الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ(١) فِي الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ) الآية [ ١٠١ ].
ذكر بعض أهل المعاني [ أن الآية ](٢) في قصتين وحكمين.
فقوله :( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ ) في الإقصار في السفر، وتم الكلام عند قوله :( مِنَ الصَّلاَةِ )(٣).
ثم ابتدأ قصة أخرى في إباحة صلاة الخوف وصفتها.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل قوم رسول الله ﷺ : فقالوا يا رسول الله : أنضرب الأرض ؟ أي : نسير، فأنزل الله عز وجل ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ ) ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول وغزا(٤) النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون : لقد أمكنكم(٥) هو وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ؟ فقال قائل : إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله عز وجل ( إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا ) –إلى قومه- ( عَذَاباً مُّهِيناً ) فنزلت صلاة الخوف بكيفيتها(٦).
وقال ابن عباس : معنى القصر هنا هو أن يقصروا من ركوعها وسجودها في حال الخوف، ويصلي كيف ما أمكن إلى القبلة وإلى غيرها ماشياً أو راكباً، كما قال :( فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَاناً )(٧) وهو اختيار الطبري(٨)، قال : ودليله قوله ( فَإِذَا اطْمَأَنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) وإقامتها إتمام ركوعها وسجودها، وفرائضها من قبلة وغيرها.
فقد قال جماعة من التابعين والصحابة منهم، حذيفة وجابر بن عبد الله وابن جبير، وروى مجاهد عن ابن عباس، وقالوا : فرض الله على(٩) المقيم أربعاً وعلى المسافر ركعتين وفي الخوف ركعة(١٠)، قالوا فقصر الصلاة في الخوف أن تصلي ركعة لأنهم مسافرون، فصلاتهم ركعتان، وقصر الركعتين لا يكون إلى ركعتين إنما ذلك أن يصلوا(١١) ركعة واحدة، وتواترت الأخبار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فرضت الصلاة ركعتين، ثم أتمت صلاة المقيم، وأُقرت صلاة المسافر بحالها(١٢).
وقرأ أبي بن كعب " أن تقصُروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بحذف ( إِنْ خِفْتُمْ ) على معنى كراهة أن يفتنكم(١٣).
وروي عن عائشة أنها قالت : أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما أتى النبي ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب فإنها وتر، وإلا صلاة الصبح لطول قراءتها، فكان رسول الله ﷺ إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ركعتين(١٤).
قال ابن عباس : من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين(١٥).
( وقال(١٦) عمر بن عبد العزيز : صلاة السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما )، وروى عن مالك الإعادة على من أتم(١٧) في السفر(١٨).
قال ابن القاسم : في الوقت يعيد.
وقال أصحاب الرأي(١٩) : إذا صلى المسافر أربعاً، فقعد في الثانية قدر التشهد فصلاته تامة، وإن لم يقعد قدر التشهد، فصلاته فاسدة وقال الشافعي وأبو ثور : المسافر بالخيار في الإتمام والقصر(٢٠).
١ - الضرب في الأرض معناه السير في الأرض بالسفر للتجارة أو الجهاد، وأصله من الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير، فإن من ضرب إنساناً كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير، وللضرب عدة معان، قال ضرب المجد: إذا كسبه، وطلبه، وضربت الطير: ذهبت، وضرب في سبيل الله، ذهب وضرب بنفسه أقام. انظر: جمهرة اللغة ١/٢٦١. واللسان ١/٥٤٣، وتاج العروس ١/٣٤٧..
٢ - ساقط من (أ)..
٣ - انظر: جامع البيان ٥/٢٤٤، والمحرر ٤/٢٣٥..
٤ - (ج) (د): وعز..
٥ - (أ) مكن منكم وأصحابه..
٦ - انظر: جامع البيان ٥/٢٤٤، والدر المنثور ٢/٦٥٦..
٧ - البقرة: الآية ٢٣٧..
٨ - انظر: جامع البيان ٥/٢٤٩..
٩ - (أ): عن..
١٠ - خرجه مسلم في كتاب الصلاة ٢/١٤٣..
١١ - (د): اللا يصلوا..
١٢ - انظر: الموطأ كتاب قصر الصلاة في السفر: ١٢١، والبخاري في كتاب الصلاة ١/٩١، ومسلم في باب صلاة المسافر وقصرها ٢/١٤٢ وقد ضعف القرطبي قول السيدة عائشة، الجامع للأحكام ٥/٣٥٢..
١٣ - قراءة أُبي بن كعب تقوم على إضمار لا، وقد حذفت لدلالة الكلام عليها كما في قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ أَنْ تَضِلُّوا) بمعنى أن لا تضلوا، وهذا تأويل فاسد لا يقوم عليه دليل أو برهان. انظر: جامع البيان ٥/٢٤٤، والدر المنثور ٢/٦٥٦..
١٤ - سنن البيهقي، كتاب الصلاة ١/٣٥٨..
١٥ - انظر: الأم ١/٢٠٩، ٢١٠..
١٦ - بتر من (د) يبتدئ من ص: ٤١٩ إلى ص: في حين أن أرقام صفحات المخطوط متسلسلة ويبتدئ من ص: ١٤٥-١٤٦ والبتر واقع بين الرقمين ولم ينتبه إليه المرقم..
١٧ - (أ): تم..
١٨ - انظر: المدونة الكبرى ١/١١٥..
١٩ - هو رأي الأحناف. انظر: أحكام الجصاص ٢/٢٥٣..
٢٠ - انظر: الأم: ١/٢١١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى