محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٥ من سورة النساء في ١١٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٥ من سورة النساء

١١٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ : إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني القرآن، ﴿لتَحْكُمَ بَيْنَ النَاسِ﴾ لتقضي بين الناس، فتفصل بينهما ﴿بِما أرَاكَ اللّه﴾ يعني : بما أنزل الله إليك من كتابه. ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصيما﴾ يقول : ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله، خصيما تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ﴾ يا محمدُ وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. ﴿إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما﴾ يقول : إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيما بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن. وقد قيل إن النبيّ ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه همّ بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما همّ به من ذلك. وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم بنو أُبَيْرِق.
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه فوصفه الله بها، فقال بعضهم : كانت سرقة سرقها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمْ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾. . . إلى قوله :﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ﴾ فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق ودرعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبيّ : اعذره في الناس بلسانك ! ورمَوا بالدرع رجلاً من يهود بريئا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، قال : حدثنا محمد بن سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بِشر وبُشَير مبشّر، وكان بشير رجلاً منافقا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول : قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر، قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال :
أوَ كُلّما قالَ الرّجالُ قَصِيدَةًأضِمُوا وقالُوا ابنُ الأبَيْرِقِ قالَهَا
قال : وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام بالدّرمك، ابتاع الرجل منهم، فخصّ به نفسه، فأما العيال : فإنما طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك، فجعله في مشرَبة له، وفي المشربة سلاح له : درعان وسيفاهما وما يصلحهما. فَعُدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعّلمْ أنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بسلاحنا وطعامنا. قال : فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم. قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار : والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهم ! رجل منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق فقال : والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيننّ هذه السرقة ! قالوا : إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها ! فسألنا في الدار حتى لم نشكّ أنهم أصحابها، فقال عمي : يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقلت : يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله ﷺ :«سأنْظُرُ في ذلك ». فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثَبَت. قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال :«عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بالسّرِقَةِ على غيرِ بَيّنَةٍ وَلا ثَبَتٍ ! ». قال : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال : يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال : الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ يعني : بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِر اللّهَ﴾ أي مما قلت لقتادة، ﴿إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما وَلا تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أي بني أبيرق ﴿إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾. . . إلى قوله :﴿ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ، يَجِدِ اللّهَ غَفُورا رَحِيما﴾ : أي أنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إثْما فإنمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ وكانَ اللّهُ عَلِيما حَكِيما وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانا وَإثْما مُبِينا﴾ قولهم للبيد :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أنْ يُضِلّوكَ﴾ يعني أسيرا وأصحابه. ﴿وَما يُضِلّونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ وَما يَضُرّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وأنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾. . . إلى قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما﴾، فلما نزل القرآن أتِيَ رسول الله ﷺ بالسلاح، فردّه إلى رفاعة. قال قتادة : فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً¹ فلما أتيته بالسلاح، قال : يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال : فعرفت أن إسلامه كان صحيحا. فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سهل، فأنزل الله فيه :﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتّبِعْ غيرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾. . . إلى قوله :﴿وَمَنْ يُشْرِكْ باللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيدا﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر. فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمته بالأبطح، ثم قالت : أهديت إليّ شعر حسان ! ما كنت تأتيني بخير.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ يقول : بِمَا أنزل الله عليك وبيّن لك، ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصِيما﴾ فقرأ إلى قوله :﴿إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما﴾. ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق وفيما همّ به نبيّ الله ﷺ من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه ﷺ وحذّره أن يكون للخائنين خصيما. وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظَفَر، سرق درعا لعمه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهوديّ كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى نبيّ الله ﷺ يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى نبيّ الله ﷺ ليعذروا صاحبهم، وكان نبيّ الله عليه الصلاة والسلام قد همّ بعُذره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال :﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله :﴿ها أنْتُمْ هؤلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَياةِ الدّنيْا فَمَنْ يُجادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني بذلك قومه، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْم بِهِ بَريئا فَقَد احْتَمَلَ بُهْتانا وإثْما مُبِينا﴾، وكان طعمة قذف بها بريئا. فلما بين الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه :﴿وَمَنْ يُشاقِق الرّسُولَ مِنْ بَعْد ما تَبَيّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتّبِعْ غيرَ سَبِيل المُؤْمِنِينَ نُوَلّه ما تَوَلىّ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَساءَتْ مَصِيرا﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاس بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ وذلك أن نفرا من الأنصار غزوا مع النبيّ ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأَظَنّ بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ، فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأُتي به رسول الله ﷺ، فلما رأى السارق ذلك، عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته : إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلاً، فقالوا : يا نبيّ الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أُحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك ! فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ يقول : احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب، ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾. . . . الآية، ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلاً :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ﴾. . . . إلى قوله :﴿أم مّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب. ثم قال :{ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"،"إنا أنزلنا إليك" يا محمد="الكتاب"، يعني: القرآن="لتحكم بين الناس"، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم="بما أراك
الله"، يعني: بما أنزل الله إليك من كتابه="ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يقول: ولا تكن لمن خان مسلمًا أو معاهدًا في نفسه أو ماله="خصيما" تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقِّه الذي خانه فيه="واستغفر الله"، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره="إن الله كان غفورًا رحيمًا"، يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها="رحيما" بهم. (١)
فافعل ذلك أنت، يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن.
* * *
وقد قيل إن النبي ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك.
* * *
وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلَّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم: بنو أُبَيْرِق.
* * *
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه، فوصفه الله بها.
فقال بعضهم: كانت سرقًة سرقها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٠٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله"، فيما بين ذلك، في ابن أبيرق، (٢) ودرعه من حديد، من يهود، التي سرق، (٣)
(١) انظر تفسير"الاستغفار"، و"كان" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف في فهارس اللغة.
(٢) في المطبوعة: "طعمة بن أبيرق"، وسيأتي ذكر"طعمة بن أبيرق" في رقم: ١٠٤١٢، ولكنه في المخطوطة هنا"ابن أبيرق"، وسترى الاختلاف في الآثار في بني أبيرق هؤلاء.
(٣) قوله"من يهود" أثبتها من المخطوطة.
وقال أصحابه من المؤمنين للنبي:"اعذره في الناس بلسانك"، ورموا بالدّرع رجلا من يهود بريئًا.
١٠٤١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه. (١)
١٠٤١١- حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبَشِير، ومُبَشِّر، وكان بشير رجلا منافقًا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول:"قال فلان كذا"، و"قال فلان كذا"، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث! فقال: (٢)
أَوَ كُلَّمَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً... أَضِمُوا وَقَالُوا: ابْنُ الأبَيْرِقِ قَالَهَا! (٣)
قال: وكانوا أهل بيت فاقةٍ وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس
(١) الأثر: ١٠٤١٠ - هذا الأثر غير ثابت في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "إلا هذا الخبيث"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة: "نحلت وقالوا"، وتركت ما في المطبوعة على حاله، وقد جاء هذا البيت في المستدرك للحاكم خطأ:والذي هنا هو صوابه، وأنشد بعده هناك:
...................ضموا إلى بان أبيرق قالها
مُتَخَمِّطِينَ كأنَّنِي أَخْشَاهُمجَدَعَ الإِلهُ أُنُوفَهُمْ فَأَبَانَهَا
هكذا جاء على الإقواء، على الخلاف بين القافية في"قالها" و"أبانها" وهو عيب جاء مثله في الشعر، لتقارب مخرج اللام والنون، وأعانه على ذلك وجود الهاء والألف صلة للقافية.
وقوله: "أضموا" أي: غضبوا عليه وحقدوا. وقوله: "متخمطين"، قد غضبوا وهدروا وثاروا وأجلبوا. رجل متخمط: شديد الغضب له ثورة وجلبة. وفي المستدرك: "متخطمين" بتقدم الطاء على الميم، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
إنما طعامهم بالمدينة التمر والشَّعير، وكان الرجل إذا كان له يَسَار فقدمت ضَافِطة من الشأم بالدَّرْمك، (١) ابتاع الرجل منها فخصَّ به نفسه. (٢) فأما العِيال، فإنما طعامهم التمر والشَّعير. فقدمت ضافطة من الشأم، فابتاع عمي رِفاعة بن زيد حملا من الدَّرمك، فجعله في مَشْرُبة له، (٣) وفي المشربة سلاح له: دِرْعَان وسيفاهما وما يصلحهما. فعُدِي عليه من تحت الليل، (٤) فنُقِبَت المشربة، وأُخِذَ الطعام والسّلاح. فلما أصبح، أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، تعلَّم أنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، (٥) فنقبت مشرُبتنا، فذُهِب بسلاحنا وطعامنا! قال: فتحسّسنا في الدار، (٦) وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم.
= قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل! = رجلا منا له صلاح وإسلام. (٧) فلما سمع بذلك لبيد، اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: (٨) والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتُبَيّننَّ هذه
(١) الضافطة: كانوا قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. ثم قالوا للذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكاري الذي يكري الأحمال"الضافطة" و"الضفاط". و"الدرمك" هو الدقيق النقي الحواري، الأبيض.
(٢) في المطبوعة: "ابتاع الرجل منهم"، وفي المخطوطة: "منا"، وأثبت ما في المراجع.
(٣) "المشربة" (بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء أو ضمها) : وهي الغرفة، أو العلية، أو الصفة بين يدي الغرفة. والمشارب: العلالي.
(٤) في المراجع الأخرى: "من تحت البيت"، وكأن الذي في الطبري هو صواب الرواية.
(٥) "تعلم" (بتشديد اللام)، بمعنى: اعلم.
(٦) في المطبوعة والمخطوطة: "فتجسسنا" بالجيم، وهي صواب، وأجود منها بالحاء، كما في سائر المراجع."تحسس الخبر": تطلبه وتبحثه، وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".
و"الدار" هنا: المحلة التي تنزلها القبيلة أو البطن منها، ويعني بها القبيلة أو البطن، كما جاء في الحديث: "ألا أنبئكم بخير دور الأنصار؟ دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل، وفي كل دور الأنصار خير". يعني القبيلة المجتمعة في محلة تسكنها.
(٧) في المطبوعة: "رجل" بالرفع، كأنه استنكر النصب! وهو صواب محض عال.
(٨) "اخترط سيفه": سله من غمده.
السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها! فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسولَ الله ﷺ فذكرت ذلك له!
= قال قتادة: فأتيت رَسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهلَ جفاءٍ، (١) عَمَدُوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشرُبة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. (٢) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. (٣) فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له:"أسير بن عروة"، فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عَمَدوا إلى أهل بيت منا أهلَ إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بَيِّنةٍ ولا ثَبَت. (٤)
= قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: عَمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثَبَت!! قال: فرجعت ولوِددْتُ أنِّي خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رَسول الله ﷺ في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان!
= فلم نلبث أن نزل القرآن:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يعني: بني أبيرق="واستغفر الله"، أي: مما قلت لقتادة="إن الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون
(١) "الجفاء" غلظ الطبع.
(٢) في المخطوطة: "فلا حاجة لنا به"، وهما سواء.
(٣) في المطبوعة: "سأنظر في ذلك"، وفي الترمذي وابن كثير: "سآمر في ذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الثبت" (بفتحتين) : الحجة والبينة والبرهان.
أنفسهم"، أي: بني أبيرق="إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا يستخفون من الناس إلى قوله:"ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، أي: إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم="ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليمًا حكيمًا ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يَرْم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، قولهم للبيد="ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك"، يعني: أسيرًا وأصحابه="وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرُّونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة" إلى قوله:"فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا".
فلما نزل القرآن، أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فردَّه إلى رفاعة. = قال قتادة: فلما أتيتُ عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، (١) وكنت أرى إسلامه مَدْخولا (٢) فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال: فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا. فلما نزل القرآن، لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة ابنة سعد بن شُهَيد، (٣) فأنزل الله فيه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ
(١) "عسا في الجاهلية" أي: كبر وأسن، من قولهم: "عسا العود" أي: يبس واشتد وصلب.
(٢) "المدخول"، من"الدخل" (بفتحتين) وهو العيب والفساد والغش، يعني أن إيمانه كان فيه نفاق. ورجل مدخول: أي في عقله دخل وفساد.
(٣) في المطبوعة: "سلافة بنت سعد بن سهل"، وفي المخطوطة: "... بنت سعد بن سهيل"، وفي الترمذي وابن كثير"بنت سعد بن سمية" وفي المستدرك: "سلامة بنت سعد بن سهل، أخت بني عمرو بن عوف، وكانت عند طلحة بن أبي طلحة بمكة".
والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته، وقد جاءت على الصواب في الدر المنثور، ثم جاءت كذلك في ديوان حسان بن ثابت.
و"سلافة بنت سعد بن شهيد" أنصارية من بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، استظهرت نسبها: "سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس". وذلك من جمهرة الأنساب لابن حزم، ص: ٣١٤، إذ ذكر"عويمر بن سعد بن شهيد بن عمرو... " وقال: "له صحبة، ولاه عمر فلسطين". ولم أجد في تراجم الصحابة وسائر المراجع"عويمر بن سعد بن شهيد". هذا، ولكن نقل ابن حزم صحيح بلا شك. فإن يكن ذلك، فعويمر هذا أخو سلافة هذه. و"سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية" معروفة غير منكورة، فهي زوج طلحة بن أبي طلحة، وهي أم مسافع، والجلاس، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة (ابن هشام ٣: ٦٦)، وقد قتلوا يوم أحد هم وأبوهم، قتل مسافعًا والجلاس، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، حمى الدبر، فنذرت سلافة: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر! فمنعته الدبر (النحل) حين أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة (ابن هشام ٣: ١٨٠).
فهذا تحقيق اسمها إن شاء الله، يصحح به ما في الترمذي والمستدرك ومن نقل عنهما.
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) إلى قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا). فلما نزل على سلافة، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، (١)
فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمتْ به في الأبطح، (٢) ثم قالت: أهديتَ إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير! (٣)
(١) شعر حسان هذا في ديوانه: ٢٧١ يقول في أوله يذكر سلافة بالسوء من القول، قال:
وَمَا سَارِقُ الدِّرْعَيْنِ إنْ كُنْتَ ذاكِرًابذي كَرَمٍ من الرجالِ أُوَادِعُهْ
فَقَدْ أَنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ، فأَصْبَحَتْيُنَازِعُهَا جِلْدَ اسْتِها وَتُنَازِعُهْ
(٢) في المطبوعة: "فرمته بالأبطح"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في الترمذي. و"الأبطح"، هو أبطح مكة، أو: بطحاء مكة، وهو مسيل واديها.
(٣) الأثر: ١٠٤١١ -"الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأموي" أبو مسلم الحراني. من أهل حران، سكن بغداد. قال الخطيب: "ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب". روى عن محمد بن سلمة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢، وتاريخ بغداد ٧: ٢٦٦.
وهذا الأثر رواه الترمذي في السنن، في تفسير هذه الآية، بإسناد الطبري نفسه، أعني عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب. ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٨٥، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٧٤-٥٧٦، والسيوطي في الدر ٢: ٢١٤، ٢١٥، وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
وإسناد الحاكم في المستدرك:
"حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، حدثني محمد بن إسحاق"، وساق إسناده مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان، كما في التفسير والترمذي.
وأشار الخطيب البغدادي إلى هذا الخبر بإسناده: "أخبرنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف، أخبر محمد بن عبد الله الشافعي قال، حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب (وهو أبو شعيب)، حدثنا جدي وأبي جميعًا فقالا، حدثنا محمد بن سلمة" وساقه كإسناد أبي جعفر.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب أن أبا مسلم الحراني (الحسن بن أحمد) روى عن أبيه وجده، وأخشى أن يكون وهم، وجاءه الوهم من هذا الإسناد لقوله"حدثني جدي وأبي جميعًا"، وإنما قائل ذلك هو عبد الله بن الحسن بن أحمد، لا الحسن بن أحمد.
ثم قال الخطيب البغدادي: "قال أبو شعيب: "قال أبي (يعني الحسن بن أحمد) : سمعه مني يحيى بن معين ببغداد في مسجد الجامع، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن أبي إسرائيل". وأما في ابن كثير، فقائل هذا: "محمد بن سلمة"، وهو الصواب.
وقال الحاكم في المستدرك (ولفظه مخالف لفظ الطبري) :"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
أما الترمذي فقد قال: "هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، مرسلا، لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده".
غير أن الحاكم: رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير، مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان.
١٠٤١٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"، يقول: بما أنزل الله عليك وبيَّن لك="ولا تكن للخائنين خصيمًا"، فقرأ إلى قوله:"إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا". ذُكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طُعْمة بن أبيرق، وفيما همَّ به نبي الله ﷺ من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيَّه وحذّره أن يكون للخائنين خصيمًا.
= وكان طعمة بن أبيرق رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعًا لعمّه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم، (١) يقال له:"زيد بن السمين". (٢) فجاء اليهودي إلى نبي الله ﷺ يُهْنِف، (٣) فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاؤوا إلى نبي الله ﷺ ليعذروا صاحبهم،
(١) في المخطوطة والدر المنثور: "فقدمها" والصواب ما في المطبوعة.
(٢) في أسباب النزول للواحدي: ١٣٤: "زيد بن السمير" بالراء، وسائر الكتب كما هنا في المطبوعة والمخطوطة.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "يهتف" بالتاء، كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله ويناشده. ولكني رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: "أهنف الصبي إهنافًا"، إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجال: "أهنف الرجل"، إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح.
وكان نبي الله عليه السلام قد همَّ بعُذْره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال:"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم" إلى قوله:"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة"، يعني بذلك قومه="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، وكان طعمة قذَف بها بريئًا. فلما بيَّن الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه:
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
١٠٤١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، وذلك أن نفرًا من الأنصار غزوا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظَنَّ بها رجلا من الأنصار، (١) فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى السارق ذلك، عَمَد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيَّبْتُ الدرعَ وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلا (٢) فقالوا: يا نبيّ الله، إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطْنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلا يعصمه الله بك يهلك! (٣) فقام رسول الله صلى الله
(١) "ظننت الرجل، وأظننته"، اتهمته. و"الظنة" (بالكسر) : التهمة.
(٢) "ليلا" غير موجودة في المخطوطة، ولكن سيأتي بعد أسطر ما يدل على صواب إثباتها.
(٣) في المطبوعة: "إن لم يعصمه الله"، والذي في المخطوطة، صواب عريق.
عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يقول: احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب="واستغفر الله إنّ الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم" الآية. ثم قال للذين أتوا رسول الله عليه السلام ليلا"يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله" إلى قوله:"أم من يكون عليهم وكيلا"، يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائن= ثم قال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب (١) = ثم قال:"ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، يعني: السارقَ والذين يجادلون عن السارق.
١٠٤١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ! وكان للرجل الذي سرق جيرانٌ يبرِّئونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به! قال: حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل في ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله" بما قلت لهذا اليهودي="إن الله كان غفورًا رحيمًا"= ثم أقبل على جيرانه فقال:"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا" فقرأ حتى بلغ"أم من يكون عليهم وكيلا". قال: ثم عرض التوبة فقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم
(١) في المطبوعة، سقط من الناشر من أول قوله: "يجادلون عن الخائن" إلى قوله: "بالكذب"، فأثبتها من المخطوطة.
يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه"، فما أدخلكم أنتم أيها الناس، على خطيئة هذا تكلَّمون دونه="وكان الله عليمًا حكيمًا ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا"، وإن كان مشركًا="فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، فقرأ حتى بلغ:"لا خير في كثير من نجواهم"، (١) فقرأ حتى بلغ:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى". قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرَض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، (٢) فهدمه الله عليه فقتله. فذلك قول الله تبارك وتعالى (٣) "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى"، فقرأ حتى بلغ"وساءت مصيرًا"= ويقال: هو طعمة بن أبيرق، وكان نازلا في بني ظَفر.
* * *
وقال آخرون: بل الخيانة التي وصف الله بها من وصفه بقوله:"ولا تكن للخائنين خصيمًا"، جحودُه وديعة كان أودِعها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤١٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، قال: أما"ما أراك الله"، فما أوحى الله إليك. قال: نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعًا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها. فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها. فلما جاء اليهودي يطلب درعه، كافره عنها، (٤) فانطلق إلى ناس من
(١) سقط من المطبوعة: "فقرأ حتى بلغ: لا خير في كثير من نجواهم"، وزاد في التي بعدها: "حتى بلغ إلى قوله". وأثبت نص المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "ليسرقه"، والذي في المخطوطة صواب معرق.
(٣) في المطبوعة: "فذلك قوله"، وأثبت نص المخطوطة.
(٤) "كافره حقه": جحده، و"كافره عنه"، عربي صريح.
اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي، فإني أعرف موضع الدرع. فلما علم بهم طعمة، أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مُلَيْلٍ الأنصاري. فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبُّوه، وقال: أتخوِّنونني! فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على بيت أبي مليل، فإذا هم بالدرع. وقال طعمة: أخذها أبو مليل! وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ فقولوا له يَنْضَح عني ويكذِّب حجة اليهودي، (١) فإني إن أكذَّب كذب على أهل المدينة اليهودي! فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي. فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل، فأنزل الله عليه:"ولا تكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله" مما أردت="إن الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيما"= ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال:"يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول"، يقول: يقولون ما لا يرضى من القول (٢) ="ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة"= ثم دعا إلى التوبة فقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"= ثم ذكر قوله حين قال:"أخذها أبو مليل" فقال:"ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه" ="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا" = ثم ذكر الأنصار وإتيانها إياه: (٣) أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه، فقال:"لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة"، يقول: النبوة= ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذِّبوا عن طعمة، فقال:"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس". فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن عِلاط السُّلَمي، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعةَ جلودٍ كانت عنده، (٤) فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابنَ عمي وأردتَ أن تسرقني!! فأخرجه، فمات بحرَّة بني سُلَيم كافرًا، (٥) وأنزل الله فيه:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّه ما تولَّى" إلى"وساءت مصيرًا".
١٠٤١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: استودع رجل من الأنصار طعمةَ بن أبيرق مشرُبة له فيها درع، (٦) وخرج فغاب. فلما قدم الأنصاري فتح مشربته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين: فتعلَّق صاحب الدرع بطُعمة في درعه. فلما رأى ذلك قومه، أتوا النبي ﷺ فكلموه ليدْرأ عنه، فهمّ بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم"، يعني: طعمة بن أبيرق وقومه= "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في
(١) "نضح عنه": أي ذب عنه ودفع بحجة تنفي عنه ما اتهم به.
(٢) قوله: "يقول: يقولون ما لا يرضى من القول"، غير موجودة في المخطوطة، وأخشى أن تكون زيادة من ناسخ. وسيأتي معنى"التبيت" على وجه الدقة فيما يلي ص: ١٩١، ١٩٢.
(٣) في المطبوعة: "وإتيانهم إياه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الخشخشة": صوت حركة، تكون من السلاح إذا احتك، والثوب الجديد، ويبيس النبات. و"القعقعة": أشد من الخشخشة، صوت يكون من الجلد اليابس، والسلاح إذا ارتطم بعضه ببعض.
(٥) "حرة بني سليم" في عالية نجد. و"الحرة" أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار.
(٦) المشربة: الغرفة، كما أسلفت في التعليق.
الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا"، محمد ﷺ وقوم طعمة= "ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، محمد وطعمة وقومه= قال:"ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه" الآية، طعمة="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا"، يعني زيد بن السمين="فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، طعمة بن أبيرق="ولولا فضل الله عليك ورحمته" يا محمد="لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء"، قوم طعمة بن أبيرق="وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا" يا محمد (١) ="لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف"، حتى تنقضي الآية للناس عامة="ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غيرَ سبيل المؤمنين" الآية. قال: لما نزل القرآن في طعمة بن أبيرق، لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشرُبة للحجاج بن عِلاط البَهْزِيّ ثم السُّلمي، (٢) حليفٌ لبني عبد الدار، فنقبها، فسقط عليه حجر فلَحِج. (٣) فلما أصبح أخرجوه من مكة. فخرجَ فلقي ركبًا من بَهْرَاء من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل مُنْقَطَعٌ به! فحملوه، حتى إذا جنَّ عليه الليل عَدَا عليهم فسرقهم، ثم انطلق. فرجعوا في طلبه فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات= قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، أنزلت في طعمة بن أبيرق= ويقولون: إنه رمى بالدرع في دار أبي مليل بن عبد الله الخَزْرجي، فلما نزل القرآن لحق بقريش، فكان من أمره ما كان.
١٠٤١٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"لتحكم بين الناس بما أراك الله"، يقول: بما أنزل عليك وأراكه في كتابه. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استُودع درعًا فجحد صاحبها، فخوّنه رجال من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه، وأتوا نبي الله ﷺ وقالوا: خوَّنوا صاحبنا، وهو أمين مسلم، فاعذره يا نبي الله وازْجُر عنه! فقام نبي الله فعذره وكذَّب عنه، وهو يرى أنه بريء، وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"أم من يكون عليهم وكيلا"، فبين الله خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتدّ عن الإسلام، فنزل فيه:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" إلى قوله:"وساءت مصيرًا".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بما دل عليه ظاهر الآية، قول من قال: كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية، جحودَه ما أودع، لأن ذلك هو المعروف من معاني"الخيانات" في كلام العرب. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل، أولى من غيره.
* * *
(١) في المطبوعة: "محمد صلى الله عليه وسلم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"البهري"، وهو تصحيف. ولا يعجبني هذا، بل الصحيح أن يقال: "السلمي ثم البهزي" بالتقديم والتأخير، فإنه"بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور"، فبهز بطن من سليم بن منصور.
(٣) "لحج بالمكان": نشب فيه ولزمه وضاق عليه أن يخرج منه. و"لحج السيف": نشب في الغمد فلم يخرج.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخاطبا لرسوله محمد ﷺ :﴿إِنّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي : هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه.
وقوله :﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان، عليه السلام، له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة ؛ أن رسول الله ﷺ سمع حَلَبَةَ خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال :" ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها(١) أو ليذرها " (٢).
وقال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما(٣) بينة، فقال رسول الله ﷺ :" إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألْحَن بحُجَّتِه من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة ". فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ :" أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليُحْللْ كل واحد منكما(٤) صاحبه ".
وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد، به. وزاد :" إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل عليّ فيه " (٥).
وقد روى ابن مَرْدُويه، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال : إن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال : إن طُعْمةَ بن أُبَيْرق سرق درعي، فلما رأى السارق(٦) ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته : إني غَيَّبْتُ الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله ﷺ ليلا فقالوا : يا نبي الله، إن صاحبنا بريء. وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما، فاعذُرْ صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه. فإنه إلا(٧) يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذرَه على رءوس الناس، فأنزل الله :﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا(٨) [ يقول : احكم بما أنزل الله إليك في الكتاب ](٩) ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ [ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ](١٠) ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفين بالكذب :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ [ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا. هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ](١١) يعني : الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين ثم قال :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ](١٢) يعني : الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب، ثم قال :﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني : السارق والذين جادلوا عن السارق. وهذا سياق غريب(١٣) وكذا(١٤) ذكر مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت(١٥) في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.
وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره :
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحرَّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحرَّاني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قَتَادة بن النعمان، رضي الله عنه، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أُبَيْرق : بِشْر وبشير ومُبَشّر، وكان بُشَير رجلا منافقًا، يقول(١٦) الشعر يهجو به أصحاب النبي ﷺ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث ؟ - أو كما قال الرجل - وقالوا(١٧) ابن الأبيرق قالها. قالوا : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة(١٨) من الشام من الدَّرْمَك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضَافطة(١٩) من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فحطه في مَشْربة له، وفي المشربة سلاح : درع وسيف، فَعُدي عليه من تحت البيت، فَنقّبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي، إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه. فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا. قال : فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا : قد رأينا بني أُبَيْرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
قال : وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - : والله ما نرى صاحبكم إلا لَبِيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله(٢٠) ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة. قالوا : إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها.
فقال لي عمي : يا ابن أخي، لو أتيتَ رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فقلت : إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنَقَبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه. فَلْيردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبي(٢١) ﷺ " سآمُرُ في ذلك ".
فلما سمع بنو أُبَيْرق أتوا رجلا منهم يقال له : أُسَير بن عمْرو(٢٢) فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا : يا رسول الله، إن قتادة(٢٣) بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة : فأتيت النبي ﷺ فكلمته، فقال :" عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَت ولا بينة ؟(٢٤)
قال : فرجعت ولَوَدِدت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي، ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال : الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن :﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ [ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ] (٢٥) إلى قوله :﴿رَحِيمًا﴾ أي : لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله :﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فردَّه إلى رفاعة.
فقال قتادة : لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا، قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بُشَيرٌ بالمشركين، فنزل على سُلافةَ بنت سعد بن سُمَية، فأنزل الله تعالى :﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من(٢٦) شعره، فأخذت رَحْلَهُ فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فَرَمَتْ به في الأبطح، ثم قالت : أهديتَ لي شِعْر حسان ؟ ما كنتَ تأتيني بخير.
لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني : وروى يونس بن بُكَير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قتادة مرسلا لم يذكروا فيه عن(٢٧) أبيه عن جده.
ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه.
ورواه ابن المنذر في تفسيره : حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة - فذكره بطوله.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به. ثم قال في آخره : قال محمد بن سلمة : سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إسرائيل(٢٨).
وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه " المستدرك " عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق - بمعناه أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال : وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه(٢٩).
١ في أ: "فليأخذها"..
٢ صحيح البخاري برقم (٢٤٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٧١٣)..
٣ في أ: "بينهما"..
٤ في أ: "كل منهما".
.

٥ المسند (٦/٣٢٠) وسنن أبي داود برقم (٣٥٨٤)..
٦ في ر: "البارق"..
٧ في د: "إن لم"..
٨ في ر: "وأنزل الله الذكر في الكتاب"..
٩ زيادة من أ..
١٠ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
١١ زيادة من ر، أ، و، وفي هـ: "الآيتين"..
١٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
١٣ ورواه الطبري في تفسيره (٩/١٨٣) وإسناده مسلسل بالضعفاء كما تقدم..
١٤ في أ: "وهكذا"..
١٥ في ر: "أن هذه الآية نزلت"..
١٦ في أ: "منافقا فكان يقول"..
١٧ في أ: "وقال".
.

١٨ في د: "غير"، وفي ر: "صافطة"..
١٩ في د: "غير"، وفي ر: "صافطة"..
٢٠ في أ: "فوالله"..
٢١ في د: "رسول الله"..
٢٢ في د، أ: "ابن عروة"..
٢٣ في أ: "قدادة"..
٢٤ في أ: "ثبت وبينة"..
٢٥ زيادة من ر، أ.
.

٢٦ في ر: "في"..
٢٧ في أ: "غير"..
٢٨ سنن الترمذي برقم (٣٠٣٦) وتفسير الطبري (٩/١٧٧) وانظر: حاشية الشيخ أحمد شاكر في كلامه على هذا الحديث (٩/١٨١)..
٢٩ المستدرك (٤/٣٨٥ - ٣٨٨) ووافقه الذهبي..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الْجِرَاحِ وَالْآلَامِ، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّأْيِيدَ، وَهُمْ لَا يَرْجُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْجِهَادِ مِنْهُمْ، وَأَشَدُّ رَغْبَةً فِي إِقَامَةِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِعْلَائِهَا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: هُوَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ، وَيُنَفِّذُهُ وَيُمْضِيهِ، مِنْ أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا }
يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي : محفوظًا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل، بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس.
وفي الآية الأخرى :﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد وفي جميع مسائل الأحكام.
وقوله :﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي : لا بهواك بل بما علَّمك الله وألهمك، كقوله تعالى :﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وفي هذا دليل على عصمته ﷺ فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم(١)  العلم والعدل لقوله :﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يقل : بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل فقال :﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي : لا تخاصم عن مَن عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكرٍ حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية.
ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم.
١ - في أ: الحكم..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٥ - ١١٣} ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظًا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل، بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس.
وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ﴾. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد وفي جميع مسائل الأحكام.
وقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي: لا بهواك بل بما علَّمك الله وألهمك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وفي هذا دليل على عصمته ﷺ فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام -[٢٠٠]- وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم (١) العلم والعدل لقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل فقال: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: لا تخاصم عن مَن عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكرٍ حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية.
ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم.
(١) في أ: الحكم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
خَصِيمًا
مَدَافِعًا عَنْهُمْ.

إعراب الآية ١٠٥ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

بكسر التاء ليدلّ على أنه من فعل، ولا يجوز عند البصريين في تألمون كسر التاء لثقل الكسر فيها.

[سورة النساء (٤) : آية ١٠٥]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥)
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لام كي، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما أدغما الميم في الباء، ولا يجيز ذلك النحويون لأن في الميم غنّة.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٢]

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢)
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
شرط. ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
عطف عليه وفي الكلام حذف من الأول على مذهب سيبويه ويقال: ما الفرق بين الخطيئة والإثم وقد عطف أحدهما على الآخر ففي هذا أجوبة: منها أنهما واحد ولكن لما اختلف اللفظان جاز هذا، وقيل: قد تكون الخطيئة صغيرة والإثم لا يكون إلا كبيرة، وقال أبو إسحاق «١» : سمّى الله جلّ وعزّ بعض المعاصي خطايا وسمّى بعضها إثما فأعلم أنه من كسب معصية تسمّى خطيئة أو كسب معصية تسمّى إثما ثم رمى بها من لم يعملها وهو منها بريء فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
والبهتان الكذب الذي يتحيّر من عظمه وشأنه.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٣]

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
ما بعد «لولا» مرفوع بالابتداء عند سيبويه «٢» والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن نبّهك على الحقّ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
عن الحقّ لأنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبرّئ ابن أبيرق «٣» من التّهمة ويلحقها اليهوديّ فتفضّل الله جلّ وعزّ على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إيّاه. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
لأنهم يعملون عمل الضالين والله جلّ وعزّ يعصم رسوله صلّى الله عليه وسلّم. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
لأنك معصوم. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
حذفت الضمّة من النون للجزم وحذفت الواو لالتقاء الساكنين و «تعلم» في موضع نصب لأنه خبر «تكن».
(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٧٢.
(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨.
(٣) هو طعمة بن أبيرق الذي سرق الدرع ورماها في دار اليهودي (انظر الدر ٢/ ١١٧، والخازن ١/ ٥٩٦).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٥ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [١٠٥-١١٦].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

القراءات في الآية ١٠٥ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْكِتَابَ بِالْحَقِّ

إدغام الباء في الباء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الباء الأولى مفتوحة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع روح عن يعقوب ورش عن نافع قنبل عن ابن كثير إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير إسحاق عن خلف

النَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف روح عن يعقوب أبو الحارث عن الكسائي ابن جمّاز عن أبي جعفر إدريس عن خلف خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب قالون عن نافع خلف عن حمزة السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر البزي عن ابن كثير شعبة عن عاصم ورش عن نافع حفص عن عاصم

لِتَحْكُمَ بَيْنَ

إخفاء الميم بعد تسكينها

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الميم مفتوحة

ورش عن نافع إسحاق عن خلف روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير قالون عن نافع إدريس عن خلف رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم خلاد عن حمزة حفص عن عاصم خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٥ من سورة النساء

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٣ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، قال: بما أوحى الله إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٦-٤٦٧، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٦٣، ١٠٦٦.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ يعني: القرآن ﴿بالحق﴾، لم ننزله باطلًا عبثًا لغير شيء؛ ﴿لتحكم﴾ يعني: لكي تحكم ﴿بين الناس بما أراك الله﴾، يعني: بما علمك الله في كتابه، كقوله سبحانه: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ [سبأ:٦]، ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ يعني: طعمة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٥.
٣
عن عمرو بن دينار، أنّ رجلًا قال لعمر بن الخطاب: ﴿بما أراك الله﴾. قال: مه، إنما هذه للنبي ﷺ خاصة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن قتادة بن النعمان -من طريق عمر بن قتادة- ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾، قال: لبني أبيرق١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٣٠٣٧)، وابن جرير ٧‏/‏٤٥٨-٤٦٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩-١٠٦٠، والحاكم ٤‏/‏٣٨٥-٣٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: إيّاكم والرأيَ، فإنّ الله قال لنبيه ﷺ: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، ولم يقل: بما رأيت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ يقول: بما أنزل الله إليك، إلى قوله: ﴿خوانا أثيما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٣-٤٦٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩-١٠٦٣.
٧
عن محمود بن لبيد، قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ إلى قوله: ﴿ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾، يعني: بشير بن أبيرق١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن سعد.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ إلى قوله: ﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله﴾، قال: فيما بين ذلك، في طعمة بن أبيرق، ودرعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبي ﷺ: اعذره في الناس بلسانك. ورموا بالدرع رجلًا من يهود بريئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٩
عن الحسن البصري: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾، أي: أنّ الأنصاريَّ هو سرقها، فلا تعذرَنَّه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٠٣-.
١٠
عن عطية العوفي -من طريق ابن فضيل بن مرزوق- ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، قال: الذي أراه في كتابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩. وعزاه السيوطي ابن المنذر.
١١
عن قتادة بن دِعامة: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، قال: بما بَيَّن الله لك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٢
عن مطر الورّاق -من طريق الحسين- ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، قال: بالبينات، والشهود١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩.
١٣
عن ربيعة [بن أبي عبد الرحمن] -من طريق مالك بن أنس- قال: إنّ الله أنزل القرآن، وترك فيه موضعًا للسُّنَّة، وسَنَّ رسول الله ﷺ السُّنَّةَ، وترك فيها موضعًا للرأي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٨-١٠٥٩.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن ابن وهب، قال: قال لي مالك بن أنس: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين: فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية، فذلك الحكم الواجب والصواب، والحكم يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء، فلعله أن يُوَفَّق. قال: وثالث التكلف لما لا يعلم، فما أشبه ذلك ألا يُوَفَّق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩.

نزول الآيات، وتفسيرها

١١ قولًا
١
عن الضحاك بن مزاحم، قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار اسْتُودِع درعًا، فجحد صاحبها، فلحق به رجالٌ من أصحاب النبي ﷺ، فغضب له قومه، وأَتَوْا نبي الله ﷺ، فقالوا: خوَّنوا صاحبَنا وهو أمين مسلم، فأعذره، يا نبي الله، وازجر عنه. فقام النبي ﷺ، فعذره، وكذَّب عنه، وهو يرى أنّه بريء، وأنّه مكذوب عليه؛ فأنزل الله بيان ذلك، فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ إلى قوله: ﴿أم من يكون عليهم وكيلا﴾ فبَيَّن خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة، وارتد عن الإسلام؛ فنزل فيه: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٩-٤٧٠.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: اسْتَوْدَع رجلٌ من الأنصار طُعْمَة بن أُبَيْرِق مَشْرُبة له فيها درع، فغاب، فلمّا قَدِم الأنصاريُّ فتح مَشْرُبَته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلًا من اليهود يُقال له: زيد بن السمين، فتعلق صاحب الدِّرع بطعمة في درعه، فلما رأى ذلك قومُه أتَوا النبي ﷺ، فكلَّموه لِيَدْرَأ عنه، فهَمَّ بذلك؛ فأنزل الله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾ إلى قوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ يعني: طعمة بن أبيرق وقومه، ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم﴾ إلى قوله: ﴿يكون عليهم وكيلا﴾ محمد ﷺ وقوم طعمة، ﴿ثم يرم به بريئا﴾ يعني: زيد بن السمين ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ طعمة بن أبيرق، ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾ لمحمد ﷺ، ﴿لهمت طائفة﴾ قوم طعمة، ﴿لا خير في كثير﴾ الآية، للناس عامة، ﴿ومن يشاقق الرسول﴾. قال: لَمّا أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش، ورجع في دينه، ثم عدا على مشربة للحجاج بن عِلاطٍ البَهْزِيِّ، فنقبها، فسقط عليه حجر، فَلَحِجَ١، فلما أصبح أخرجوه من مكة، فخرج، فلقي رَكْبًا مِن قُضاعَة، فعرض لهم، فقال: ابن سبيل منقطع به. فحملوه، حتى إذا جَنَّ عليه الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فرجعوا في طلبه، فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات. فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾٢٣
التخريج
  1. ١لحج بالمكان: دخل فيه ولزمه. النهاية (لحج).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٨-٤٦٩. وعزاه السيوطي إلى سنيد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ عطية (٣/١٤) أنّ قوله تعالى: ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ باتفاق المتأولين نزل في أمر بني أبيرق.
٣
عن الحسن البصري: أنّ رجلًا على عهد رسول الله ﷺ اخْتانَ درعًا من حديد، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جارٍ له من اليهود، وقال: تزعمون إني اخْتَنتُ الدِّرعَ؟! فواللهِ، لقد أُنبِئْتُ أنها عند اليهودي. فرفع ذلك إلى النبي ﷺ، وجاء أصحابه يَعْذِرُونَه، فكأنّ النبي ﷺ عذره حين لم يجد عليه بيِّنَةً، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي، وأبى اللهُ إلا العدلَ؛ فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ إلى قوله: ﴿أم من يكون عليهم وكيلا﴾، فعرَّض اللهُ بالتوبة لو قبِلها، إلى قوله: ﴿ثم يرم به بريئا﴾ اليهودي. ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾ إلى قوله: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾. فأبرىء اليهودي، وأخبر بصاحب الدرع. قال: قد افتضحت الآن في المسلمين، وعلموا أني صاحب الدرع، ما لي إقامة ببلد. فتراغم، فلحق بالمشركين؛ فأنزل الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ إلى قوله: ﴿ضلالا بعيدا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٠٣- نحوه.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكر لنا: أنّ هذه الآيات أنزلت في شأن طُعْمَة بن أُبَيْرِق، وفيما هَمَّ به النبي ﷺ من عذره، فبيَّن اللهُ شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه ﷺ، وحذَّره أن يكون للخائنين خصيمًا. وكان طعمة بن أبيرق رجلًا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعًا لعمه كانت وديعة عندهم، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم يقال له: زيد بن السمين. فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ يهتف، فلما رأى ذلك قومُه بنو ظفر جاءوا إلى نبي الله ﷺ ليعذروا صاحبهم، وكان نبي الله ﷺ قد هَمَّ بعذره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿ثم يرم به بريئا﴾. وكان طعمة قذف بها بريئًا، فلما بيَّن الله شأن طعمة نافق، ولحق بالمشركين، فأنزل الله في شأنه: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٢-٤٦٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٥
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾، قال: بما أوحى الله إليك، نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعًا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي، ثم دفنها، فخالف إليها طعمة، فاحتفر عنها، فأخذها، فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها، فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته، فقال: انطلقوا معي؛ فإنِّي أعرف موضع الدرع. فلما علم به طعمةُ أخذ الدرع، فألقاها في دار أبي مُلَيْل الأنصاري، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسَبُّوه، قال: أتُخَوِّنُونَنِي؟! فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على دار أبي مُلَيْل فإذا هم بالدرع، وقال طعمة: أخذها أبو مُلَيْل. وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ، فقولوا له ينضح عني، ويكذب حجة اليهودي، فإني إن أُكَذَّب كَذَب على أهل المدينة اليهوديُّ. فأتاه أناس من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة، وأكذِب اليهودي. فهَمَّ رسول الله ﷺ أن يفعل؛ فأنزل الله عليه: ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾ إلى قوله: ﴿أثيما﴾. ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه، فقال: ﴿يستخفون من الناس﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. ثم دعا إلى التوبة، فقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ إلى قوله: ﴿رحيما﴾. ثم ذكر قوله حين قال: أخذها أبو مُلَيْل، فقال: ﴿ومن يكسب إثما﴾ إلى قوله: ﴿مبينا﴾. ثم ذكر الأنصار وإتيانها إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه، فقال: ﴿لهمت طائفة منهم أن يضلوك﴾. ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾. فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن هرب، حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن عِلاطٍ السُّلَمِيِّ، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خَشْخَشَتَه في بيته، وقَعْقَعَة جلود كانت عنده، فنظر، فإذا هو بطعمة، فقال: ضيفي وابن عمي! فأردت أن تسرقني! فأخرجه، فمات بحَرَّة بني سُلَيم كافرًا، وأنزل الله فيه: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ إلى: ﴿وساءت مصيرا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٦-٤٦٧، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٦٣، ١٠٦٦.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾، وذلك أنّ يهوديًّا يُسَمّى: زيد بن السمين، كان استودع طعمة بن أبيرق الأنصارى من الأوس من بني ظَفَر بن الحارث درعًا من حديد، ثم إنّ زيدًا اليهوديَّ طلب درعه، فجحده طعمة، فقال زيد لقومه: قد ذكر لي أنّ الدرع عنده، فانطلقوا حتى نلتمس داره. فاجتمعوا ليلًا، فأتوا داره، فلما سمع جَلَبَة١ القوم أحس قلبُه أنّ القوم إنما جاءوا من أجل الدرع، فرمى به في دار أبى مُلَيْك، فدخل القوم داره، فلم يجدوا الدرع، فاجتمع الناس. ثم إنّ طعمة اطَّلع في دار أبى مليك، فقال: هذا درع في دار أبي مليك، فلا أدري هي لكم أم لا؟ فأخذوا الدرع، ثم إن قوم طعمة -قتادة بن النعمان وأصحابه- قالوا: انطلقوا بنا إلى النبي ﷺ، فلنبرئ صاحبنا، ونقول: إنهم أتونا ليلًا ففضحونا، ولم يكن معهم رسول من قبلك، ونأمرهم أن يُبَرِّءوا صاحبنا؛ لتنقطع ألسنة الناس عنا بما قذفونا به، ونخبره أنها وجدت في دار أبي مليك، فأتوا النبي ﷺ، فأخبروه، فصدق النبي ﷺ طعمة، وأبرأه من ذلك، وهو يرى أنهم قد صدقوا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ الآية، ... ثم إنّ أبا مليك عاش حتى استخلف عمر بن الخطاب، فحلف بالله لعمر لا يولي راجعًا، فلما كان يوم القادسية انهزم المشركون إلى الفرات، وجاءت أساورة كسرى، فهزموا المسلمين إلى قريب من الجيش، فثبت أبو مليك حتى قتل، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال: أبو مليك صدق الله وعده٢
التخريج
  1. ١جلبة القوم: أصواتهم. النهاية، مادة (جلب).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٤.
٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ، طرحه على يهودي، فقال اليهودي: واللهِ، ما سرقتُها، يا أبا القاسم، ولكن طُرِحَتْ عَلَيَّ. وكان الرجل الذي سَرَق له جيران يُبَرِّئونه، ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله، إنّ هذا اليهوديَّ خبيث، يكفر بالله وبما جئت به. حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول؛ فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله﴾ بما قلت لهذا اليهودي، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾. ثم أقبل على جيرانه، فقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. ثم عرض التوبة، فقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾ فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه، ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ وإن كان مشركًا ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ إلى قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾. قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، فهدمه الله عليه، فقتله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٤-٤٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف في الخيانة التي كانت ممن ذكرته الآية؛ فقال بعضهم: كانت سرقة سرقها. وقال آخرون: جحوده وديعة كان أودعها. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٤٧٠) مستندًا إلى الأشهر في اللغة القول الثاني الذي قاله السدي، وعكرمة، وابن جريج، والضحاك، فقال: «لأن ذلك هو المعروف من معاني الخيانات في كلام العرب، وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل أولى من غيره».
٨
عن قتادة بن النعمان -من طريق عمر بن قتادة- قال: كان أهل بيت مِنّا يقال لهم: بنو أُبَيْرِق، بِشْر وبشير ومُبَشِّر، وكان بشير رجلًا منافقًا، يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم يَنْحَلُه بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا. فإذا سمع أصحابُ رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: واللهِ، ما يقول هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ. فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة أضِمُوا١ فقالوا: ابنُ الأُبَيْرِق قالها؟! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقَة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يَسار فقدمت ضافِطَة٢ من الشام مِن الدَّرْمَك٣ ابتاع الرجل منها، فخصَّ بها [نفسه]، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافِطَة الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدَّرْمَك، فجعله في مَشْرُبَة٤ له، وفي المَشْرُبَة سلاح له؛ درعان، وسيفاهما، وما يصلحهما، فعدا عَدِيٌّ٥ من تحت الليل، فنقب المَشْرُبَة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، تعلم أنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فنُقِبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتجسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبَيْرِق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: وقد كان بنو أُبَيْرِق قالوا ونحن نسأل في الدار: واللهِ، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل. رجلًا مِنّا له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أُبَيْرِق، وقال: أنا أسرق؟! فواللهِ، ليخالطنكم هذا السيف، أو لَتُبَيِّنُنَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنّا، أيها الرجل، فواللهِ، ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار، حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إنّ أهل بيتٍ مِنّا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله ﷺ: «سأنظر في ذلك». فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يُقال له: أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنّ قتادة بن النعمان وعمَّه عمدوا إلى أهل بيت مِنّا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ، فكلَّمته، فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذُكِر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟!». قال قتادة: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾: لبني أبيرق، ﴿واستغفر الله﴾ أي: مما قلت لقتادة، ﴿إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ أي: أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم، ﴿ومن يكسب إثما﴾ إلى قوله: ﴿فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا﴾ قولهم للبيد، ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه. إلى قوله: ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾، فلمّا نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح، فردَّه إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسا٦ في الجاهلية، وكنت أرى إسلامَه مدخولًا، فلمّا أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سُلافة بنت سعد؛ فأنزل الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ إلى قوله: ﴿ضلالا بعيدا﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت، فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟! ما كنت تأتيني بخير٧٨
التخريج
  1. ١(أضموا: غضبوا. التاج (أضم).
  2. ٢الضافط والضَّفّاط: الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن. النهاية (ضفط).
  3. ٣الدَرْمَكَ: هو الدقيق الحوارى. النهاية (درمك).
  4. ٤المشربة -بفتح الراء وضمها-: الغرفة. النهاية (شرب).
  5. ٥العديّ: جماعة القوم يَعْدون لقتال ونحوه، وقيل: في معناه غير ذلك. اللسان (عدا).
  6. ٦عسا: كبر وأسنّ. النهاية (عسا).
  7. ٧أخرجه الترمذي ٥‏/‏٢٧٨-٢٨٢ (٣٢٨٥) واللفظ له، والحاكم ٤‏/‏٤٢٦ (٨١٦٤)، وابن جرير ٧‏/‏٤٥٨- ٤٦٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩-١٠٦٠ (٥٩٣٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان به. قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
تعليقات المحققين
  1. ٨علَّق ابنُ كثير (٤/٢٦٥) على هذا الحديث بقوله: «لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده. ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل -يعني الصائغ -حدثنا الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة. فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إسرائيل. وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ نفرًا من الأنصار غَزَوْا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فسُرِقَت درع لأحدهم، فأَظَنَّ بها رجلًا من الأنصار، فأتى صاحب الدِّرع رسول الله ﷺ، فقال: إنّ طُعْمَة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها، فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إنِّي غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا نبي الله، إنّ صاحبنا بريء، وإنّ سارق الدرع فلان، وقد أحَطْنا بذلك علمًا، فاعْذِرْ صاحبنا على رؤوس الناس، وجادِل عنه، فإنّه إلا يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله ﷺ، فبرأه، وعذره على رؤوس الناس؛ فأنزل الله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾. يقول: بما أنزل الله إليك، إلى قوله: ﴿خوانا أثيما﴾. ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلًا: ﴿يستخفون من الناس﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين. ثم قال: ﴿ومن يكسب خطيئة﴾ الآية، يعني: السارق، والذين جادلوا عن السارق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٣-٤٦٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩-١٠٦٣.
١٠
عن محمود بن لبيد، قال: عدا بشير بن الحارث على عِلِّيَّةِ١ رفاعة بن زيد عمِّ قتادة بن النعمان الظَّفَرِيِّ، فنَقبها من ظهرها، وأخذ طعامًا له، ودرعين بأداتهما، فأتى قتادةُ بن النعمان النبي ﷺ، فأخبره بذلك، فدعا بشيرًا، فسأله، فأنكر، ورمى بذلك لبيد بن سهل؛ رجلًا من أهل الدار ذا حَسَب ونَسَب؛ فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد بن سهل قوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ إلى قوله: ﴿ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ يعني: بشير بن أبيرق، ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ يعني: لبيد بن سهل، حين رماه بنو أبيرق بالسرقة. فلما نزل القرآن في بشير، وعثر عليه، هرب إلى مكة مرتدًا، كافر، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد، فجعل يقع في النبي ﷺ وفي المسلمين؛ فنزل القرآن فيه، وهجاه حسان بن ثابت، حتى رجع، وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة٢
التخريج
  1. ١العِلِّيّة: الغرفة. اللسان (علو).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن سعد.
١١
عن محمود بن لبيد، قال: كان أُسَيْرُ بن عروة رجلًا مِنطِيقًا ظريفًا بليغًا حلوًا، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أُبَيْرِق للنبي ﷺ حين اتهمهم بنقب عِلِّيَّةِ عمه وأخذ طعامه والدرعين، فأتى أسيرٌ رسول الله ﷺ في جماعة جمعهم من قومه، فقال: إنّ قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح، يُؤَبِّنُونَهم١ بالقبيح، ويقولون لهم ما لا ينبغي، بغير ثَبَتٍ ولا بينة. فوضع لهم عند رسول الله ﷺ ما شاء، ثم انصرف، فأقبل قتادة بعد ذلك إلى رسول الله ﷺ ليكلمه، فَجَبَهَه٢ رسول الله ﷺ جبهًا شديدًا منكرًا، وقال: «بئسما صنعت، وبئسما مشيت فيه». فقام قتادة وهو يقول: لوددت أنِّي خرجت من أهلي ومالي وأني لم أكلم رسول الله ﷺ في شيء من أمرهم، وما أنا بعائد في شيء من ذلك. فأنزل الله على نبيه في شأنهم: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه، ﴿إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾٣
التخريج
  1. ١أبّن الرجل: عابه في وجهه وعيّره. اللسان (أبن).
  2. ٢جبهه: ردّه عن حاجته. اللسان (جبه).
  3. ٣عزاه السيوطي إلى ابن سعد من وجه آخر.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٥ من سورة النساء

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • ‏{وتدلوا بها إلى الحكام} الوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما}.

    — تفسير السعدي

  • مهما نضج عقلك فهو تابع لدينك ؛ ﻷن النقص يعتريه وﻻ يعتري الدين،فالله قال لنبيه ﷺ وهو أكمل الناس عقلا (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ﻻ بما أراك عقلك.

    — سعود الشريم

  • (وﻻ تكن للخائنين خصيما) هناك (خائن) ؛ وهناك (مجادل عنه) مبرر له

    — عقيل الشمري

  •   مهما نضج عقلك فهو تابع لدينك؛ﻷن النقص يعتريه وﻻ يعتري الدين،فالله قال لنبيه ﷺ وهو أكمل الناس عقلا (لتحكم بين الناس بما أراك الله)ﻻ بما أراك عقلك

    — سعود الشريم

  • (ولا تكن للخائنين خصيما) علاج الخائن لا يكون بالدفاع عنه وإنما تترك خيانته لتنكشف ويعتبر بها

    — عقيل الشمري

  • مجالس في تدبر القرآن (تدبر الآية 105 سورة النساء)

    — خالد السبت

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة النساء آية 105

    — حازم شومان

  • الاستغفار سبب لإصابة الحق في النوازل "إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما* واستغفر الله "

    — عبدالله الغفيلي

  • احذر من نصرة الخائنين والمخاصمة عنهم، ولو كانوا أقرب الناس إليك. ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾

    — هذا بصائر للناس

  • {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ ...} ..استغفر بين يدي حكمك وعلمك توفق.

    — عبدالله الغفيلي

  • قوله عز وجل {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} وفي هذه أيضا {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس} الفرق بين أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا عليك قد سبق في البقرة ونزيده وضوحا أن كل موضع خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {إنا أنزلنا إليك} ففيه تكليف وإذا خاطبه بقوله {أنا أنزلنا عليك} ففيه تخفيف واعتبر بما في هذه السورة فالذي في أول السورة {إليك} فكلفه الإخلاص في العبادة والذي في آخرها {عليك} فختم الآية بقوله {وما أنت عليهم بوكيل} أي لست بمسئول عنهم فخفف عنه ذلك

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • * عدل الله سبحانه وتعالى عن اللفظ الحقيقي بقوله (بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) ولم يقل بما عرّفك وأوحى إليك وسمّى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم للمسألة رؤية لأنه علمٌ يقيني لا ريب فيه ولا شك وكأن هذا العلم مُشاهَد له ولذلك أجراه مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا يقولنّ أحدٌ قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه وأما الواحد فينا فرأيه يكون ظنّاً ولا يكون علماً.

    — مختصر لمسات بيانية

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٠٥ من سورة النساء

فتوَيانِ تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٠٥ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(105) Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال