محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا١٠٣ )
( فإذا قضيتم ) أي : أتممتم ( الصلاة ) أي : صلاة الخوف، على ما فصل ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) أي : فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال. فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. قاله الرازي. وقال ابن كثير : أمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وان كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها. ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والاياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها كما قال تعالى :( في الأشهر الحرم ) :( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) (١). وان كان هذا منهيا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها. ( فإذا اطمأننتم ) أي : سكنت قلوبكم بالأمن ( فأقيموا الصلاة ) أي : على الحالة التي كنتم تعرفونها. فلا تغيروا شيئا من هيآتها ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أي : أي : فرضا موقتا، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها وان لزمها نقائص في رعايتها.
في أحكام تتعلق بهذه الآية :
الأول : في هذه الآية مشروعية صلاة الخوف وصفتها. وأنه لا يجب قضاؤها. وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر.
الثاني : تعلق بظاهر قوله تعالى :( وإذا كنت فيهم ) من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ. زاعما أنها خاصة بعهده ﷺ. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوابه قوام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﷺ. كما في قوله تعالى :( خذ من أموالهم صدقة ) (٢). وقد قال ﷺ :(٣) " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد روى أبو داود(٤) والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم، عن سعيد بن العاص أنه قال ( في غزوة ومعه حذيفة ) :" أيكم شهد مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا. فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ثم قال : إن هاجمكم هيج فقد حل لكم القتال. فصلى بإحدى الطائفتين ركعة. والأخرى مواجهة العدو ثم انصرف هؤلاء. فقاموا مقام أولئك. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى. ثم سلم عليهم. وكانت الغزوة بطبرستان ". قال بعضهم : وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. فلم ينكره أحد. فحل محل الإجماع. وروى أبو داود(٥) " أن عبد الرحمان بن سمرة صلى، بكابل، صلاة الخوف ".
الثالث : روى الإمام أحمد(٦) وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وغيرهم ( في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنه ) قال :" كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان. فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي ﷺ الظهر. فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر :( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة... ) فحضرت الصلاة. فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح. فصفنا خلفه صفين. ثم ركع فركعنا جميعا. ثم رفع فرفعنا جميعا. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون. فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع فركعوا جميعا. ثم رفع فرفعوا جميعا. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا. ثم سلم عليهم ". وروى عبد الرزاق عن الثوري عن هشام، مثل هذا، عن النبي ﷺ. إلا أنه قال :" نكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود. ويتقدم الصف المؤخر فيسجدون في مصاف الأولين ". وروى عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير(٧) عن ابن أبي نجيح قال : قال مجاهد :" ( في قوله تعالى :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) : نزلت يوم كان النبي ﷺ بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا. فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربعا. ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعهم، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ويقاتلوهم، فأنزل الله عليهم :( فلتقم طائفة ). فصلى النبي ﷺ العصر وصف أصحابه صفين وكبر بهم جميعا. فسجد الأولون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا. حتى قام النبي ﷺ والصف الأول. ثم كبر بهم وركعوا جميعا. فقدموا الصف الآخر واستأجروا. فتعاقبوا السجود كما فعلوه أول مرة. وقصر النبي ﷺ صلاة العصر ركعتين ". وفي هذه الأحاديث أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعا. واشتراكهم في الحراسة. ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود. فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الأولى. ثم تسجد. وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة. وتأخرت المتقدمة. ( فان قلت ) : لا ينطبق ما في الآية على هذه الروايات التي حكت سبب نزولها. وذلك لأنه قيل في الآية :( فلتقم طائفة منهم معك ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا... ) الآية. وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا معه ﷺ في الصلاة. وإنما ينطبق ما فيها على ما رواه الشيخان(٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو. وجاء أولئك. ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم. ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وما روياه عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع ؛ ( أن الطائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو. فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما. فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. فأتموا لأنفسهم فسلم بهم ". – ( قلت ) : بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" نزل رسول الله ﷺ بين ضجنان وعسفان. فقال المشركون : لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. وهي العصر. فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وأن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين. فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فتكون لهم ركعة وللنبي ﷺ ركعتان ". أخرجه أصحاب ( السنن )(٩).
ثم رأيت القرطبي بحث في ( تفسيره ) نحو ما سبق لي حيث قال : وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد. لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين. ثم قال ( بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور ) قلت : ولا تعارض بين هذه الروايات. فلعله ﷺ صلى بهم أخرى مفترقين. انتهى.
الرابع : ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة. لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية. وقد روى النسائي(١٠) عن ابن عباس :" أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين : صفا خلفه وصفا موازي العدو. فصلى بالذين خلفه ركعة. ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة ". وكذا روى أبو داود والنسائي(١١) أيضا عن حذيفة " أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا ". وروى أحمد ومسلم(١٢) وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" فرض الله الصلاة على نبيكم ﷺ، في الحضر، أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة ". فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل طائفة.
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، يقول الثوري واسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور : قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد. وتأولوا هذه الأحاديث بان المراد بها ركعة مع الامام وليس فيها نفي الثانية. ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة :( ولم يقضوا ركعة ) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني :( وفي الخوف ركعة ) وأما تأولهم قوله :( لم يقضوا ) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن – فبعيد جدا. كذا في ( نيل الأوطار ) نعم. وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه :" ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وعند أبي داود من حديث ابن مسعود :" ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة. ثم سلموا ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم هديه ﷺ في أدائها، قال في آخر سورة : وتارة كان يصلي باحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا. وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا. فيكون له ﷺ ركعتان. ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها.
قال الامام احمد : كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. انتهى. وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة. فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة. وتارة يكون في غير صوبها. ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة. بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ورجالا وركبانا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال : يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل.
قال المنذري : وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد. واليه ذهب طاووس والضحاك. وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف. واليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال اسحاق بن راهويه : أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها ايماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة. لأنها ذكر الله. وقال آخرون : يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الامام أحمد بن حنبل وأصحابه. وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي. ورواه ابن جرير. ولكن الذين حكوه انما حكوه على ظاهره في الاجتراء بتكبيرة واحدة. كما هو مذهب اسحاق بن راهويه. واليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال : فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه. يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في ( سننه ) عن اسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه. فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة. كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب. ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال بعدها، يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش :" لا يصلين احد منكم العصر الا في بني قريظة. فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق. فقال منهم قائلون : لم يرد منا رسول الله ﷺ الا تعجيل المسير. ولم يرد
( فإذا قضيتم ) أي : أتممتم ( الصلاة ) أي : صلاة الخوف، على ما فصل ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) أي : فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال. فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. قاله الرازي. وقال ابن كثير : أمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وان كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها. ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والاياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها كما قال تعالى :( في الأشهر الحرم ) :( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) (١). وان كان هذا منهيا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها. ( فإذا اطمأننتم ) أي : سكنت قلوبكم بالأمن ( فأقيموا الصلاة ) أي : على الحالة التي كنتم تعرفونها. فلا تغيروا شيئا من هيآتها ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أي : أي : فرضا موقتا، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها وان لزمها نقائص في رعايتها.
فصل
في أحكام تتعلق بهذه الآية :
الأول : في هذه الآية مشروعية صلاة الخوف وصفتها. وأنه لا يجب قضاؤها. وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر.
الثاني : تعلق بظاهر قوله تعالى :( وإذا كنت فيهم ) من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ. زاعما أنها خاصة بعهده ﷺ. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوابه قوام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﷺ. كما في قوله تعالى :( خذ من أموالهم صدقة ) (٢). وقد قال ﷺ :(٣) " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد روى أبو داود(٤) والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم، عن سعيد بن العاص أنه قال ( في غزوة ومعه حذيفة ) :" أيكم شهد مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا. فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ثم قال : إن هاجمكم هيج فقد حل لكم القتال. فصلى بإحدى الطائفتين ركعة. والأخرى مواجهة العدو ثم انصرف هؤلاء. فقاموا مقام أولئك. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى. ثم سلم عليهم. وكانت الغزوة بطبرستان ". قال بعضهم : وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. فلم ينكره أحد. فحل محل الإجماع. وروى أبو داود(٥) " أن عبد الرحمان بن سمرة صلى، بكابل، صلاة الخوف ".
