جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مّبِيناً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ : وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ يقول : فليس عليكم حرج ولا إثم، ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ : يعني أن تقصروا من عددها، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعا، اثنتين، في قول بعضهم. وقيل : معناه : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقلّ عددها في حال ضربكم في الأرض، أشار إلى واحدة في قول آخرين.
وقال آخرون : معنى ذلك لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. يعني : إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إياهم فيما حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له.
ثم أخبرهم جلّ ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال :﴿إنّ الكافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّا مُبِينا﴾ يعني : الجاحدون وحدانية الله كانوا لكم عدوّا مبينا، يقول : عدوّا قد أبانوا لكم عداوتهم، بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة.
واختلف أهل التأويل في معنى القصر الذي وضع الله الجناح فيه عن فاعله، فقال بعضهم : في السفر من الصلاة التي كان واجبا تمامها في الحضر أربع ركعات، وأذن في قصرها في السفر إلى اثنتين. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاة إنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن الناس ! فقال : عجبت مما عجبت منه حتى سألت النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال :«صَدَقَةٌ تَصَدّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية، عن عمر، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن جريج، قال : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدّث عن عبد الله بن بابيه، يحدث عن يعلى بن أمية، قال : قلت لعمر بن الخطاب أعجب من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا، وقد قال الله تبارك وتعالى :﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ إنْ حِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ ! فقال عمر : عجبت مما عجبتَ منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال :«صَدَقَةٌ تَصَدّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هشام بن عبد الملك، قال : حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية، قال : سافرت إلى مكة، فكنت أصلي ركعتين، فلقيني قرّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا : كيف تصلي ؟ قلت : ركعتين، قالوا : أسنة أو قرآن ؟ قلت : كل ذلك سنة وقرآن، قلت : صلى رسول الله ﷺ ركعتين، قالوا : إنه كان في حرب ! قلت : قال الله :﴿لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيا بالحَقّ لَتَدْخُلُنّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمْقَصّرينَ لا تخافونَ﴾ وقال :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿فإذَا اطْمأْنَنْتُمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن هاشم، قال : أخبرنا يوسف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ، قال : سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله :﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ ثم انقطع الوحي. فلما كان بعد ذلك بحَوْل، غزا النبيّ ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم ! فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها. فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين :﴿إنْ خفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا إنّ الكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّا مُبِينا وإذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. . . إلى قوله :﴿إنّ اللّهَ أعَدّ للكافِرينَ عَذَابا مُهِينا﴾ فنزلت صلاة الخوف.
قال أبو جعفر : وهذا تأويل للآية حسن لو لم يكن في الكلام «إذا »، وإذا تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام «إذا » كان معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق : إن خفتم أيها المؤمنون أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، الآية. وبعد، فإن ذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ بن كعب :«وإذا ضَرَبْتُم في الأرض فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصّلاة أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا ».
حدثني بذلك الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا الثوري، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ :«أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاة أن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا »، ولا يقرأ :«إنْ خِفْتُم ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا بكر بن شرود، عن الثوريّ، عن واصل الأحدب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه قرأ :«أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم »، قال بكر : وهي في الإمام مصحف عثمان رحمه الله :﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وهذه القراءة تنبئ على أن قوله :﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا﴾ مواصل قوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ وأن معنى الكلام : وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، وأن قوله :﴿وَإذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصة مبتدأة غير قصة هذه الاَية. وذلك أن تأويل قراءة أبيّ هذه التي ذكرناها عنه :«وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا »، فحذفت «لا » لدلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه :﴿يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا﴾ بمعنى : أن لا تضلوا. ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق.
وقال آخرون : بل هو القصر في السفر، غير أنه إنما أذن جلّ ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوّ يخشى أن يفتنه في صلاته. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري، قال : حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد، قال : ثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال : سمعت أبي، يقول : سمعت عائشة تقول في السفر : أتّموا صلاتكم ! فقالوا : إن رسول الله ﷺ يصلي في السفر ركعتين ؟ فقالت : إن رسول الله ﷺ كان في حرب وكان يخاف، هل تخافون أنتم ؟.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا ابن أبي فديك، قال : حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله بن عمر : إنّا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر ؟ فقال عبد الله : إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملاً عملنا به.
حدثنا عليّ بن سهل الرملي، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه : أن عائشة كانت تصلي في السفر ركعتين.
حدثنا سعيد بن يحيى، قال : ثني أبي، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قلت لعطاء : أيّ أصحاب رسول الله ﷺ كان يتمّ الصلاة في السفر ؟ قال : عائشة وسعد بن أبي وقاص.
وقال آخرون : بل عنى بهذه الاَية : قصر صلاة الخوف في غير حال المسايفة، قالوا : وفيها نزل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ قال : يوم كان النبيّ ﷺ وأصحابه بُعْسفان والمشركون بَضجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو أربعا، شكّ أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه :﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعا، ثم سجد الأوّلون سجدة والآخرون قيام، ثم سجد الاَخرون حين قام النبيّ ﷺ ثم كبر بهم وركعوا جميعا، فتقدم الصفّ الاَخر، واستأخر الأوّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أوّل مرّة وقصر العصر إلى ركعتين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصّلاةِ﴾ قال : كان النبيّ ﷺ وأصحابه بعُسْفان والمشركون بضَجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ ﷺ وأصحابه صلاة الظهر ركعتين ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعا، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم بهم جميعا، ثم سجد الأوّلون بسجوده والاَخرون قيام لم يسجدوا، حتى قام النبيّ ﷺ، ثم كبر بهم وركعوا جميعا، فقدّم الصفّ الاَخر واستأخر الصفّ المقدّم، فتعاقبوا السجود كما دخلوا أوّل مرّة، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. قال : فصلينا الظهر، فقال المشركون : كانوا على حال لو أردنا لأصبنا غِرّة، لأصبنا غفلة. فأنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاح، وصفّوا خلف رسول الله ﷺ مستقبلي القبلة والمشركون مُسْتَقْبَلَهُمْ، فكبر رسول الله ﷺ وكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا جميعا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصفّ الذي يليه وقام الاَخرون يحرسونهم، فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء. ث
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وإذا ضربتم في الأرض"، وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض، (١) ="فليس عليكم جناح"، يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم (٢) ="أن تقصروا من الصلاة"، يعني: أن تقصروا من عددها، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعًا، اثنتين، في قول بعضهم.
وقيل: معناه: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقلِّ عددها في حال ضربكم في الأرض= أشار إلى واحدة، في قولِ آخرين.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة. ="إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا"، يعني: إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم. (٣) وفتنتهم إياهم فيها: حملهم عليهم وهم فيها ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له. (٤)
= ثم أخبرهم جل ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال:"إن الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا"، يعني: الجاحدين وحدانية الله (٥) ="كانوا لكم عدوَّا مبينًا"،
(٢) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف ٨: ١٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف ٨: ٢٩٨، ٣١٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف ٩: ٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٥) في المطبوعة: "يعني: الجاحدون" بالرفع، والذي أثبت من المخطوطة، صواب محض، وهو الذي جرى عليه أبو جعفر في مثله من التفسير
واختلف أهل التأويل في معنى:"القصر" الذي وضع الله الجُناح فيه عن فاعله. فقال بعضهم: في السفر، من الصلاة التي كان واجبًا إتمامها في الحضر أربعَ ركعات، (١) وأذِن في قصرها في السفر إلى اثنتين.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٣١٠- حدثني عبيد بن إسماعيل الهبَّاري قال، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن منية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:"فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم"، وقد أمن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته. (٢)
(٢) الأثر: ١٠٣١٠ -"عبيد بن إسماعيل الهباري"، وهو"عبيد الله بن إسماعيل الهباري"، مضى برقم: ٢٨٩٠، ٣١٨٥، ٣٣٢٥، ٤٨٨٨.
و"ابن إدريس"، هو"عبد الله بن إدريس الأودي"، مضى برقم: ٤٣٨، ٢٠٣٠، ٢٨٩٠، وغيرها.
و"ابن أبي عمار"، هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي، هو"القس" صاحب"سلامة"، التي يقال لها"سلامة القس". وهو ثقة.
و"عبد الله بن بابيه" ثقة. (وهو بباء، بعدها ألف، بعدها باء مفتوحة، بعدها ياء ساكنة). ويقال"عبد الله بن باباه".
و"يعلى بن منية"، هو"يعلى بن أمية المكي"، و"منية" جدته، نسب إليها. صحابي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في المطبوعة في هذا الأثر والذي يليه جميعًا"يعلى بن أمية"، ولكن المخطوطة في هذا الأثر وحده، كان فيها ما أثبته.
وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في مسنده رقم: ١٧٤، ٢٤٤، ٢٤٥، ورواه مسلم في صحيحه ٥: ١٩٥، ١٩٦ بإسنادين. والبيهقي في السنن ٣: ١٣٤، ١٤٠، ١٤١، وأبو داود في سننه ٢: ٤، رقم: ١١٩٩، ورواه ابن ماجه رقم: ١٠٦٥، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٥٧، ٥٥٨.
وسيأتي بإسنادين آخرين بعد، وهو حديث صحيح. وقال علي بن المديني: "هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون".
١٠٣١٢- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن جريج قال، سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث، عن عبد الله بن بابيه يحدِّث، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: أعجبُ من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا، وقد قال الله تبارك وتعالى:"أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا"! فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صَدقته. (١)
١٠٣١٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية قال: سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت ركعتين. قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، (٢) [فقد] صلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. (٣) قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ
(٢) في المطبوعة: "كل ذلك سنة وقرآن"، وأثبت ما في المخطوطة، والدر المنثور، وهو الصواب. والزيادة من الناسخ أو الناشر.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "قلت صلى رسول الله... "، وقوله"قلت" ليست في الدر المنثور، فاستظهرت قراءتها كما أثبتها بين القوسين.
١٠٣١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: سأل قومٌ من التجار رسولَ الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله:"وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة"، ثم انقطع الوحي. فلما كان بعد ذلك بِحَوْلٍ، غزا النبي ﷺ فصلى الظُّهر، فقال المشركون: لقد أمْكَنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إِثرها! فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين:"إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا وإذا كنت فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك" إلى قوله:"إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينًا"، فنزلت صلاة الخوف. (٢)
(٢) الأثر: ١٠٣١٤ - هذا الأثر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٠٩، وابن كثير في تفسيره ٢: ٥٦٥، ولم ينسباه لغير ابن جرير.
وفي ابن كثير: "قال ابن جرير، حدثني ابن المثنى، حدثنا إسحاق... "، مخالفا ما في المطبوعة والمخطوطة فجعله"ابن المثنى" يعني"محمد بن المثنى"، والطبري يروي عنهما جميعًا، عن"المثنى بن إبراهيم"، وعن"محمد بن المثنى"، ولكني أرجح أن الصواب ما في المطبوعة، لكثرة رواية المثنى عن إسحاق بن الحجاج الطاحوني، كما سلف مئات من المرات.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "يوسف، عن أبي روق"، والصواب"سيف" كما في تفسير ابن كثير. ومما سيأتي في كلام أبي جعفر. وهو سيف بن عمر التميمي، وهو متروك الحديث.
أما "عبد الله بن هاشم"، فلم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.
وقد قال ابن كثير بعد أن ساق هذا الأثر: "وهذا سياق غريب جدًا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت"، ثم ساق الأثر الآتي برقم: ١٠٣٢٣، من رواية أحمد وأبي داود، كما سيأتي.
ورد أبي جعفر الآتي بعد، دال على تضعيفه هذا الحديث.
* * *
وبعد، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءة أبيّ بن كعب: (٢) (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
١٠٣١٥- حدثني بذلك الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الثوري، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، ولا يقرأ:"إن خفتم". (٣)
١٠٣١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شرود عن الثوري، عن واصل الأحدب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه قرأ: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُم)، قال بكر: وهي في"الإمام" مصحف عثمان رحمة الله عليه:"إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا". (٤)
(٢) في المخطوطة: "وبعدد فإن"، وهو من غريب سهو الناسخ في كتابته.
(٣) الأثر: ١٠٣١٥ -"الحارث" هو"الحارث بن أبي أسامة" وهو"الحارث بن محمد بن أبي أسامة" سلف قريبًا برقم: ١٠٢٩٥.
و"عبد العزيز" هو"عبد العزيز بن أبان الأموي" سلف برقم: ١٠٢٩٥.
و"واصل بن حيان الأحدب" مضى برقم: ١٠.
(٤) الأثر: ١٠٣١٦ -"بكر بن شرود" مضى برقم: ٨٥٦٢.
وذلك أن تأويل قراءة أبيٍّ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا، فحذفت"لا" لدلالة الكلام عليها، كما قال جل ثناؤه: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، [سورة النساء: ١٧٦]، بمعنى: أن لا تضلوا.
ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق.
* * *
وقال آخرون: بل هو القصر في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوٍّ يخشى أن يفتِنَه في صلاته.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٣١٧- حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري قال، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد قال، حدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول في السفر: أتموا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ يصلّي في السفر ركعتين؟
١٠٣١٨- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصْرَ صلاة الخوف، (٢) ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملا عملنا به. (٣)
١٠٣١٩- حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عائشة كانت تصلي في السفر ركعتين.
١٠٣٢٠- حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثني أبي قال، حدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أيُّ أصحاب رسول الله ﷺ كان يتم الصلاة في السفر؟ قال: عائشة وسعد بن أبي وقاص.
* * *
وأما "محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" فهو ثقة. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور ٢: ٢١٠، "عمر" مكان"محمد"، وهو خطأ، والناسخ كثيرًا ما يكتب"محمد""عمر" كما مر في مواضع كثيرة.
وأبوه: "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق"، المعروف بابن أبي عتيق. روى عن عمة أبيه عائشة، وروى عنه ابناه، عبد الرحمن ومحمد (المذكور قبل).
وهذا الأثر لم أجده في شيء من دواوين السنة التي بين يدي، وخرجه السيوطي في الدر المنثور، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(٢) في المطبوعة: "قصر الصلاة في الخوف"، وفي المخطوطة: "قصر الصلاة الخوف"، وصوابها من تفسير ابن كثير.
(٣) الأثر: ١٠٣١٨ - خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٦١، والدر المنثور ٢: ٢١٠، ولم ينسباه لغير ابن جرير. وأخرجه البيهقي في سننه ٣: ١٣٦ من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب. وقال البيهقي: "ورواه الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر، وأسنده جماعة عن ابن شهاب فلم يقيموا إسناده".
*ذكر من قال ذلك:
١٠٣٢١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة"، قال: يوم كان النبي ﷺ وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، (١) فصلّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين= أو: أربعًا، شك أبو عاصم= ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمْتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه:"فلتقم طائفة منهم معك"، فصلَّى العصر، فصفَّ أصحابه صَفَّين، ثم كبَّر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام،
١٠٣٢٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة"، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بعُسْفان والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، (١) فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعًا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تبارك وتعالى:"فلتقم طائفة منهم معك"، فصلَّى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفّين، ثم كبر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون لسجوده، (٢) والآخرون قيام لم يسجدوا، حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبَّر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصفُّ الآخر واستأخر الصف المقدم، فتعاقبوا السجود كما دخلوا أوّل مرة، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.
١٠٣٢٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. قال: فصلَّينا الظهر، فقال المشركون: لقد كانوا على حالٍ، لو أردنا لأصبنا غِرَّة، لأصبنا غفلة. (٣) فأنزلت آية القَصر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاحَ وصفّوا خلف رسول الله ﷺ مستقبلي القبلة والمشركون مُسْتَقْبَلهم، (٤) فكبر رسول الله ﷺ وكبَّروا جميعًا، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء، ثم نكصَ الصفّ الذي يليه وتقدم الآخرون، فقاموا في مقامهم، فركع رسول الله ﷺ فركعوا جميعًا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء الآخرون، ثم استووْا معه، فقعدوا جميعًا، ثم سلم عليهم جميعًا، فصلاها بعُسْفان، وصلاها يوم بني سُلَيْم. (٥)
١٠٣٢٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان النحوي، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي= وعن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش، قال: كان رسول الله ﷺ بعُسفان، ثم ذكر نحوه. (٦)
(٢) في المطبوعة: "بسجوده" بالباء وأثبت ما في المخطوطة، وهو جيد.
(٣) في المطبوعة: "كانوا على حال"، أسقط "لقد"، لأن ناسخ المخطوطة كتبها"لو كانوا... "، والصواب ما أثبت.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة"مستقبلهم" (وقراءتها بضم الميم وسكون السين وفتح الباء)، يعني: أمامهم. وكان المشركون يومئذ بينهم وبين القبلة.
(٥) الأثر: ١٠٣٢٣، ١٠٣٢٤ - ساق أبو جعفر هذا الأثر من ثلاث طرق، وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٠٣٨٧ وهو حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده ٤: ٥٩، ٦٠ من طريقين. من طريق عبد الرازق، عن الثوري عن منصور= ومن طريق غندر، عن شعبة عن منصور.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٩١، ١٩٢ من طريق ورقاء عن منصور.
ورواه النسائي في السنن ٣: ١٧٦، ١٧٧، من طريق شعبة عن منصور= ومن طريق عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور.
ورواه أبو داود في سننه ٢: ١٦ رقم: ١٢٣٦، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور، كإسناد أبي جعفر الأول.
ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٣٣٧ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال الذهبي: على شرطهما.
ورواه البيهقي في السنن في موضعين ٣: ٢٥٤ من طريق ورقاء عن منصور. ثم ٣: ٢٥٦، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور.
قال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح، وقد رواه قتيبة بن سعيد، عن جرير، فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي". وقال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٦٦، ٥٦٧: "هذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة".
(٦) الأثر: ١٠٣٢٣، ١٠٣٢٤ - ساق أبو جعفر هذا الأثر من ثلاث طرق، وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٠٣٨٧ وهو حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده ٤: ٥٩، ٦٠ من طريقين. من طريق عبد الرازق، عن الثوري عن منصور= ومن طريق غندر، عن شعبة عن منصور.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٩١، ١٩٢ من طريق ورقاء عن منصور.
ورواه النسائي في السنن ٣: ١٧٦، ١٧٧، من طريق شعبة عن منصور= ومن طريق عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور.
ورواه أبو داود في سننه ٢: ١٦ رقم: ١٢٣٦، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور، كإسناد أبي جعفر الأول.
ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٣٣٧ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال الذهبي: على شرطهما.
ورواه البيهقي في السنن في موضعين ٣: ٢٥٤ من طريق ورقاء عن منصور. ثم ٣: ٢٥٦، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور.
قال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح، وقد رواه قتيبة بن سعيد، عن جرير، فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي". وقال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٦٦، ٥٦٧: "هذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة".
* * *
وقال آخرون: بل عنى بها قصر صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف،
وهذا الخبر، رواه أحمد في مسنده ٣: ٣٦٤، ٣٩٠، من طريق أبي عوانة عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، بغير هذا اللفظ، وبمعناه.
وأشار إلى خبر سليمان بن قيس، أبو داود في سننه ٢: ٢٤، والبيهقي في السنن ٣: ٢٥٩، ومعاني الآثار للطحاوي ١: ١٨٧.
وقال ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٦٨، وذكر حديث أحمد في المسند، وقال: "تفرد به من هذا الوجه".
*ذكر من قال ذلك:
١٠٣٢٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا"، إلى قوله:"عدوًّا مبينًا"، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهو تمام. (٢) والتقصير لا يحلّ، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة. والتقصير ركعة: يقوم الإمام ويقوم جنده جندين، طائفة خلفه، وطائفة يوازون العدوّ، فيصلّي بمن معه ركعة، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القَهْقرى. ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة أخرى، ثم يجلس الإمام فيسلم، فيقومون فيصلّون لأنفسهم ركعة، ثم يرجعون إلى صفهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعتهم ركعة. والناس يقولون: لا بل
(٢) في المطبوعة: "فهي تمام"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضًا.
١٠٣٢٧- حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. (١)
١٠٣٢٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كيف تكون قصرًا وهم يصلون ركعتين؟ إنما هي ركعة.
١٠٣٢٩- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية قال، حدثنا المسعودي قال، حدثني يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة. (٢)
١٠٣٣٠- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث قال، حدثني بكر بن سوادة: أن زياد بن نافع حدثه عن كعب= وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قُطعت يده يوم اليَمامة=: أن صلاة الخوف لكل طائفة، ركعة وسجدتان. (٣)
(٢) الأثر: ١٠٣٢٩-"يزيد الفقير" هو"يزيد بن صهيب"، وهذا الأثر بهذا الإسناد، مضى برقم: ٥٥٦٣.
(٣) الأثر: ١٠٣٣٠ -"أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري" و"عبد الله بن وهب"، مضيا، برقم: ٢٧٤٧.
و"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري" مضى برقم: ١٣٨٧، ٦٨٨٩.
و"بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي المصري". تابعي ثقة، مترجم في التهذيب.
و"زيادة بن نافع التجيبي المصري"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.
و"كعب" الأقطع، مترجم في الإصابة، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٢٢٢. وهذا الأثر ساقه الحافظ ابن حجر في ترجمة"كعب الأقطع"، وقال: "أظن في إسناده انقطاعًا، فقد علقه البخاري من طريق زياد بن نافع، عن أبي موسى الغافقي، عن جابر بن عبد الله. وقال البخاري في التاريخ، كعب قطعت يده يوم اليمامة، له صحبة. روى عنه زياد بن نافع".
١٠٣٣١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهدم اليربوعي قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم يحفظ صلاةَ رسول الله ﷺ في الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فأقامنا خلفه صفًّا، وصفًّا موازيَ العدو، (١) فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة. (٢)
١٠٣٣٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا
(٢) الأثر: ١٠٣٣١ - وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٠٣٣٣.
"أشعث بن أبي الشعثاء" هو: أشعث بن سليم بن أسود المحاربي، من ثقات شيوخ الكوفيين، مترجم في التهذيب.
و"الأسود بن هلال المحاربي"، كان جاهليًا، أدرك الإسلام. روى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود. مترجم في التهذيب.
و"ثعلبة بن زهدم الحنظلي"، مختلف في صحبته، روى عن حذيفة وأبي مسعود، وعامة روايته عن الصحابة. مترجم في التهذيب.
وهذا الأثر رواه أحمد في مسنده ٥: ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٤، وأبو داود في السنن ٢: ٢٣ رقم: ١٢٤٦، والنسائي في السنن ٣: ١٦٧، ١٦٨ والبيهقي، في سننه ٣: ٢٦١، والحاكم في المستدرك ١: ٣٣٥ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. والطحاوي في معاني الآثار ١: ١٨٣.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢١٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن حبان.
١٠٣٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي، عن حذيفة بنحوه. (٢)
١٠٣٣٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثني يحيى قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى بذي قَرَد، فصفّ الناس خلفه صفين، صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة. ولم يَقْضوا. (٣)
و"القاسم بن حسان العامري". ذكره ابن حبان في الثقات، قال الحافظ ابن حجر: في أتباع التابعين، ومقتضاه أنه لم يسمع من زيد بن ثابت، ثم وجدته قد ذكره (يعني ابن حبان) في التابعين أيضًا".
وقد ساق الخبر، البيهقي في سننه ٣: ٢٦٢، وفيه تصريح بسماعه عن زيد بن ثابت، قال: "عن القاسم بن حسان قال: أتيت فلان بن وديعة فسألته عن صلاة الخوف فقال: إيت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيدًا فسألته... " وساق الخبر. وانظر معاني الآثار للطحاوي ١: ١٨٣.
(٢) الأثر: ١٠٣٣٣ - انظر التعليق على الأثر: ١٠٣٣١.
(٣) الأثر: ١٠٣٣٤ -"أبو بكر بن أبي الجهم"، هو: "أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي" نسب إلى جده. كما في التهذيب، وفي الكنى للبخاري: ١٣"أبو بكر ابن أبي الجهم بن صخير"، وفي ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٣٣٨: "أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم بن صخير"، وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب: "واسم أبي الجهم، صخير"، كان فقيهًا، ثقة، قال ابن سعد: "كان قليل الحديث". مترجم في التهذيب. وانظر ما كتبه أخي السيد أحمد في شرح مسند أحمد.
و"عبيد الله بن عبد الله" هو ابن عتبة بن مسعود الهذلي، تابعي، كان عالمًا ثقة كثير الحديث والعلم، تقيًا، شاعرًا محسنًا، وكان أحد فقهاء المدينة، وهو معلم عمر بن عبد العزيز.
وهذا الأثر رواه أحمد في مسنده: ٢٠٦٣، ٣٣٦٤، وإسناده صحيح. وانظر شرح أخي السيد أحمد هناك. وانظر معاني الآثار للطحاوي ١: ١٨٢.
١٠٣٣٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عليه السلام في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً.
١٠٣٣٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. (٢)
١٠٣٣٨- حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزديّ قال، حدثنا المحاربي، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. (٣)
١٠٣٣٩- حدثنا يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. (٤)
(٢) الأثران: ١٠٣٣٦، ١٠٣٣٧ -"أبو عوانة" هو: "الوضاح بن عبد الله اليشكري"، مضى برقم: ٤٤٩٨.
و"بكير بن الأخنس" كوفي ثقة
وهذا الأثر رواه أحمد في المسند رقم: ٢١٢٤، ٢٢٩٣، وانظر شرح أخي السيد أحمد هناك. ورواه مسلم أيضًا ٥: ١٩٦.
(٣) الأثران: ١٠٣٣٨، ١٠٣٣٩ -"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" سبق برقم: ٤٢٣، ٨٧٥، ٢٨٥٩، وقد بين أخي السيد أحمد أن صحة نسبته"الأزدي" لا"الأودي" بالواو. وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الأودي". وهذا التكرار يوجب على أن أشك في أمر هذه النسبة، وأخشى أن يكون دخل على أخي بعض اللبس فيها، ولكني لم أستطع تحقيق هذا الموضع من المراجع التي هي تحت يدي الآن. ومع ذلك فقد تابعته في تصحيح"الأودي" إلى"الأزدي".
و"المحاربي" هو"عبد الرحمن بن محمد المحاربي" مضى برقم: ٢٢١، ٨٧٥. و"أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي" ثقة، مترجم في الكبير ١ / ١ / ٤٢٠.
وهذا الأثر بهذا الإسناد رواه أحمد في المسند رقم: ٢١٧٧ من طريق القاسم بن مالك الآتي، وهو إسناد صحيح، انظر شرح أخي السيد أحمد هناك. ورواه مسلم ٥: ١٩٧.
وأما الأثر: ١٠٣٣٩، ففيه"يعقوب بن ماهان" وقد مضى برقم: ٤٩٠١.
وأما "القاسم بن مالك المزني"، من شيوخ أحمد، ثقة. مترجم في التهذيب.
(٤) الأثران: ١٠٣٣٨، ١٠٣٣٩ -"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" سبق برقم: ٤٢٣، ٨٧٥، ٢٨٥٩، وقد بين أخي السيد أحمد أن صحة نسبته"الأزدي" لا"الأودي" بالواو. وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الأودي". وهذا التكرار يوجب على أن أشك في أمر هذه النسبة، وأخشى أن يكون دخل على أخي بعض اللبس فيها، ولكني لم أستطع تحقيق هذا الموضع من المراجع التي هي تحت يدي الآن. ومع ذلك فقد تابعته في تصحيح"الأودي" إلى"الأزدي".
و"المحاربي" هو"عبد الرحمن بن محمد المحاربي" مضى برقم: ٢٢١، ٨٧٥. و"أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي" ثقة، مترجم في الكبير ١ / ١ / ٤٢٠.
وهذا الأثر بهذا الإسناد رواه أحمد في المسند رقم: ٢١٧٧ من طريق القاسم بن مالك الآتي، وهو إسناد صحيح، انظر شرح أخي السيد أحمد هناك. ورواه مسلم ٥: ١٩٧.
وأما الأثر: ١٠٣٣٩، ففيه"يعقوب بن ماهان" وقد مضى برقم: ٤٩٠١.
وأما "القاسم بن مالك المزني"، من شيوخ أحمد، ثقة. مترجم في التهذيب.
١٠٣٤١- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكر بن سوادة حدثه، عن زياد بن نافع حدثه، عن أبي موسى: أن جابر بن عبد الله حدثهم: أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين. (٢)
١٠٣٤٢- حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي قال، حدثنا عبد الله بن شقيق قال، حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ نزل بين ضَجْنان وعُسْفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبَّ إليهم من أبنائهم وأبْكارهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلةً واحدة. وإن جبريل أتى النبي ﷺ وأمرَه أن يقسم
(٢) الأثر: ١٠٣٤١ -"أبو موسى" هو: "علي بن رباح"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧: ٣٢٤، و"هو تابعي معروف أخرج له مسلم"، وقال أيضًا إن أبا موسى في هذا الأثر: "يقال هو الغافقي: مالك بن عبادة، وهو صحابي معروف أيضًا". وقد مضى ذكر"علي بن رباح" رقم: ٤٧٤٧.
وهذا الأثر رواه البخاري (الفتح ٧: ٣٢٤).
* * *
وقال آخرون: عنى به القصر في السفر، إلا أنه عنى به القصر في شدَّة الحرب وعند المسايفة، فأبيح عند التحام الحرب للمصلي أن يركع ركعة إيماءً برأسه حيث توجَّه بوجهه. قالوا: فذلك معنى قوله:"ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا".
*ذكر من قال ذلك:
١٠٣٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإذا ضربتم في الأرض"، الآية، قصرُ الصلاة، إن لقيت العدوَّ وقد حانت الصلاة: أن تكبر الله، وتخفض رأسك إيماء، راكبًا كنت أو ماشيًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية، قول من قال:"عنى بالقصر فيها، القصرَ من حدودها. وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها، مستقبلَ القبلة فيها ومستدبرَها، وراكبًا وماشيًا،
و"عبد الله بن شقيق العقيلي" مضى برقم: ١٩٦ - ١٩٩.
وهذا الأثر رواه النسائي في السنن ٣: ١٧٤، والترمذي في السنن، في كتاب التفسير. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢١١، واقتصر على نسبته لابن جرير والترمذي. وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب من حديث عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة".
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله:"وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا"، لدلالة قول الله تعالى:"فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة"، على أن ذلك كذلك. لأن إقامتها: إتمامُ حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها، دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبًة في حال الخوف.
فإن ظن ظان أن ذلك أمرٌ من الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم، غيرَ مقيم صلاته، لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين. وذلك قولٌ إن قاله قائل، (٢) مخالف لما عليه الأمة مجمعة: من أن المسافر لا يستحق أن يقال له= إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين=:"إنه غير مقيم صلاته". وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفًا من عدوه أن يفتنه، أن يقيم صلاتَه إذا اطمأن وزال الخوف، كان معلومًا أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عين الذي كان أسقط عنه في حال الخوف. وإذْ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة: إقامة
(٢) في المطبوعة: "فذلك قول" والصواب من المخطوطة.
* * *