البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾ قيل : تزلت في الجهاد مطلقاً.
وقيل : في انصراف الصحابة من أحد، وكان الرسول ﷺ أمرهم باتباع أبي سفيان وأصحابه، أمر أن لا يخرج إلا مَن كان معه في أحد، فشكوا بأنّ فيهم جراحات.
وهذه الآية تشير إلى أن القضاء في قوله :﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ إنما هو قضاء صلاة الخوف.
وقرأ الحسن : تهنوا بفتح الهاء وهي لغة.
فتحت الهاء كما فتحت دال يدع، لأجل حرف الحلق، والمعنى : ولا تضعفوا أو تخوروا جبناً في طلب القوم.
وقرأ عبيد بن عمير : ولا تهانوا من الإهانة.
نهوا عن أن يقع منهم ما يترتب عليه إهانتهم من كونهم يجنون على أعدائهم فيهانون كقولهم :« لا أريناك هاهنا »، ثم شجعهم على طلب القوم وألزمهم الحجة، فإنّ ما فيهم من الألم مشترك، وتزيدون عليهم أنكم ترجون من الله الثواب وإظهار دينه بوعده الصادق، وهم لا يرجونه، فينبغي أن تكونوا أشجع منهم وأبعد عن الجبن.
وإذا كانوا يصبرون على الآلام والجراحات والقتل، وهم لا يرجون ثواباً في الآخرة، فأنتم أحرى أن تصبروا.
ونظير ذكر هذا الأمر المشترك فيه قول الشاعر :
قاتلوا القوم يا خداع ولايأخذكم من قتالهم قتل
القوم أمثالكم لهم شعرفي الرأس لا ينشرون أن قتلوا
والرجاء هنا على بابه، وقيل : معناه الخوف الذي تخافون من عذاب الله ما لا تخافون كقوله : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها، أي : لم يخف.
وزعم الفراء أنّ الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إلا مع النفي، ولا يقال رجوتك بمعنى خفتك.
وقرأ الأعرج : أن تكونوا بفتح الهمزة على المفعول من أجله.
وقرأ ابن المسيفع : تئلمون بكسر التاء.
وقرأ ابن وثاب ومنصور بن المعتمر : تئلمون بكسر تاء المضارعة فيهما ويائهما، وهي لغة.
﴿وكان الله عليماً حكيماً﴾ أي عليماً بنياتكم حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
منها الاستعارة في : وإذا ضربتم في الأرض، وفي : فيميلون استعار الميل للحرب.
والتكرار في : جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي : فلتقم طائفة : ولتأت طائفة، وفي : الحذر والأسلحة، وفي : الصلاة، وفي : تألمون، وفي : اسم الله.
والتجنيس المغاير في : فيميلون ميلة، وفي : كفروا إن الكافرين، وفي : تختانون وخواناً، وفي : يستغفروا غفوراً.
والتجنيس المماثل في : فأقمت فلتقم، وفي : لم يصلوا فليصلوا، وفي : يستخفون ولا يستخفون، وفي : جادلتم فمن يجادل، وفي : يكسب ويكسب، وفي : يضلوك وما يضلون، وفي : وعلمك وتعلم.
قيل : والعام يراد به الخاص في : فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى.
وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر.
والإبهام في قوله : بما أراك الله وفي : ما لم تكن تعلم.
وخطاب عين ويراد به غيره وفي : ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه ﷺ محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين.
والتتميم في قوله : وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى