جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. .
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿وَلا تَهِنُوا﴾ : ولا تضعفوا، من قولهم : وَهَنَ فلان في هذا الأمر يَهِنُ وَهُنا ووُهونا. وقوله :﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ : يعني في التماس القوم وطلبهم، والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك باللهك ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ يقول : إن تكونوا أيها المؤمنون تَيْجَعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا. ﴿فإنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُون﴾ يقول : فإن المشركين يوجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى، مثل ما تجيعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها. ﴿وتَرْجون﴾ أنتم أيها المؤمنون ﴿مِنَ اللّهِ﴾ من الثواب على ما ينالكم منهم، ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾ هم على ما ينالهم منكم. يقول : فأنتم إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم به مكذّبون، وأولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم، وأن تجدّوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما يهنون هم فيه ولا يجدّون، فكيف على ما جَدّوا فيه ولم يهنوا ؟.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلُمونَ﴾ منهم، ﴿فإنّهُمْ يَأْلُمونَ كمَا تَأْلمُونَ﴾ يقول : لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغَاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلُمونَ فإنّهُمْ يَأْلَمُونَ كمَا تَأْلُمونَ﴾ قال : يقول : لا تضعفوا في طلب القوم، فإن تكونوا تيجعون من الجراحات، فإنهم ييجعون كما تيجعون.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ﴾ : لا تضعفوا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿وَلا تَهِنُوا﴾ يقول : لا تضعفوا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ﴾ قال : يقول : لا تضعفوا عن ابتغائهم، ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلُمونَ﴾ القتال، ﴿فإنّهُمْ يَأْلمُونَ كمَا تَأْلمُونَ﴾ قال : وهذا قبل أن تصيبهم الجراح إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه فإنهم يألمون كما تألمون، ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ يقول : فلا تضعفوا في ابتغائهم مكان القتال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلمُونَ﴾ : توجعون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ قال : توجعون لما يصيبكم منهم، فإنهم يوجعون كما توجعون. ﴿وتَرْجُونَ﴾ أنتم من الثواب فيما يصيبكم ﴿ما لاَ يَرْجُونَ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا حفص بن عمر، قال : حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : لما كان قتال أُحد، وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال : يا محمد لا جرح إلا بجرح، الحرب سجال، يوم لنا ويوم لكم ! فقال رسول الله ﷺ لأصحابه :«أجِيبُوهُ » ! فقالوا : لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان : عزّى لنا ولا عزّى لكم. فقال رسول الله ﷺ :«قُولُوا لَهُ : اللّهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ ». قال أبو سفيان : أُعْلُ هبل ! أُعْلُ هبل ! فقال رسول الله ﷺ :«قُولُوا لَهُ : اللّهُ أعْلَى وأجَلّ ». فقال أبو سفيانُ : موعدنا وموعدكم بدر الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم. قال عكرمة : وفيها أنزلت :﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بينَ النّاس﴾، وفيهم أنزلت :﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنّهُمْ يَأْلَمُونَ كمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللّهُ عَلِيما حَكِيما﴾.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلُمونَ فإنّهُمْ يَأْلُمونَ كمَا تَأْلُمونَ﴾ قال : ييجعون كما تيجعون.
وقد ذكرنا عن بعضهم أنه كان يتأوّل قوله :﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ : وتخافون من الله ما لا يخافون، من قول الله :﴿قُلْ للّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا للّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللّهِ﴾ بمعنى : لا يخافون أيام الله. وغير معروف صرف الرجاء إلى معنى الخوف في كلام العرب، إلا مع جحد سابق له، كما قال جلّ ثناؤه :﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارا﴾ بمعنى : لا تخافون لله عظمة، وكما قال الشاعر الهذلي :
| لا تَرْتجِي حِينَ تُلاقي الذّائِدَا | أسَبْعَةً لاقَتْ مَعا أمْ وَاحِدَا |
| إذا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها | وخالَفَها في بَيْتِ نُوَبٍ عَوَاسِلِ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وكانَ اللّهُ عَلِيما حَكِيما﴾ :
يعني بذلك جلّ ثناؤه : ولم يزل الله عليما بمصالح خلقه، حكيما في تدبيره وتقديره، ومن علمه أيها المؤمنون بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم، وواجب فرض الله عليكم، وأنتم موافقو عدوّكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوّكم ومن حكمته بصركم بما فيه تأييدكم، وتوهين كيد عدوّكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض. لأن ما كان مفروضًا فواجب، وما كان واجبًا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجَّم.
غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة، قول من قال:"إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا"، لأن"الموقوت" إنما هو"مفعول" من قول القائل:"وَقَتَ الله عليك فرضه فهو يَقِته"، ففرضه عليك"موقوت"، إذا أخرته، جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه. (١) فكذلك معنى قوله:"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا"، إنما هو: كانت على المؤمنين فرضًا وقَّت لهم وقتَ وجوب أدائه، فبيَّن ذلك لهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولا تهنوا"، ولا تضعفوا.
* * *
من قولهم:"وهَنَ فلان في هذا الأمرَ يهِن وَهْنًا ووُهُونًا". (٢)
* * *
وقوله:"في ابتغاء القوم"، يعني: في التماس القوم وطلبهم، (٣) و"القوم"
(٢) انظر تفسير"وهن" فيما سلف ٧: ٢٣٤، ٢٦٩، و"الوهون" مصدر لم تنص عليه أكثر كتب اللغة، ولم يذكره أبو جعفر فيما سلف ٧: ٢٣٤.
(٣) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ص: ٧١ تعليق: ٢، والمراجع هناك
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٠٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون"، يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تجيعون، فإنهم يوجعون كما تيجعون، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون.
(٢) في المطبوعة: "إن كنتم موقنين"، وهو خطأ، صوابه ما في المخطوطة. وهذه الجملة بين الخطين، معترضة بين المبتدأ والخبر. والسياق: "فأنتم.. أولى وأحرى أن تصبروا".
(٣) في المطبوعة: "فإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون هم فيه ولا تجدون، فكيف على ما وجدوا فيه ولم يهنوا"، وهو كلام لا معنى له، وضع عليه ناشر الطبعة الأولى رقم (٣) دلالة على اضطراب الكلام.
وفي المخطوطة: "وإن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون ولا يحدون، فكيف على فاحذوا فيه ولم يهنوا"! وهي أشد اضطرابًا وفسادًا لعدم نقطها. وصواب قراءتها ما أثبت.
وسياق هذه العبارة كلها: "فأنتم... أولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم... وأن تجدوا في طلبهم وابتغائهم، لقتالهم على ما يهنون... " أي: لكي يقاتلوهم على الأمر الذي لا يجدون فيه جدًا لا وهن معه.
* * *
١٠٤٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تهنوا في ابتغاء القوم"، لا تضعفوا.
١٠٤٠٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ولا تهنوا"، يقول: لا تضعفوا. (٢)
١٠٤٠٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا تهنوا في ابتغاء القوم"، قال يقول: لا تضعفوا عن ابتغائهم="إن تكونوا تألمون" القتال="فإنهم يألمون كما تألمون". وهذا قبل أن تصيبهم الجراح (٣) = إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه="فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون"، يقول: فلا تضعفوا في ابتغائهم بمكان القتال. (٤)
١٠٤٠٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"إن تكونوا تألمون"، توجعون.
١٠٤٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج"إن تكونوا تألمون"، قال: توجعون لما يصيبكم منهم، فإنهم يوجعون
| (٢) هذا الأثر لم يتم في المخطوطة، فقد انتهت الصحيفة بقوله تعالى"فلا تهنوا"، ثم قلب الوجه الآخر وكتب"في ابتغاء القوم | "، وساق بقية الخبر التالي وأسقط إسناده. وتركت ما في المطبوعة على حاله، وهو الصواب بلا شك. |
(٤) في المطبوعة: "مكان القتال"، وفي المخطوطة: "لمكان القتال"، وهذا صواب قراءتها، يعني: جدهم في التماس القوم في المعركة.
١٠٤٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال:"يا محمد، ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ (١) الحرب سِجَال، يوم لنا ويوم لكم". فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه. فقالوا:"لا سواء، لا سواء، (٢) قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فقال أبو سفيان:"عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم"، (٣) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له:"الله مولانا ولا مولى لكم". قال أبو سفيان:"أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل"! (٤) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له:"الله أعلى وأجل"! فقال أبو سفيان:"موعدنا وموعدكم بدر الصغرى"، ونام المسلمون وبهم الكلوم (٥) = وقال عكرمة: وفيها أنزلت: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [سورة آل عمران: ١٤٠]، وفيهم أنزلت:"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا". (٦)
١٠٤٠٨- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون"،
(٢) في المطبوعة، حذف"لا سواء" الثانية، لأن الناسخ كان قد كتب شيئًا ثم ضرب عليه، فاختلط الأمر على الناشر الأول، فحذف.
(٣) "العزى" صنم كان لقريش وبني كنانة.
(٤) و"هبل" صنم كان في الكعبة لقريش. وقد مضى تفسير"اعل هبل" ٧: ٣١٠، وخطأ من ضبطه"أعل" بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام، وأن الصواب أنها من"علا يعلو".
(٥) "الكلوم" جمع"كلم" (بفتح وسكون) : الجرح. و"الكليم": الجريح.
(٦) الأثر: ١٠٤٠٧ - مضى برقم: ٧٠٩٨، وجاء فيه على الصواب، ومنه ومن المخطوطة صححت ما سلف.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يتأول، (١) قوله:"وترجون من الله ما لا يرجون"، وتخافون من الله ما لا يخافون، من قول الله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) [سورة الجاثية: ١٤]، بمعنى: لا يخافون أيام الله.
وغير معروف صرف"الرجاء" إلى معنى"الخوف" في كلام العرب، إلا مع جحد سابق له، كما قال جل ثناؤه: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) [سورة نوح: ١٣]، بمعنى: لا تخافون لله عظمة، وكما قال الشاعر: (٢)
| لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذَّائِدَا | أَسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا (٣) |
| إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا | وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ (٤) |
(٢) في المطبوعة: "الشاعر الهذلي"، وهو خطأ نقل نسبة أبي ذؤيب في البيت بعده إلى هذا المكان. ولم أعرف هذا الراجز من يكون، وإن كنت أخشى أن يكون الرجز لأبي محمد الفقعسي.
(٣) معاني القرآن للفراء ١: ٢٨٦، والأضداد لابن الأنباري: ٩، واللسان (رجا).
(٤) ديوانه: ١٤٣، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٨٦، وسيأتي في التفسير ١١: ٦٢ / ٢٥: ٨٣ / ٢٩: ٦٠ (بولاق). يروى: "إذا لسعته الدبر"، وتأتي روايته في التفسير"نوب عواسل" أيضًا. وهذا البيت من قصيدة له، وصف فيها مشتار العسل من بيوت النحل، فقال قبل هذا البيت:
| تَدَلَّى عَلَيْهَا بالحِبَالِ مُوَثَّقًا | شَدِيدُ الْوَصَاةِ نابِلٌ وَابْنُ نِابِلِ |
| فَلَوْ كَانَ حَبْلا مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً | وَسَبْعِينَ بَاعًا، نَالَهَا بالأَنامِلِ |
وقوله: "فخالفها"، أي دخل بيتها ليأخذ عسلها، وقد خرجت إليه حين سمعت حسه، فخالفها إلى بيوت عسلها غير هياب للسعها. ويروى"حالفها" بالحاء، أي: لازمها، ولم يخش لسعها. و"النوب" جمع"نائب" وهو صفة للنحل، أي: إنها ترعى ثم تنوب إلى بيتها لتضع عسلها، تجيء وتذهب. و"العوامل"، هي التي تعمل العسل. و"العواسل" النحل التي تصنع العسل، أو ذوات العسل.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله="عليمًا" بمصالح خلقه="حكيمًا"، في تدبيره وتقديره. (٢) ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم= عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم موافقو عدوكم (٣) = ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم. (٤)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾
* * *
(٢) انظر تفسير"كان" و"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) في المطبوعة: "موافقو عدوكم"، وقد مضى مثل هذا الخطأ مرارًا فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ١.
(٤) في المطبوعة: "بصركم بما فيه" بزيادة الباء، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.