فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ قد تقدّم تفسير الضرب في الأرض قريباً. قوله :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور. وذهب الأقلون إلى أنه واجب، ومنهم عمر بن عبد العزيز والكوفيون، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مرويّ عن مالك. واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح :«فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرّت في السفر » ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله ﷺ، ومثله حديث يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب قلت :﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس، فقال لي عمر : عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال :«صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » أخرجه أحمد، ومسلم، وأهل السنن. وظاهر قوله :«فاقبلوا صدقته » أن القصر واجب.
قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن ولكنه قد تقرّر بالسنة أن النبيّ ﷺ قصر مع الأمن، كما عرفت. فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضته ما تواتر عنه ﷺ من القصر مع الأمن. وقد قيل : إن هذا الشرط خرّج مخرج الغالب ؛ لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدّم. وفي قراءة أبيّ :«أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا » بسقوط ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ والمعنى على هذه القراءة كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدّو، فمن كان آمناً، فلا قصر له. وذهب آخرون إلى أن قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ ليس متصلاً بما قبله، وأن الكلام تمّ عند قوله :﴿مِنَ الصلاة﴾ ثم افتتح فقال :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله :﴿إِنَّ الكافرين كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ معترض، ذكر معنى هذا الجرجاني، والمهدوي، وغيرهما. ورده القشيري، والقاضي أبو بكر بن العربي. وقد حكى القرطبي، عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا، ويدفعه الواو في قوله :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ وقد تكلف بعض المفسرين، فقال : إن الواو زائدة، وإن الجواب للشرط المذكور، أعني قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ هو قوله :﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ﴾ وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدّمنا ذكره، وما ورد في معناه.
قوله :﴿أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ قال الفراء : أهل الحجاز يقولون، فتنت الرجل، وربيعة، وقيس، وأسد، وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل، وسيبويه بينهما، فقالا فتنته : جعلت فيه فتنة مثل كحلته، وأفتنته : جعلته مفتناً، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. والمراد بالفتنة : القتال، والتعرّض بما يكره قوله :﴿عَدُوّا﴾ أي : أعداء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر، عن صلاة السفر، فقال : ركعتان قلت : فأين قوله تعالى :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ ونحن آمنون ؟ قال : سنة رسول الله ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه سأل ابن عمر : أرأيت قصر الصلاة في السفر ؟ إنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال ابن عمر : يا بن أخي إن الله أرسل محمداً ﷺ ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل، كما رأينا رسول الله ﷺ يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله ﷺ.
وفي الصحيحين، وغيرهما عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، عن ابن عباس قال : صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين.
وأخرج ابن جرير، عن عليّ قال : سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصلاة﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون : قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددّتم عليهم ؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا إِنَّ الكافرين كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله :﴿إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فنزلت صلاة الخوف.
وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم وصححه، عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم، ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ ثم ذكر صفة الصلاة التي صلوها مع النبي ﷺ. والأحاديث في صفة صلاة الخوف كثيرة، وهي مستوفاة في مواطنها، فلا نطول بذكرها ها هنا. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس في قوله :﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مرْضَى﴾ قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.
قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن ولكنه قد تقرّر بالسنة أن النبيّ ﷺ قصر مع الأمن، كما عرفت. فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضته ما تواتر عنه ﷺ من القصر مع الأمن. وقد قيل : إن هذا الشرط خرّج مخرج الغالب ؛ لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدّم. وفي قراءة أبيّ :«أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا » بسقوط ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ والمعنى على هذه القراءة كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدّو، فمن كان آمناً، فلا قصر له. وذهب آخرون إلى أن قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ ليس متصلاً بما قبله، وأن الكلام تمّ عند قوله :﴿مِنَ الصلاة﴾ ثم افتتح فقال :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله :﴿إِنَّ الكافرين كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ معترض، ذكر معنى هذا الجرجاني، والمهدوي، وغيرهما. ورده القشيري، والقاضي أبو بكر بن العربي. وقد حكى القرطبي، عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا، ويدفعه الواو في قوله :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ وقد تكلف بعض المفسرين، فقال : إن الواو زائدة، وإن الجواب للشرط المذكور، أعني قوله :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ هو قوله :﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ﴾ وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدّمنا ذكره، وما ورد في معناه.
قوله :﴿أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا﴾ قال الفراء : أهل الحجاز يقولون، فتنت الرجل، وربيعة، وقيس، وأسد، وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل، وسيبويه بينهما، فقالا فتنته : جعلت فيه فتنة مثل كحلته، وأفتنته : جعلته مفتناً، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. والمراد بالفتنة : القتال، والتعرّض بما يكره قوله :﴿عَدُوّا﴾ أي : أعداء.
وفي الصحيحين، وغيرهما عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، عن ابن عباس قال : صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين.
وأخرج ابن جرير، عن عليّ قال : سأل قوم من التجار رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصلاة﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون : قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددّتم عليهم ؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين :﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا إِنَّ الكافرين كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله :﴿إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فنزلت صلاة الخوف.
وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم وصححه، عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم، ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ ثم ذكر صفة الصلاة التي صلوها مع النبي ﷺ. والأحاديث في صفة صلاة الخوف كثيرة، وهي مستوفاة في مواطنها، فلا نطول بذكرها ها هنا. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس في قوله :﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مرْضَى﴾ قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.