المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
في هذه الآية تشريف للنبي ﷺ وتفويض إليه، وتقويم أيضاً على الجادة في الحكم، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة، وقوله تعالى :﴿بما أراك الله﴾ معناه : على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة، وقوله تعالى :﴿ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً﴾ سببها باتفاق من المتأولين أمر بني أبيرق، وكانوا إخوة، بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يهجو أصحاب النبي ﷺ، وينحل الشعر غيره، فكان المسلمون يقولون : والله ما هو إلا شعر الخبيث، فقال شعراً يتنصل فيه، فمنه قوله :
أفكلما قال الرجال قصيدة. . . نحلت وقالوا : ابن الأبيرق قالها
قال قتادة بن النعمان : وكان بنو أبيرق أهل فاقة، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من درمك الشام(١) فجعله في مشربة له(٢)، وفي المشربة درعا له وسيفان، فعدي على المشربة من الليل فنقبت وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي، تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فقال : فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم، قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا :«ونحن نسأل » والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فسمع ذلك لبيد فاخترط سيفه(٣) ثم أتى بني ابيرق فقال : والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا : إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها(٤) فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي : يابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بهذه القصة فأتيته عليه السلام فقصصتها عليه، فقال : انظر في ذلك، فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلاً منهم يقال له : أسير بن عروة(٥) فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة على بينة، قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته قال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة عن غير بينة، قال : فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه، فأتيت عمي فقال : ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ، فقال : الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ الآيات.
فالخائنون بنو أبيرق، والبريء المرمي لبيد بن سهل، والطائفة التي همت : أسير وأصحابه.
وقال قتادة وغير واحد من المتأولين : هذه القصة ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن أبيرق، ويقال فيه : طعيمة، وقال السدي : القصة في طعمة بن أبيرق ولكن بأن استودعه يهودي درعاً فجحده إياها وخانه فيها وطرحها في دار أبي مليك الأنصاري(٦)، وأراد أن يرميه بسرقتها لما افتضح، وأبو مليل هو البريء المشار إليه، وقال عكرمة : سرق طعمة بن أبيرق درعاً من مشربة ورمى بسرقتها رجلاً من اليهود يقال له : زيد بن السمين.
قال القاضي أبو محمد : وجملة هذا يستدير على أن قوم طعمة أتوا النبي وكلموه في أن يذب عن طعمة ويرفع الدعوى عنه، ودفعوا هم عنه ومنهم من يعلم أنه سرق، فكانت هذه معصية من مؤمنيهم، وخلق(٧) مقصود من منافقيهم فعصم الله رسوله من ذلك، ونبه على مقالة قتادة بن النعمان بقوله :﴿ولا تكن للخائنين خصيماً﴾.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : وطعيمة بن أبيرق صرح بعد ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة، ونزل على سلافة(٨) فرماها حسان بن ثابت بشعر، فأخذت رحل طعمة ورمت به في الأبطح وقالت : اخرج عنا، أهديت إليَّ شعر حسان، فروي : أنه نزل على الحجاج بن علاط وسرقه فطرده، وروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فانهدم الحائط عليه فقتله، وروي : أنه اتبع قوماً من العرب فسرقهم فقتلوه.
١ - الدّرمك: الدقيق الناعم. وهو هنا يقصد نوعا معينا يأتي من الشام..
٢ - المشربة: المكان يشرب منه، وهو بفتح الراء وضمها، والجمع: مشارب..
٣ - اخترط سيفه: استلّه من غمده..
٤ - أي: بصاحب الحادثة، أو السرقة..
٥ - قال القرطبي في تفسيره: ابن عم لهم. يعني لبني أبيرق. وكان أسير هذا مسلما، ومن ذلك الوقت اتهم بالنفاق، قال ابن إسحاق: وفيه نزلت: [لهمّت طائفة منهم أن يضلوك]. (عن الاستيعاب ١/ ١٠٠)..
٦ - قال في الإصابة (١٢/٢٨): أبو مليك هو: سليك بن الأغر، مذكور في الصحابة، كذا ذكره ابن عبد البر مختصرا، وأنا أخشى أن يكون هو الذي بعده وقع فيه تصحيف وتحريف" والذي بعده هو: أبو مُليل –بلامين- الأنصاري، ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن شهد بدرا، وقال ابن فتحون: إنهما واحد. اهـ- والثابت في الأصول: أبو مليك وفي بعضها: أبو مليكة. وكذلك هو في "البحر المحيط"..
٧ - هكذا في الأصول: والصواب أن تكون: (وخلقا)، لأنها معطوفة على: (معصية) خبر (كان)، اللهم إلا إذا قدرناها خبرا لمبتدأ محذوف، أي: وهي خلق، ومعناها: اختلاق وافتراء، أو لعلها من سهو النساخ، والله أعلم..
٨ - اسمها: سلافة (بضم السين) بنت سعد بن شهيد، ومن شعر حسان فيها قوله:
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد استها وتنازعه
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا نبي عنده الحي واضعه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى