التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم شرع - سبحانه - فى بيان صفة صلاة الخوف فى جماعة فقال - تعالى - ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
والمعنى : وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ أى : فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجراً ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه، فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم.
والضمير فى قوله ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ يعود إلى الرجال الذين معه فى الصلاة.. أى : ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون عليى أهبة القتال دائما.
وقوله ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أى : الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى وأتموا الركعة ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أى : فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة. فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه.
وقيل المعنى : فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعليه فيكون الضمير فى قوله ﴿فَلْيَكُونُواْ﴾ يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة.
وقوله :﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى : فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ الركعة الأوفى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والحنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم.
وقوله ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ استعمل لفظ الأخذ فيه الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع بها عن النفس.
وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة ؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ.
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لما ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة ؟ قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمبن فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة فى الإِقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة.
وقوله - تعالى - ﴿وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلام. والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله ﴿وَدَّ﴾ من الود وهو محبة الشئ وتمنى حصوله.
والأسلحة : جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعلمها الناس فى حروبهم وقتالهم.
والأمتعة. جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا : ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم.
و ﴿لَوْ﴾ فى قوله ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ مصدرية. وقوله ﴿مَّيْلَةً﴾ منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد.
والمعنى : كونوا دائماً - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم لهم، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطعيون قتله. فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدئاكم الذين يتربصون بكم الدوائر.
فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى - ؛ ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾.
أى : ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى أغمادها فلا تحملوها ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ يثقل معه حمل السلاح ﴿أَوْ كُنتُمْ مرضى﴾ بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم ؛ بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله ﴿إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى : إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال - تعالى - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ وأما فى الآخرة فالبعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطعيون منه نجاة أو مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى توصلكم إلى النصر عليهم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١- قال الآلوسى : تعلق بظاهر قوله - تعالى - ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾. من خص صلاة الخوف بحضرته ﷺ كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه الجصاص فى كتاب الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده ﷺ نوابه، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما فى قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وص، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم، وهذا يحل محل الإِجماع.
٢- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل الصلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن أبى عياش الزرقى قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبى ﷺ الظهر فقالوا : قد كانوا على حال لو أصابنا غرتهم ثم قالوا : تأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم.
فنزل جبريل بهذه الآية ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾.. الخ بين الظهر والعصر.
٣- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى ﷺ قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة وفى مواضع متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبى. وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة الخوف. واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن القصار أنه ﷺ صلاها فى عشر مواضع. وقال ابن العربى : روى عن النبى ﷺ أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإِمام أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى فى صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهى كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث صلى منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله.
وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون فى غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبل القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبى ﷺ يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. ونظرا لاختلاف الروايات الواردة فى كيفية صلاة الخوف، فقد اختلف الفقهاء فى كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. وهاك بعض مذاهبهم :
( أ ) ذهب الإِمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن يكفية صلاة الخوف أن يقسم الإِمام الناس طائفتين : طائفة تكون مع الإِمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى بالذين مع ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الخرى التى كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإِمام الركعة الثانية ويسلم هو.
ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة، لأنها فى رأيهم لاحقة. أى كأنها وراء الإِمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة عندهم وراء الإِمام ثم تتشهد وتسلم. وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثاينة فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة، فتكون كمن أدرك آخر صلاة الإِمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة فى حقها. وهذه الكيفية لصلاة الخوف التى أخذ بها الإِمام أبو حنيفة قد وردت فى روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبى ﷺ :
( ب ) الإِمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى : أن يقسم الإِمام الناس إلى طائفتين : طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم يصلى بالطائفة التى معه ركعة ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثاينة، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإِمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإِمام وحده أماهم فيقومون فيصلون وحدهم الكرعة التى بقيت ثم يتشهدون ويسلمون.
وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإِمام الشافعى فهو يوافق المالكية فيما ذهبوا
والمعنى : وإذا كنت يا محمد فى أصحابك وشهدت معهم القتال ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ أى : فأردت أن تقيم لهم الصلاة فى جماعة لتزدادوا أجراً ورعاية من الله وأنتم تقاتلون أعداءه، فعليك فى هذه الحالة أن تقسم أصحابك إلى قسمين، ثم بعد ذلك ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ أى فلتقم جماعة من أصحابك معك فى الصلاة، أما الطائفة الأخرى فلتكن بإزاء العدو ليحرسوكم منهم.
والضمير فى قوله ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ يعود إلى الرجال الذين معه فى الصلاة.. أى : ولتأخذ الطائفة القائمة معك فى الصلاة أسلحتها معها وهى فى الصلاة حتى تكون عليى أهبة القتال دائما.
وقوله ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أى : الرجال القائمون معك فى الصلاة سجدوا فى الركعة الأولى وأتموا الركعة ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أى : فلينصرفوا بعد ذلك من صلاتهم ليكونوا فى مقابلة العدو للحراسة. فالضمير فى الكل يعود إلى المصلين معه.
وقيل المعنى : فإذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة، فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا فى الصلاة من ورائكم لحماية ظهوركم، ولمنع نزول الأذى بكم من أعدائكم. وعليه فيكون الضمير فى قوله ﴿فَلْيَكُونُواْ﴾ يعود إلى الطائفة الثانية التى ليست فى الصلاة.
وقوله :﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ بيان لما يجب أن تفعله الطائفة الأخرى التى لم تدخل فى الصلاة بعد. أى : فإذا ما انصرفت الطائفة الأولى للحراسة فلتأت الطائفة التى كانت قبل ذلك فى الحراسة والتى لم تصل بعد ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ الركعة الأوفى وأنت يا محمد فى الركعة الثانية. وعليهم أيضا أن يكونوا كمن سبقهم حاملين لأسلحتهم التى لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والحنجر وما يشبه ذلك، حتى إذا ما باغتكم المشركون بالهجوم كنتم دائما على استعداد لمواجهتهم، وكنتم دائما على يقظة من مكرهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أمر المؤمنين بالمحافظة على الصلاة حتى فى حالة الحرب، وأمرهم فى الوقت ذاته بأن يكونوا يقظين آخذين حذرهم وأسلحتهم من مباغتة أعدائهم لهم حتى لا يتوهم أولئك الأعداء أن الصلاة ستشغل المؤمنين عن الدفاع عن أنفسهم.
وقوله ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ استعمل لفظ الأخذ فيه الحقيقة والمجاز. لأن أخذ الحذر كناية عن شدة اليقظة ودوام الترقب. وأخذ الأسلحة حقيقة فى حملها للدفاع بها عن النفس.
وقدم - سبحانه - الأمر بأخذ الحذر على أخذ الأسلحة ؛ لأن أخذ الأسلحة نوع من الحذر، ولأن الحذر عند انتقال الصفوف وتحركها واجب حتى لا يباغتهم الأعداء وهم يتحولون من مكان إلى مكان، وهذا أشبه بتغيير الخطط وقت القتال، وهو أمر له خطورته فوجب أن تشتد يقظة المسلمين حينئذ.
وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : فإن قلت لما ذكر فى أول الآية الأسلحة فقط، وذكر هنا الحذر والأسلحة ؟ قلت : لأن العدو قلما يتنبه للمسلمين فى أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمبن فى المحاربة والمقاتلة. فإذا قاموا إلى الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين فى الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة فى الإِقدام على المسلمين فلا جرم أن الله - تعالى - أمرهم فى هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة.
وقوله - تعالى - ﴿وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ بيان لما من أجله أمروا بأخذ الحذر والسلام. والخطاب لجميع المؤمنين.
وقوله ﴿وَدَّ﴾ من الود وهو محبة الشئ وتمنى حصوله.
والأسلحة : جمع سلاح. وهو اسم جنس لآلات الحرب التى يستعلمها الناس فى حروبهم وقتالهم.
والأمتعة. جمع متاع. وهو كل ما ينتفع به من عروض وأثاث. والمراد به هنا : ما يكون مع المحاربين من أشياء لا غنى لهم عنها كبعض ملابسهم وأطعمتهم ومعداتهم.
و ﴿لَوْ﴾ فى قوله ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ مصدرية. وقوله ﴿مَّيْلَةً﴾ منصوب على المفعول المطلق لبيان العدد.
والمعنى : كونوا دائماً - أيها المؤمنون - فى أقصى درجات التنبه والتيقظ والحذر، فإن أعداءكم الكافرين يودون ويحبون غفلتكم وعدم انتباهكم عن أسلحتكم وأمتعتكم التى تستعملونها فى قتالكم لهم، وفى هذه الحالة يحملون عليكم حملة واحدة قوية شديدة ليقتلوا منكم من يستطعيون قتله. فعليكم - أيها المؤمنون - أن تجمعوا بين الصلاة والجهاد جمعا مناسبا حكيما بحيث لا يشغلكم أحد الأمرين عن الآخر أو عن حسن الاستعداد لمجابهة أعدئاكم الذين يتربصون بكم الدوائر.
فالآية الكريمة من مطلعها إلى هنا تراها تأمر بشدة وتكرار بأخذ الحذر وحمل السلاح لمجابهة أى مباغتة من المشركين. ومع هذا فقد رخص الله - تعالى - للمؤمنين بوضع السلاح فى أحوال معينة دون أن يرخص لهم فى أخذ الحذر فقال - تعالى - ؛ ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾.
أى : ولا حرج ولا إثم عليكم - أيها المؤمنون - فى أن تضعوا أسلحتكم فى أغمادها فلا تحملوها ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ يثقل معه حمل السلاح ﴿أَوْ كُنتُمْ مرضى﴾ بحيث يشق عليكم حملها، ومع كل هذا فلا بد من أخذ الحذر من أعدائكم ؛ بأن تكونوا على يقظة تامة من مكرهم، وعلى أحسن استعداد لدحرهم إذا ما باغتوكم بالهجوم.
وقوله ﴿إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ تذييل قصد به تشجيع المؤمنين على مقاتلة أعدائهم وأخذ الحذر منهم.
أى : إن الله - تعالى - أعد لأعدائكم الكافرين عذابا مذلا لهم فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا فبنصركم عليهم وإذهاب صولتهم ودولتهم، كما قال - تعالى - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ وأما فى الآخرة فالبعذاب الذى يهينهم ويذلهم ولا يستطعيون منه نجاة أو مهربا. وإذا كان الأمر كذلك فباشروا - أيها المؤمنون - الأسباب التى توصلكم إلى النصر عليهم.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
١- قال الآلوسى : تعلق بظاهر قوله - تعالى - ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾. من خص صلاة الخوف بحضرته ﷺ كالحسن بن زيد ونسب ذلك أيضا لأبى يوسف، ونقله عنه الجصاص فى كتاب الأحكام، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده ﷺ نوابه، وقوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما فى قوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقد أخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم. قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا. ثم وصف له ذلك فصلوا كما وص، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم. وهم الذين لا تأخذهم فى الله لومة لائم، وهذا يحل محل الإِجماع.
٢- أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة مشروعية صلاة الخوف وصفتها وأنه يطلب فيها حمل الصلاح إلا لعذر. وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن أبى عياش الزرقى قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبى ﷺ الظهر فقالوا : قد كانوا على حال لو أصابنا غرتهم ثم قالوا : تأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم.
فنزل جبريل بهذه الآية ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾.. الخ بين الظهر والعصر.
٣- وردت روايات متعددة يؤخذ منها أن النبى ﷺ قد صلى صلاة الخوف على هيئات مختلفة وفى مواضع متعددة. ويشهد لهذا قول القرطبى. وقد اختلفت الروايات فى هيئة صلاة الخوف. واختلف العلماء لاختلافها. فذكر ابن القصار أنه ﷺ صلاها فى عشر مواضع. وقال ابن العربى : روى عن النبى ﷺ أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة. وقال الإِمام أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمقدم فى معرفة علل النقل فيه - لا أعلم أنه روى فى صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهى كلها صحاح ثابتة. فعلى أى حديث صلى منها المصلى صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله.
وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون فى غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبل القبلة وغير مستقبليها لعذر القتال كما أخر النبى ﷺ يوم الأحزاب صلاة الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى المغرب والعشاء. وأما الجمهور فقالوا هذا منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. ونظرا لاختلاف الروايات الواردة فى كيفية صلاة الخوف، فقد اختلف الفقهاء فى كيفية أدائها تبعا لما فهمه كل فريق من تلك الروايات. وهاك بعض مذاهبهم :
( أ ) ذهب الإِمام أبو حنيفة ومن تابعه إلى أن يكفية صلاة الخوف أن يقسم الإِمام الناس طائفتين : طائفة تكون مع الإِمام والأخرى بإزاء العدو. فيصلى بالذين مع ركعة ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتى الطائفة الخرى التى كانت بإزاء العدو فيصلى بهم الإِمام الركعة الثانية ويسلم هو.
ثم تأتى الطائفة الأولى فتصلى ركعة بغير قراءة، لأنها فى رأيهم لاحقة. أى كأنها وراء الإِمام حكما طول الصلاة، ولا قراءة عندهم وراء الإِمام ثم تتشهد وتسلم. وتذهب إلى وجه العدو فتأتى الطائفة الثاينة فتقضى ركعة بقراءة ثم تتشهد وتسلم. وإنما صلت هذه ركعتها بقراءة لأنها عندهم مسبوقة، فتكون كمن أدرك آخر صلاة الإِمام وفاتته ركعة. فتكون القراءة واجبة فى حقها. وهذه الكيفية لصلاة الخوف التى أخذ بها الإِمام أبو حنيفة قد وردت فى روايات عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما عن النبى ﷺ :
( ب ) الإِمام مالك فيرى أن كيفية صلاة الخوف تكون كالآتى : أن يقسم الإِمام الناس إلى طائفتين : طائفة تكون معه وطائفة تكون بإزاء العدو. ثم يصلى بالطائفة التى معه ركعة ولا يسلم وتتم هى الركعة الثانية وحدها ثم تتشهد وتسلم وتذهب إلى مكان الطائفة الثاينة، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإِمام فيصلى معها الركعة الثانية ثم يجلسون للتشهد ويسلم الإِمام وحده أماهم فيقومون فيصلون وحدهم الكرعة التى بقيت ثم يتشهدون ويسلمون.
وقريب من هذه الكيفية ماذهب إليه الإِمام الشافعى فهو يوافق المالكية فيما ذهبوا