غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿عن أسلحتكم وأمتعتكم﴾ عباس بالاختلاس. ﴿اطمأننتم﴾ وبابه بغير همز : أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ﴿بريا﴾ بالتشديد : يزيد والشموتي وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿من ورائكم﴾ ج. ﴿وأسلحتهم﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. ﴿واحدة﴾ ط ﴿أسلحتكم﴾ ج ﴿حذركم﴾ ط ﴿مهيناً﴾ ه ﴿وعلى جنوبكم﴾ ط للابتداء بإذا الشرطية مع الفاء. ﴿الصلاة﴾ ج لاحتمال فإن أو لأن ﴿موقوتاً﴾ ه ﴿القوم﴾ ط ﴿كما تألمون﴾ لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال :﴿ما لا يرجون﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿أراك الله﴾ ط لأن ما بعد استئناف. ﴿خصيماً﴾ ه لا للعطف ﴿واستغفر الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه للآية مع العطف. ﴿أنفسهم﴾ ط ﴿أثيماً﴾ ه ج لاحتمال ما بعد الوصف. ﴿من القول﴾ ط ﴿محيطاً﴾ ه ط ﴿وكيلاً﴾ ه ﴿رحيماً﴾ ه ﴿على نفسه﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿مبيناً﴾ ه ﴿يضلوك﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿تعلم﴾ ط ﴿عظيماً﴾ ه.
أما قوله :﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ ففيه قولان : الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجا إليه. الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح. وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ : فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال : المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة التحام القتال.
واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين : أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف. فقوله :﴿فإذا اطمأننتم﴾ يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة. ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها. وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله :﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾[البقرة: ٢٣٨] فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله :﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾[هود: ١١٤]﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾[الإسراء: ٧٨] وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها.
قال المحققون : إن للإنسان خمس مراتب : سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك. وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط. فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق تعالى جده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة القتال والسفر والحضر والصحة والمرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ﴿فلتقم طائفة﴾ هم الخواص ﴿منهم﴾ أي من عوامهم ﴿معك﴾ أي مع الله لأنك مع الله كقوله :﴿لا تحزن إنّ الله معنا﴾[التوبة: ٤٠] ﴿وليأخذوا﴾ يعني طائفة من بقية القوم ﴿أسلحتهم﴾ من الطاعات والعبادات دفعاً لعدو النفس والشيطان ﴿فإذا سجدوا﴾ يعني من معك ونزّلوا مقامات القرب ﴿فليكونوا﴾ أي هؤلاء القوم ﴿من ورائكم﴾ في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالكم بالأمور الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان. ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك﴾ في الصحبة ﴿فليصلوا معك﴾ في الوصلة ﴿وليأخذوا حذرهم﴾ وهو آداب الطريقة ﴿وأسلحتهم﴾ وهي أركان الشريعة ﴿ودّ الذين كفروا﴾ هم عدوّ النفس وصفاتها ﴿إن كان بكم أذى من مطر﴾ يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم في بعض الأوقات أن تضعوا أسلحة الطاعة والأركان ساعة فساعة. ﴿وخذوا حذركم﴾ من التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة ﴿إنّ الله أعد﴾ بهذه الأسباب ﴿للكافرين﴾ من كفار النفس والشيطان ﴿عذاباً مهيناً فإذا قضيتم الصلاة﴾ المكتوبة ﴿فاذكروا الله﴾ في جميع حالاتكم إنّ الصلاة كانت في الأزل ﴿على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ مؤقتاً إلى الأبد كما أشار إليه بقوله :﴿إنا فتحنا لك﴾[الفتح: ١] أي باباً من القدم إلى الحدوث ﴿ليغفر لك الله﴾[الفتح: ٢] بما فتح عليك ﴿ما تقدم﴾ في الأزل ﴿من ذنبك﴾[الفتح: ٢] بأن لم تكن مصلياً ﴿وما تأخر﴾[الفتح: ٢] من ذنبك بأن لا تكون مصليا ﴿ويتم نعمته عليك﴾[الفتح: ٢] بأن يجعل سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد ﴿ويهديك صراطاً مستقيماً﴾ من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل. ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾ النفس وصفاتها ﴿أن تكونوا تألمون﴾ في الجهاد بعناء الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات ﴿كما تألمون وترجون من الله﴾ العواطف الأزلية والعوارف الأبدية ﴿ما لا يرجون﴾ لأنّ همم النفس الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية ﴿بما أراك الله﴾ حين أوحى إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى.
الوقوف :﴿من ورائكم﴾ ج. ﴿وأسلحتهم﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. ﴿واحدة﴾ ط ﴿أسلحتكم﴾ ج ﴿حذركم﴾ ط ﴿مهيناً﴾ ه ﴿وعلى جنوبكم﴾ ط للابتداء بإذا الشرطية مع الفاء. ﴿الصلاة﴾ ج لاحتمال فإن أو لأن ﴿موقوتاً﴾ ه ﴿القوم﴾ ط ﴿كما تألمون﴾ لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال :﴿ما لا يرجون﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿أراك الله﴾ ط لأن ما بعد استئناف. ﴿خصيماً﴾ ه لا للعطف ﴿واستغفر الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه للآية مع العطف. ﴿أنفسهم﴾ ط ﴿أثيماً﴾ ه ج لاحتمال ما بعد الوصف. ﴿من القول﴾ ط ﴿محيطاً﴾ ه ط ﴿وكيلاً﴾ ه ﴿رحيماً﴾ ه ﴿على نفسه﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿مبيناً﴾ ه ﴿يضلوك﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿تعلم﴾ ط ﴿عظيماً﴾ ه.
أما قوله :﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ ففيه قولان : الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجا إليه. الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح. وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ : فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال : المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة التحام القتال.
واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين : أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف. فقوله :﴿فإذا اطمأننتم﴾ يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة. ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها. وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله :﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾[البقرة: ٢٣٨] فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله :﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾[هود: ١١٤]﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾[الإسراء: ٧٨] وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها.
قال المحققون : إن للإنسان خمس مراتب : سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك. وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط. فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق تعالى جده.