فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿بِمَا أَرَاكَ الله﴾ إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحي الله به. وليس المراد هنا : رؤية العين ؛ لأن الحكم لا يرى، بل المراد بما عرّفه الله به وأرشده إليه. قوله :﴿وَلاَ تَكُنْ للْخَائِنِينَ﴾ أي : لأجل الخائنين خصيماً، أي : مخاصماً عنهم مجادلاً للمحقين بسببهم. وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن قتادة بن النعمان، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشر رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا. قال فلان كذا وكذا ؛ فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال :
أو كلما قال الرجال قصيدةأصمِوا فقالوا ابن الأبيرق قالها
قال : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة، أي : حمولة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخصّ بها نفسه، وأما العيال، فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن رافع جملاً من الدرمك، فجعله في مشربة، وفي المشربة سلاح له درعان، وسيفاهما وما يصلحهما، فعدى عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال : يا ابن أخي تعلم أن قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال : فتحسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا ناراً في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال : وكان بنو أبيرق قالوا، ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً مناله صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق وقال : أنا أسرق ؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا : إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت : يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله ﷺ :«سأنظر في ذلك»، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال :«عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت»، قال قتادة : فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال لي : يا بن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال : الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن :﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ للْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ بني أبيرق ﴿واستغفر الله﴾ أي : مما قلت لقتادة :﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رحِيماً وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ إلى قوله :
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] أي : لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً﴾ [النساء: ١١١] إلى قوله :﴿فَقَدِ احتمل بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١١١] قولهم للبيد :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ منْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يعني : أسير بن عروة، فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح، فرده إلى رفاعة.
قال قتادة : فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، أي : كبر، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، فأنزل الله :﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلّهِ مَا تولى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قوله :﴿ضلالا بَعِيداً﴾ [النساء: ١١٥ - ١١٦] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت : أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. ورواه يونس ابن بكير، وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً لم يذكر فيه، عن أبيه، عن جدّه. ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر، في تفسيره قال : حدثنا محمد بن إسماعيل : يعني : الصانع، حدّثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره، عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب كلاهما، عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد ابن سلمة به، ثم قال في آخره : قال محمد بن سلمة : سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن أبي إسرائيل. وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أثم منه، ثم قال : هذا صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه ابن سعد، عن محمود بن لبيد قال : غدا بشير فذكره مختصراً، وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطوّلة عن جماعة من التابعين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى