جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مّبِيناً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ : وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ يقول : فليس عليكم حرج ولا إثم، ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ : يعني أن تقصروا من عددها، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعا، اثنتين، في قول بعضهم. وقيل : معناه : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقلّ عددها في حال ضربكم في الأرض، أشار إلى واحدة في قول آخرين.
وقال آخرون : معنى ذلك لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. يعني : إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إياهم فيما حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له.
ثم أخبرهم جلّ ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال :﴿إنّ الكافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّا مُبِينا﴾ يعني : الجاحدون وحدانية الله كانوا لكم عدوّا مبينا، يقول : عدوّا قد أبانوا لكم عداوتهم، بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة.
واختلف أهل التأويل في معنى القصر الذي وضع الله الجناح فيه عن فاعله، فقال بعضهم : في السفر من الصلاة التي كان واجبا تمامها في الحضر أربع ركعات، وأذن في قصرها في السفر إلى اثنتين. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاة إنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن الناس ! فقال : عجبت مما عجبت منه حتى سألت النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال :«صَدَقَةٌ تَصَدّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية، عن عمر، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن جريج، قال : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدّث عن عبد الله بن بابيه، يحدث عن يعلى بن أمية، قال : قلت لعمر بن الخطاب أعجب من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا، وقد قال الله تبارك وتعالى :﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ إنْ حِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ ! فقال عمر : عجبت مما عجبتَ منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال :«صَدَقَةٌ تَصَدّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هشام بن عبد الملك، قال : حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية، قال : سافرت إلى مكة، فكنت أصلي ركعتين، فلقيني قرّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا : كيف تصلي ؟ قلت : ركعتين، قالوا : أسنة أو قرآن ؟ قلت : كل ذلك سنة وقرآن، قلت : صلى رسول الله ﷺ ركعتين، قالوا : إنه كان في حرب ! قلت : قال الله :﴿لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيا بالحَقّ لَتَدْخُلُنّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمْقَصّرينَ لا تخافونَ﴾ وقال :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿فإذَا اطْمأْنَنْتُمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم، قال : أخبرنا يوسف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ، قال : سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ ثم انقطع الوحي. فلما كان بعد ذلك بحَوْل، غزا النبيّ ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم ! فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها. فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين :﴿إنْ خفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا إنّ الكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّا مُبِينا وإذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. . . إلى قوله :﴿إنّ اللّهَ أعَدّ للكافِرينَ عَذَابا مُهِينا﴾ فنزلت صلاة الخوف.
قال أبو جعفر : وهذا تأويل للآية حسن لو لم يكن في الكلام «إذا »، وإذا تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام «إذا » كان معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق : إن خفتم أيها المؤمنون أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، الآية. وبعد، فإن ذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ بن كعب :«وإذا ضَرَبْتُم في الأرض فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصّلاة أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا ».
حدثني بذلك الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا الثوري، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ :«أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاة أن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا »، ولا يقرأ :«إنْ خِفْتُم ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا بكر بن شرود، عن الثوريّ، عن واصل الأحدب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه قرأ :«أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم »، قال بكر : وهي في الإمام مصحف عثمان رحمه الله :﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وهذه القراءة تنبئ على أن قوله :﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ مواصل قوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ وأن معنى الكلام : وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، وأن قوله :﴿وَإذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصة مبتدأة غير قصة هذه الاَية. وذلك أن تأويل قراءة أبيّ هذه التي ذكرناها عنه :«وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا »، فحذفت «لا » لدلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه :﴿يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا﴾ بمعنى : أن لا تضلوا. ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق.
وقال آخرون : بل هو القصر في السفر، غير أنه إنما أذن جلّ ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوّ يخشى أن يفتنه في صلاته. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري، قال : حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد، قال : ثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال : سمعت أبي، يقول : سمعت عائشة تقول في السفر : أتّموا صلاتكم ! فقالوا : إن رسول الله ﷺ يصلي في السفر ركعتين ؟ فقالت : إن رسول الله ﷺ كان في حرب وكان يخاف، هل تخافون أنتم ؟.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا ابن أبي فديك، قال : حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله بن عمر : إنّا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر ؟ فقال عبد الله : إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملاً عملنا به.
حدثنا عليّ بن سهل الرملي، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه : أن عائشة كانت تصلي في السفر ركعتين.
حدثنا سعيد بن يحيى، قال : ثني أبي، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قلت لعطاء : أيّ أصحاب رسول الله ﷺ كان يتمّ الصلاة في السفر ؟ قال : عائشة وسعد بن أبي وقاص.
وقال آخرون : بل عنى بهذه الاَية : قصر صلاة الخوف في غير حال المسايفة، قالوا : وفيها نزل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ قال : يوم كان النبيّ ﷺ وأصحابه بُعْسفان والمشركون بَضجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو أربعا، شكّ أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه :﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعا، ثم سجد الأوّلون سجدة والآخرون قيام، ثم سجد الاَخرون حين قام النبيّ ﷺ ثم كبر بهم وركعوا جميعا، فتقدم الصفّ الاَخر، واستأخر الأوّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أوّل مرّة وقصر العصر إلى ركعتين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ قال : كان النبيّ ﷺ وأصحابه بعُسْفان والمشركون بضَجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ ﷺ وأصحابه صلاة الظهر ركعتين ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعا، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم بهم جميعا، ثم سجد الأوّلون بسجوده والاَخرون قيام لم يسجدوا، حتى قام النبيّ ﷺ، ثم كبر بهم وركعوا جميعا، فقدّم الصفّ الاَخر واستأخر الصفّ المقدّم، فتعاقبوا السجود كما دخلوا أوّل مرّة، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. قال : فصلينا الظهر، فقال المشركون : كانوا على حال لو أردنا لأصبنا غِرّة، لأصبنا غفلة. فأنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاح، وصفّوا خلف رسول الله ﷺ مستقبلي القبلة والمشركون مُسْتَقْبَلَهُمْ، فكبر رسول الله ﷺ وكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا جميعا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصفّ الذي يليه وقام الاَخرون يحرسونهم، فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء. ث