّى بالأرْض(٢٥) حَيْثُ ما أمْكَن.
[ ثم ](٢٦) قال - تعالى - :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ فقوله :" أنْ تَضَعُوا " ؛ كقوله " أنْ تَقْصُرُوا " وقد تقدم، " وخُذوا حِذْرَكُم " رَخَّصَ في وَضْع السِّلاح في حَالِ المَطَر والمَرَضِ ؛ لأن السِّلاح [ يثْقُل حَمْلُه في هَاتين الحَالَتَيْن، أو لأن حدته تَفْسُد بالبَللِ، ولمّا رَخَّص في وَضْعَ السِّلاح ](٢٧) حالَ المَطَرِ والمَرَضِ، أمر بالتَّيَقُّظ والحَذَر ؛ لِئَلاَّ يَهْجم العَدُو عليهم.
" روى الكَلْبِيُّ : عن أبي صَالِح، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - نزلت في رسُول الله ﷺ، وذَلِكَ أنَّه غَزا مُحَارِباً وبني أنمارٍ، فنزلوا ولا يَرون من العَدُوِّ أحداً، فوضع النَّاس أسْلِحَتَهُم، وخرج رسُول الله ﷺ لِحَاجَة له قد وضع سِلاحه، حتى قطع
كما بيَّن قَصْر الصَّلاة يحَسبِ الكَمَِّيَّة في العَدَدِ، بين في هذه الآيَة كَيْفِيَّتَها، والضَّمِير في " فِيهِم " يعُود الضَّاربين في الأرضِ، وقيل على الخَائِفَين.
روى الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح ؛ عن ابن عبَّاس، وجابر - رضي الله عنهم - : أن المُشْرِكِين لَمَّا رأوْا رسُول الله ﷺ وأصْحَابَهُ قاموا في الظُّهْر يُصَلُّون جميعاً، نَدِمُوا ألاّ كَانُوا أكبُّوا عليهم، فقال بَعْضُهم لبعضٍ : دَعْهم فإنَّ لهم بَعْدَها صَلاة هي أحَبُّ إليهم من آبَائِهِم وأبْنَائِهِم، يعني : صَلاَة العَصْر، فإذا قَامُوا فيها(٢) فَشُدُّوا عليهم، فاقْتُلُوهم ؛ فنزل جِبْرِيل فقال : يا محمَّد إنَّها صلاة الخَوْفِ، وإن الله - عز وجل - يقُول :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ فعلَّمه صَلاَةَ الخَوْفِ.
فصل : هل صلاة الخوف خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم
قال أبُو يُوسف، والحَسَن بن زِيَاد : صلاة الخَوْف كانت خَاصَّة للرسول - عليه الصلاة والسلام -، ولا تجُوز لغيره ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾.
وقال المُزَني : كانت ثَابِتَةً ثم نُسِخَتْ، ومذهب الجُمْهُور : ثُبوتُها في حقِّ كل الأمَّة ؛ لقوله - تعالى - :﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وأن حكمها باقٍ، وقد ورد كيفيَّة صَلاَة الخَوْفِ على سِتَّة أوْجُه مذكُورة في كُتُبِ الفِقْهِ.
قال أحْمد بن حَنْبَل : كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبْواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ، روي فيه سِتَّةُ أوْجُه، أو سبْعَة أوْجُه.
قوله :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ أي : شَهِيداً مَعَهُم في غَزَواتهم، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ أي : فَلْتَقِفْ ؛ كقوله - تعالى - :﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾
[البقرة: ٢٠] أي : وَقَفُوا، والمعنى : فاجْعَلْهم طَائِفَتَيْن، فَلْتَقُم طَائِفة منهم مَعَك، فَصَلِّ بهم.
وقرأ الحسن(٣) " فَلِتَقُمْ " بِكَسْر لاَمِ الأمْر وهو الأصْل، " وليأخذوا أسلحتهم " والضَّمير : إمَّا للمُصَلِّين، أو لغيرهم، فإنَ كان للمُصَلِّين، [ فقالوا ](٤) : يأخُذُون(٥) من السِّلاح ما لا يَشَغلُهُم عن الصَّلاة ؛ كالسَّيْف والخنجَر ؛ لأن ذلك أقْرَب إلى الإحْتِيَاط، وأمْنَع للعدُوِّ(٦) من الإقْدَام عَلَيْهِم، وإن كان لِغَيْر المُصَلِّين، وهُم الطَّائِفَةُ الأخْرى التي تَحْرُس المُصَلِّين، فلا كَلاَمَ.
واحتار الزَّجَّاج(٧) عَوْدَه على الجَميع، قال :" لأنه أهْيَب للعَدُوَِّ ". والسِّلاح : ما يُقَاتَل به، وجمعه أسْلِحَة وهو مُذكَّر، وقد يُؤنَّث باعْتِبَار الشَّوْكَة، قال الطِّرمَّاحُ :[ الطويل ]
| يَهُزُّ سِلاحاً لَمْ يَرِثْهَا كَلاَلَةً | يشُكُّ بِهَا مِنْهَا غُمُوضَ المَغَابِنِ(٨) |
ثم قال - تعالى - :﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ﴾ يعني : غير المُصَلِّين من وَرَائِكُم يَحْرُسُونكم يريد : مكان الَّذِين هم تجاه العَدُو، ثم قال - [ تعالى ](٩) - :﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ وهم الَّّذِين كانُوا في تجاه العَدُوِّ، وقرأ أبو حَيْوة(١٠) :" وليأتِ " بناء على تذكيرِ الطَّائِفَةِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرو : الإظْهَارُ والإدْغَامُ في " ولتأتِ طَائَفَةٌ ".
قوله :" لم يصلوا " الجُمْلة في محلِّ رَفْع ؛ لأنها [ صفة ل " طَائِفة " بعد صِفَةٍ، ويجُوز أن يكُون في مَحَلِّ نَصْب على الحَال ؛ لأن النَّكِرَة ](١١) قَبْلَهَا تخصَّصَت بالوَصْفِ بِأخْرى. ثم قال ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ والمعْنَى : أنه - تعالى - جعل الحَذَر : الَّذِي هو التحذُّر والتَّيَقُّظ آلة يِسْتَعْمِلُها الغازي ؛ فَلِذَلِكَ جمع بينَه وبين الأسْلِحَةِ في الأخْذِ ؛ وجُعِلاَ مأخُوذَيْن، وهذا مَجَازٌ ؛ كقوله :﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] في أحَد الأوْجُه.
قال الوَاحِدِيِ(١٢) رحمه الله تعالى : وفيه رُخْصَة للخَائِفِ في الصَّلاة، بأن يَجْعَل بَعْضَ فكْره في غَيْرِ الصَّلاةِ.
فإن قيل : لِمَ ذَكَرَ في الآيَةِ الأولى :" أسْلِحَتُهم " فقط، وفي هذه الآيَة ذكر " حِذْرَهُم وأسلحتهم " ؟
فالجوابُ : أن في أوَّل الصلاة قلَّما يَنْتَبِهُ العَدُوُّ : لكون المُسْلِمِين في الصَّلاة، بل يظُنُّون كونهمُ قَائِمين لأجْل المُحَارَبة، وأما في الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فقد يَظْهَرُ للعَدُوِّ كونهم في الصَّلاة، فَهَهُنا يتنهزُون الفُرصة في الهُجُوم عليهم، فلذلك خَصَّ الله [ - تعالى - ](١٣) هذا المَوْضِع بزِيَادَة تَحْذِير.
ثم قال :" ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم " قد تقدم الكلام في [ " لو " ](١٤) الواقعة بعد " وَدَّ " في البَقَرَة [ آية : ١٠٩ ].
وقرئ(١٥) :" وأمتعاتكم " وهو في الشُّذُوذِ من حَيْث إنَّه جَمْع الجَمْعِ، كقولهم : أسْقِيات وأعْطِيَات. ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي : بالقِتَالِ، أي : يتمنَّون لو وَجدُوكُم غَافِلِين عن أسْلِحَتِكُم، فيقْصِدُونكم ويَحْملُون عَلَيْكُم حملة وَاحِدَة.
رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس : وجابر : أن النَّبي ﷺ صلَّى بأصْحَابِه الظُّهْر، ورأى المُشْرِكُون ذَلِكَ، فَقَالُوا بعد ذلك : بِئْسَ ما صَنَعْنَا، حيث ما أقْدمْنَا عليهم، وعَزَمُوا على ذَلِكَ عند الصَّلاة الأخْرَى، فأطْلَعَ اللَّهُ نبيَّهُ ﷺ على أسْرَارِهِم بِهَذِهِ الآيَةِ(١٦).
فصل
قال الإمامُ أحمد - رحمه الله تعالى - : صحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ صلاة الخَوْفِ من خمْسة أوْجُه أوْ سِتَّة [ أوْجُه ](١٧)، كل ذلك جَائِزٌ.
الأول : إذا كان العَدُوُّ من جهة القِبْلَة، صف الإمَامُ(١٨) المُسْلِمِين خَلْفه(١٩) صَفَّيْن، فصلّى بهم جَميعاً إلى أن يَسْجُد ؛ فَيَسْجُد معه الصَّفُ الذي يَلِيهِ، ويَحْرُس الآخَر، فإذا قَامَ الإمَامُ إلى الثَّانِيةِ سجد الآخَر ولَحِقَهُ، فإذا سَجَدَ للثَّانِيةِ، سجد معه الصَّفُّ الذي حَرَس، وحَرَس الأوَّل، فإذا جَلَس للتَّشَهُّد، سجد الأوَّل، ولحقه في التَّشَهُّد ويسلم بهم.
الثاني : إذا كان العَدُوُّ في غَيْرِ جهة القِبْلَة جعل طَائِفَة [ تجاه العَدُوِّ، وطائفةً ](٢٠) تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِيةِ ثَبَت قَائِماً وأتمَّت لأنفُسِها أخْرى، [ وسلمت ومضت إلى العَدُوِّ، وجاءت الأخْرَى، فَصَلَّت معه الثَّانِية، فإذا جَلَس، أنهت لأنفُسِهَا أخْرَى ](٢١).
وتشهدت ثم سَلَّم بهم، وإن كانَت الصَّلاةُ مَغْرباً، صلّى بالأولى رَكعتين وبالثَّانية ركْعَة، وإنْ كانت رُباعيَّة، صَلَّى بكل طائِفَةً ركْعَتَيْن وأتمَّت الأولَى، بالحَمْد لله في كل رَكْعةِ، والأخرى تتم بالحَمْد للَّه وسُورة، وهل تُفَارِقُهُ الأولَى في التِّشَهُّدِ، أوْ في الثَّانِيَة على وَجْهَيْن، وإن فَرَّقَهُم أرْبَعاً، فصلى بكلِّ طَائِفَةٍ ركْعَة، صحَّت صلاة الأولَى وبَطَلَت صَلاَةُ الإمَامِ والآخرين وإن عَلموا بطلان صلاته، أما بُطْلان صَلاَة الإمَام ؛ فلأجل انْتِظَارِه ؛ لأنه لَمْ يَرد الشَّرع بِهِ، وأمَّا بطلان صَلاَة الآخرين ؛ فلأنهم ائتمُّوا بمن صلاته بَاطِلَةٌ، فأمَّا إذَا لم يعلموا، فهم مَعْذُورُونَ.
الثالث : أن يُصَلِّي بطائِفَةٍ رَكْعَة، ثم تمْضِي إلى العَدُوِّ، وتأتي الأخْرَى، فيُصلي بها رَكْعَةً ويسلم وَحْدَه وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم صلاتها وتمْضِي هي : ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها.
الرابع : أن يُصَلِّي بِكُلِّ طائفة صَلاَةً، ويُسَلِّم بِهَا.
الخامس : أن يُصَلِّي [ بكلِّ ](٢٢) الرُّباعيَّة تامَّة، وتصلي مَعَهُ كل طَائِفةِ رَكْعَتَيْن ولا يَقْضِي شَيْئاً، فتكون له تامَّة ولَهُم مَقْصُورَة.
فصل
إذا اشْتَدَّ الخَوْف عند التحام الحَرْب، يصلي كَيْفَما أمْكَن رِجَالاً ورُكْبَاناً إلى القِبْلَة وإلى غيرها يومئُون(٢٣) إيماءً بالرُّكوع والسُّجود، وكَذَلِك كلّ خَائِفٍ على نَفْسِهِ فإن لم يَقْدر على الإيمَاءِ أخَّرُوا الصَّلاة إلى انْكِشَاف الحَالَةِ.
قال مَالِكٌ وجماعة : يصلي الطَّالِب والمَطْلُوب كُلُّ واحد منهما على دَابَّتِهِ ؛ كالخائف سَوَاء.
وقال الأوْزَاعِيّ، والشَّافِعي، وفُقَهَاء المُحَدِّثين، وابن عَبْد الحكم : ولا يصَلِّي الطَّالِب إلاَّ بالأرْضِ.
قال القُرْطُبِي(٢٤) : وهو الصَّحيحُ ؛ لأنَّ الطَّلب تَطَوُّعٌ، والمكْتُوبَة فَرْضٌ، والفرض إنَّما يُصَلَّى بالأرْض(٢٥) حَيْثُ ما أمْكَن.
[ ثم ](٢٦) قال - تعالى - :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ فقوله :" أنْ تَضَعُوا " ؛ كقوله " أنْ تَقْصُرُوا " وقد تقدم، " وخُذوا حِذْرَكُم " رَخَّصَ في وَضْع السِّلاح في حَالِ المَطَر والمَرَضِ ؛ لأن السِّلاح [ يثْقُل حَمْلُه في هَاتين الحَالَتَيْن، أو لأن حدته تَفْسُد بالبَللِ، ولمّا رَخَّص في وَضْعَ السِّلاح ](٢٧) حالَ المَطَرِ والمَرَضِ، أمر بالتَّيَقُّظ والحَذَر ؛ لِئَلاَّ يَهْجم العَدُو عليهم.
" روى الكَلْبِيُّ : عن أبي صَالِح، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - نزلت في رسُول الله ﷺ، وذَلِكَ أنَّه غَزا مُحَارِباً وبني أنمارٍ، فنزلوا ولا يَرون من العَدُوِّ أحداً، فوضع النَّاس أسْلِحَتَهُم، وخرج رسُول الله ﷺ لِحَاجَة له قد وضع سِلاحه، حتى قطع
١ سقط في ب..
٢ في ب: إليها..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، البحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فيأخذوا..
٦ في ب: العدو..
٧ ينظر: معاني القرآن ٢/١٠٥..
٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٥٢ واللسان (سلح) والدر المصون ٢/٤٢٢..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، والبحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١١ سقط في أ..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢١..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في أ..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٥٥، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١٦ أخرجه الحاكم (٣/٣٠) والطبري في "تفسيره" (٩/١٥٦) من حديث ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٧٨) وزاد نسبته للبزار..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: عند إمام..
١٩ في ب: جعلهم..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: يؤمنون..
٢٤ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٣٧..
٢٥ في ب: بالعرض..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..
٢ في ب: إليها..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، البحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فيأخذوا..
٦ في ب: العدو..
٧ ينظر: معاني القرآن ٢/١٠٥..
٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٣٥٢ واللسان (سلح) والدر المصون ٢/٤٢٢..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٠٧، والبحر المحيط ٣/٣٥٤، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١١ سقط في أ..
١٢ ينظر: تفسير الرازي ١١/٢١..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في أ..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٥٥، والدر المصون ٢/٤٢٣..
١٦ أخرجه الحاكم (٣/٣٠) والطبري في "تفسيره" (٩/١٥٦) من حديث ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٧٨) وزاد نسبته للبزار..
١٧ سقط في ب..
١٨ في ب: عند إمام..
١٩ في ب: جعلهم..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: يؤمنون..
٢٤ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٣٧..
٢٥ في ب: بالعرض..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في أ..