جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىَ لَمْ يُصَلّواْ فَلْيُصَلّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مّرْضَىَ أَن تَضَعُوَاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنّ اللّهَ أَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوّهم أن يفتنهم، ﴿فأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاةَ﴾ يقول : فأقمت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تقصرها القصر الذي أبحت لهم أن يقصروها في حال تلاقيهم وعدوّهم وتزاحف بعضهم على بعض، من ترك إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها، ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يعني : فلتقم فرقة من أصحابك الذين تكون أنت فيهم معك في صلاتك، وليكن سائرهم في وجوه العدوّ. وترك ذكر ما ينبغي لسائر الطوائف غير المصلية مع النبيّ ﷺ أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به والاستغناء بما ذكر عما ترك ذكره. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾.
واختلف أهل التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح، فقال بعضهم : هي الطائفة التي كانت تصلي مع رسول الله ﷺ، قال : ومعنى الكلام :﴿ولَيْأْخُذُوا﴾ يقول : ولتأخذ الطائفة المصلية معك من طوائفهم ﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾، والسلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم كالسيف يتقلده أحدهم والسكين والخنجر يشدّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه ونحو ذلك من سلاحه.
وقال آخرون : بل الطائفة المأمورة بأخذ السلاح منهم، الطائفة التي كانت بإزاء العدوّ ودون المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم¹ وذلك قول ابن عباس.
حدثني بذلك المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فإذَا سَجَدُوا﴾ يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك، ففرغت من سجودها.
﴿فلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يقول : فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدوّ في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصلّ معك ولم تدخل معك في صلاتك.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿فإذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فقال بعضهم : تأويله : فإذا صلوا ففرغوا من صلاتهم فليكونوا من ورائكم.
ثم اختلف أهل هذه المقالة، فقال بعضهم : إذا صلت هذه الطائفة مع الإمام ركعة، سلمت وانصرفت من صلاتها حتى تأتي مقام أصحابها بازاء العدوّ ولا قضاء عليها، وهم الذين قالوا : عنى الله بقوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ : أن تجعلوها إذا خفتم الذين كفروا أن يفتنوكم ركعة. ورووا عن النبيّ ﷺ أنه صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة ولم يقضوا، وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وفيما ذكرنا كفاية عن استيعاب ذكر جميع ما فيه.
وقال آخرون منهم : بل الواجب كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيها إذا أراد إقامة الصلاة بهم في حال خوف العدوّ إذا فرغت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلي مع النبيّ ﷺ على ما أمرها به في كتابه أن تقوم في مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله ﷺ، فتصلى لأنفسها بقية صلاتها وتسلم، وتأتي مصافّ أصحابها، وكان على النبيّ ﷺ أن يثبت قائما في مقامه حتى تفرغ الطائفة التي صلت معه الركعة الأولى من بقية صلاتها، إذا كانت صلاتها التي صلت معه مما يجوز قصر عددها عن الواجب الذي على المقيمين في أمن، وتذهب إلى مصافّ أصحابها، وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت مصافة عدوّها، فيصلي بها ركعة أخرى من صلاتها.
ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مختلفون، فقالت فرقة من أهل هذه المقالة : كان على النبيّ ﷺ إذا فرغ من ركعتيه ورفع رأسه من سجوده من ركعته الثانية أن يقعد للتشهد، وعلى الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية ولم تدرك معه الركعة الأولى لاشتغالها بعدوّها أن تقوم فتقضى ركعتها الفائتة مع النبيّ ﷺ، وعلى النبيّ ﷺ انتظارها قاعدا في تشهده حتى تفرغ هذه الطائفة من ركعتها الفائتة وتتشهد، ثم يسلم بهم.
وقالت فرقة أخرى منهم : بل كان الواجب على الطائفة التي لم تدرك معه الركعة الأولى إذا قعد النبيّ ﷺ للتشهد أن تقعد معه للتشهد فتتشهد بتشهده، فإذا فرغ النبيّ ﷺ من تشهده سلم، ثم قامت الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية حينئذ، فقضت ركعتها الفائتة. وكلّ قائل من الذين ذكرنا قولهم روى عن رسول الله ﷺ أخبارا كما قال فعل.
ذكر من قال : انتظر النبيّ ﷺ الطائفتين حتى قضت صلاتهما ولم يخرج من صلاته إلا بعد فراغ الطائفتين من صلاتهما :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوّات، عمن صلى مع النبيّ ﷺ صلاة الخوف يوم ذات الرقاع : أن طائفة صفت مع رسول الله ﷺ وطائفة وجاه العدوّ، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم، ثم ثبت جالسا، فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
حدثني محمد بن المثنى، قال : ثني عبيد الله بن معاذ، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، قال : صلى النبيّ ﷺ بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدم وتخلف الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا روح، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن رسول الله ﷺ أنه قال في صلاة الخوف :«تَقُومُ طائِفَةٌ بينَ يَدَيِ الإمامِ وَطائِفَةٌ خَلْفَهُ، فَيُصَلّي بالّذِينَ خَلَفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمّ يَقْعُدُ مَكانَهُ حتى يَقْضُوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمّ يَتَحَوّلُونَ إلى مَكانِ أصحَابِهِمْ، ثُمّ يَتَحَوّلُ أُولَئِكَ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، فَيُصَلّي بِهِمْ ركْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمّ يَقْعُدُ مَكانَهُ حتى يُصَلّوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمّ يُسَلّمُ ».
ذكر من قال : كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبيّ ﷺ حتى يفرغ النبيّ ﷺ من صلاته، ثم تقضي ما بقي عليها بعد :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد، قال : سمعت القاسم، قال : ثني صالح بن خوّات بن جبير أن سهل بن أبي حثمة حدثه : أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام إلى القبلة يصلي ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة أخرى مواجهة العدوّ فيصلي، فيركع الإمام بالذين معه، ويسجد ثم يقوم، فإذا استوى قائما ركع الذين وراءه لأنفسهم ركعة وسجدتين، ثم سلموا فانصرفوا والإمام قائم فقاموا إزاء العدوّ، وأقبل الآخرون فكبروا مكان الإمام، فركع بهم الإمام وسجد ثم سلم، فقاموا فركعوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلموا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أن صالح بن خوّات أخبره عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد وسأله، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن القاسم بن محمد، عن صالح، عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه وطائفة من قبل العدوّ وجوههم إلى العدوّ، فيركع بهم ركعة، ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين¹ فهي له ركعتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين.
قال بندار : سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبيّ ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيد، وقال لي : اكتبه إلى جنبه، فلست أحفظه، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد.
حدثنا نصر بن عليّ، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا عبيد الله، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن خوّات : أن الإمام يقوم فيصف صفين، طائفة مواجهة العدوّ، وطائفة خلف الإمام، فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة، ثم يقومون فيصلون لأنفسهم ركعة، ثم يسلمون، ثم ينطلقون فيصفون، ويجيء الاَخرون فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم فيقومون، فيصلون لأنفسهم ركعة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت عبيد الله، عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوّات، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ أنه قال : صلاة الخوف أن تقوم طائفة من خلف الإمام، وطائفة يلون العدوّ، فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة، ويقوم قائما فيصلي القوم إليها ركعة أخرى، ثم يسلمون فينطلقون إلى أصحابهم، ويجيء أصحابهم والإمام قائم، فيصلي بهم ركعة فيسلم، ثم يقومون فيصلون إليها ركعة أخرى، ثم ينصرفون. قال عبيد الله : فما سمعت فيما نذكره في صلاة الخوف شيئا هو أحسن عندي من هذا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَإذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصّلاةَ فَلْتَقُمْ طائفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فهذا عند الصلاة في الخوف يقوم الإمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم، ويقفون بازاء العدوّ، فيصلي الإمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئته، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم، فيقفون موقفهم، ثم يقبل الاَخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية¹ فهكذا صلى رسول الله ﷺ يوم بطن نخلة.
وقال آخرون : بل تأويل قوله :﴿فإذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فإذا سجدت الطائفة التي قامت مع النبي ﷺ حين دخل في صلاته، فدخلت معه في صلاته السجدة الثانية من ركعتها الأولى فليكونوا من ورائكم،