الثالث : روى الإمام أحمد(٦) وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وغيرهم ( في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنه ) قال :" كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان. فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي ﷺ الظهر. فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا : تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر :( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة... ) فحضرت الصلاة. فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح. فصفنا خلفه صفين. ثم ركع فركعنا جميعا. ثم رفع فرفعنا جميعا. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون. فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع فركعوا جميعا. ثم رفع فرفعوا جميعا. ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا. ثم سلم عليهم ". وروى عبد الرزاق عن الثوري عن هشام، مثل هذا، عن النبي ﷺ. إلا أنه قال :" نكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود. ويتقدم الصف المؤخر فيسجدون في مصاف الأولين ". وروى عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير(٧) عن ابن أبي نجيح قال : قال مجاهد :" ( في قوله تعالى :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) : نزلت يوم كان النبي ﷺ بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا. فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربعا. ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعهم، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ويقاتلوهم، فأنزل الله عليهم :( فلتقم طائفة ). فصلى النبي ﷺ العصر وصف أصحابه صفين وكبر بهم جميعا. فسجد الأولون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا. حتى قام النبي ﷺ والصف الأول. ثم كبر بهم وركعوا جميعا. فقدموا الصف الآخر واستأجروا. فتعاقبوا السجود كما فعلوه أول مرة. وقصر النبي ﷺ صلاة العصر ركعتين ". وفي هذه الأحاديث أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعا. واشتراكهم في الحراسة. ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود. فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الأولى. ثم تسجد. وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة. وتأخرت المتقدمة. ( فان قلت ) : لا ينطبق ما في الآية على هذه الروايات التي حكت سبب نزولها. وذلك لأنه قيل في الآية :( فلتقم طائفة منهم معك ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا... ) الآية. وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا معه ﷺ في الصلاة. وإنما ينطبق ما فيها على ما رواه الشيخان(٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو. وجاء أولئك. ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم. ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وما روياه عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع ؛ ( أن الطائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو. فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما. فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. فأتموا لأنفسهم فسلم بهم ". – ( قلت ) : بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" نزل رسول الله ﷺ بين ضجنان وعسفان. فقال المشركون : لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. وهي العصر. فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وأن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين. فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فتكون لهم ركعة وللنبي ﷺ ركعتان ". أخرجه أصحاب ( السنن )(٩).
ثم رأيت القرطبي بحث في ( تفسيره ) نحو ما سبق لي حيث قال : وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد. لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين. ثم قال ( بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور ) قلت : ولا تعارض بين هذه الروايات. فلعله ﷺ صلى بهم أخرى مفترقين. انتهى.
الرابع : ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة. لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية. وقد روى النسائي(١٠) عن ابن عباس :" أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين : صفا خلفه وصفا موازي العدو. فصلى بالذين خلفه ركعة. ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة ". وكذا روى أبو داود والنسائي(١١) أيضا عن حذيفة " أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا ". وروى أحمد ومسلم(١٢) وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" فرض الله الصلاة على نبيكم ﷺ، في الحضر، أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة ". فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل طائفة.
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، يقول الثوري واسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور : قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد. وتأولوا هذه الأحاديث بان المراد بها ركعة مع الامام وليس فيها نفي الثانية. ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة :( ولم يقضوا ركعة ) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني :( وفي الخوف ركعة ) وأما تأولهم قوله :( لم يقضوا ) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن – فبعيد جدا. كذا في ( نيل الأوطار ) نعم. وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه :" ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ". وعند أبي داود من حديث ابن مسعود :" ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة. ثم سلموا ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم هديه ﷺ في أدائها، قال في آخر سورة : وتارة كان يصلي باحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا. وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا. فيكون له ﷺ ركعتان. ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها.
قال الامام احمد : كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. انتهى. وقال ابن كثير : صلاة الخوف أنواع كثيرة. فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة. وتارة يكون في غير صوبها. ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة. بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ورجالا وركبانا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال : يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل.
قال المنذري : وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد. واليه ذهب طاووس والضحاك. وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف. واليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال اسحاق بن راهويه : أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها ايماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة. لأنها ذكر الله. وقال آخرون : يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الامام أحمد بن حنبل وأصحابه. وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي. ورواه ابن جرير. ولكن الذين حكوه انما حكوه على ظاهره في الاجتراء بتكبيرة واحدة. كما هو مذهب اسحاق بن راهويه. واليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال : فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه. يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في ( سننه ) عن اسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه. فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة. كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب. ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال بعدها، يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش :" لا يصلين احد منكم العصر الا في بني قريظة. فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق. فقال منهم قائلون : لم يرد منا رسول الله ﷺ الا تعجيل المسير. ولم يرد
١ |٩/ التوبة/ ٣٦| ونصها: (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين٣٦)..
٢ |٩/ التوبة/ ١٠٣| ونصها: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم ان صلواتك سكن لهم والله سميع عليم١٠٣)..
٣ أخرجه البخاري في: ١٠ –كتاب الأذان، ١٨ –باب الأذان للمسافر اذا كانوا جماعة، والاقامة، حديث ٤٠٢ ونصه: عن مالك بن الحويرث: أتينا النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون. فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة. وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا. فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا. فأخبرناه. قال: "ارجعوا الى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم" وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي. فاذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم"..
٤ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٨ –باب من قال يصلي بكل ركعة ولا يقضون، حديث ١٢٤٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١ –أخبرنا اسحاق بن ابراهيم..
٥ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٧ –باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم... الخ. حديث ١٢٤٥..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ٥٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
وأبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٢ –باب صلاة الخوف، حديث ١٢٣٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢١ –باب اخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار..
٧ الأثر رقم ١٠٣٢١..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٣١ –باب غزوة ذات الرقاع، حديث ١٨٨٩.
ومسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٣٠٥ و٣٠٦ (طبعتنا)..
٩ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١٠ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١١ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢ –باب أخبرنا عمرو بن علي..
١٢ أخرجه مسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٥ (طبعتنا)..
٢ |٩/ التوبة/ ١٠٣| ونصها: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم ان صلواتك سكن لهم والله سميع عليم١٠٣)..
٣ أخرجه البخاري في: ١٠ –كتاب الأذان، ١٨ –باب الأذان للمسافر اذا كانوا جماعة، والاقامة، حديث ٤٠٢ ونصه: عن مالك بن الحويرث: أتينا النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون. فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة. وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا. فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا. فأخبرناه. قال: "ارجعوا الى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم" وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها "وصلوا كما رأيتموني أصلي. فاذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم"..
٤ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٨ –باب من قال يصلي بكل ركعة ولا يقضون، حديث ١٢٤٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١ –أخبرنا اسحاق بن ابراهيم..
٥ أخرجه أبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٧ –باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم... الخ. حديث ١٢٤٥..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ٥٩ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي).
وأبو داود في: ٤ –كتاب الصلاة، ١٢ –باب صلاة الخوف، حديث ١٢٣٦.
والنسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢١ –باب اخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار..
٧ الأثر رقم ١٠٣٢١..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٤ –كتاب المغازي، ٣١ –باب غزوة ذات الرقاع، حديث ١٨٨٩.
ومسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٣٠٥ و٣٠٦ (طبعتنا)..
٩ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١٠ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ١٦ –باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم..
١١ أخرجه النسائي في: ١٨ –كتاب صلاة الخوف، ٢ –باب أخبرنا عمرو بن علي..
١٢ أخرجه مسلم في: ٦ –كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٥ (طبعتنا)..