محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٦ من سورة النساء في ٩٧ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، و٥ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة النساء

٩٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٥:القول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً﴾..
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ : إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني القرآن، ﴿لتَحْكُمَ بَيْنَ النَاسِ﴾ لتقضي بين الناس، فتفصل بينهما ﴿بِما أرَاكَ اللّه﴾ يعني : بما أنزل الله إليك من كتابه. ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصيما﴾ يقول : ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله، خصيما تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ﴾ يا محمدُ وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. ﴿إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما﴾ يقول : إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيما بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن. وقد قيل إن النبيّ ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه همّ بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما همّ به من ذلك. وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم بنو أُبَيْرِق.
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه فوصفه الله بها، فقال بعضهم : كانت سرقة سرقها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمْ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾... إلى قوله :﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ﴾ فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق ودرعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبيّ : اعذره في الناس بلسانك ! ورمَوا بالدرع رجلاً من يهود بريئا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، قال : حدثنا محمد بن سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بِشر وبُشَير مبشّر، وكان بشير رجلاً منافقا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول : قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر، قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال :
أوَ كُلّما قالَ الرّجالُ قَصِيدَةًأضِمُوا وقالُوا ابنُ الأبَيْرِقِ قالَهَا
قال : وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام بالدّرمك، ابتاع الرجل منهم، فخصّ به نفسه، فأما العيال : فإنما طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك، فجعله في مشرَبة له، وفي المشربة سلاح له : درعان وسيفاهما وما يصلحهما. فَعُدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعّلمْ أنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بسلاحنا وطعامنا. قال : فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم. قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار : والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهم ! رجل منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق فقال : والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيننّ هذه السرقة ! قالوا : إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها ! فسألنا في الدار حتى لم نشكّ أنهم أصحابها، فقال عمي : يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقلت : يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله ﷺ :«سأنْظُرُ في ذلك ». فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثَبَت. قال قتادة : فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال :«عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بالسّرِقَةِ على غيرِ بَيّنَةٍ وَلا ثَبَتٍ ! ». قال : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال : يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال : الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ يعني : بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِر اللّهَ﴾ أي مما قلت لقتادة، ﴿إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما وَلا تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أي بني أبيرق ﴿إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾... إلى قوله :﴿ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ، يَجِدِ اللّهَ غَفُورا رَحِيما﴾ : أي أنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إثْما فإنمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ وكانَ اللّهُ عَلِيما حَكِيما وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانا وَإثْما مُبِينا﴾ قولهم للبيد :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أنْ يُضِلّوكَ﴾ يعني أسيرا وأصحابه. ﴿وَما يُضِلّونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ وَما يَضُرّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وأنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾... إلى قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرا عَظِيما﴾، فلما نزل القرآن أتِيَ رسول الله ﷺ بالسلاح، فردّه إلى رفاعة. قال قتادة : فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً¹ فلما أتيته بالسلاح، قال : يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال : فعرفت أن إسلامه كان صحيحا. فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سهل، فأنزل الله فيه :﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتّبِعْ غيرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾... إلى قوله :﴿وَمَنْ يُشْرِكْ باللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيدا﴾. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر. فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمته بالأبطح، ثم قالت : أهديت إليّ شعر حسان ! ما كنت تأتيني بخير.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ يقول : بِمَا أنزل الله عليك وبيّن لك، ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصِيما﴾ فقرأ إلى قوله :﴿إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما﴾. ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق وفيما همّ به نبيّ الله ﷺ من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه ﷺ وحذّره أن يكون للخائنين خصيما. وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظَفَر، سرق درعا لعمه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهوديّ كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى نبيّ الله ﷺ يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى نبيّ الله ﷺ ليعذروا صاحبهم، وكان نبيّ الله عليه الصلاة والسلام قد همّ بعُذره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال :﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله :﴿ها أنْتُمْ هؤلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَياةِ الدّنيْا فَمَنْ يُجادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني بذلك قومه، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْم بِهِ بَريئا فَقَد احْتَمَلَ بُهْتانا وإثْما مُبِينا﴾، وكان طعمة قذف بها بريئا. فلما بين الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه :﴿وَمَنْ يُشاقِق الرّسُولَ مِنْ بَعْد ما تَبَيّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتّبِعْ غيرَ سَبِيل المُؤْمِنِينَ نُوَلّه ما تَوَلىّ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَساءَتْ مَصِيرا﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاس بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ وذلك أن نفرا من الأنصار غزوا مع النبيّ ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأَظَنّ بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ، فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأُتي به رسول الله ﷺ، فلما رأى السارق ذلك، عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته : إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلاً، فقالوا : يا نبيّ الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أُحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك ! فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ يقول : احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب، ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾.... الآية، ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلاً :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ﴾.... إلى قوله :﴿أم مّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب. ثم قال :{ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْ

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"،"إنا أنزلنا إليك" يا محمد="الكتاب"، يعني: القرآن="لتحكم بين الناس"، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم="بما أراك
الله"، يعني: بما أنزل الله إليك من كتابه="ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يقول: ولا تكن لمن خان مسلمًا أو معاهدًا في نفسه أو ماله="خصيما" تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقِّه الذي خانه فيه="واستغفر الله"، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره="إن الله كان غفورًا رحيمًا"، يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها="رحيما" بهم. (١)
فافعل ذلك أنت، يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن.
* * *
وقد قيل إن النبي ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك.
* * *
وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلَّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم: بنو أُبَيْرِق.
* * *
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه، فوصفه الله بها.
فقال بعضهم: كانت سرقًة سرقها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٠٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله"، فيما بين ذلك، في ابن أبيرق، (٢) ودرعه من حديد، من يهود، التي سرق، (٣)
(١) انظر تفسير"الاستغفار"، و"كان" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف في فهارس اللغة.
(٢) في المطبوعة: "طعمة بن أبيرق"، وسيأتي ذكر"طعمة بن أبيرق" في رقم: ١٠٤١٢، ولكنه في المخطوطة هنا"ابن أبيرق"، وسترى الاختلاف في الآثار في بني أبيرق هؤلاء.
(٣) قوله"من يهود" أثبتها من المخطوطة.
وقال أصحابه من المؤمنين للنبي:"اعذره في الناس بلسانك"، ورموا بالدّرع رجلا من يهود بريئًا.
١٠٤١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه. (١)
١٠٤١١- حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبَشِير، ومُبَشِّر، وكان بشير رجلا منافقًا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول:"قال فلان كذا"، و"قال فلان كذا"، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث! فقال: (٢)
أَوَ كُلَّمَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً... أَضِمُوا وَقَالُوا: ابْنُ الأبَيْرِقِ قَالَهَا! (٣)
قال: وكانوا أهل بيت فاقةٍ وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس
(١) الأثر: ١٠٤١٠ - هذا الأثر غير ثابت في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "إلا هذا الخبيث"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة: "نحلت وقالوا"، وتركت ما في المطبوعة على حاله، وقد جاء هذا البيت في المستدرك للحاكم خطأ:والذي هنا هو صوابه، وأنشد بعده هناك:
...................ضموا إلى بان أبيرق قالها
مُتَخَمِّطِينَ كأنَّنِي أَخْشَاهُمجَدَعَ الإِلهُ أُنُوفَهُمْ فَأَبَانَهَا
هكذا جاء على الإقواء، على الخلاف بين القافية في"قالها" و"أبانها" وهو عيب جاء مثله في الشعر، لتقارب مخرج اللام والنون، وأعانه على ذلك وجود الهاء والألف صلة للقافية.
وقوله: "أضموا" أي: غضبوا عليه وحقدوا. وقوله: "متخمطين"، قد غضبوا وهدروا وثاروا وأجلبوا. رجل متخمط: شديد الغضب له ثورة وجلبة. وفي المستدرك: "متخطمين" بتقدم الطاء على الميم، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
إنما طعامهم بالمدينة التمر والشَّعير، وكان الرجل إذا كان له يَسَار فقدمت ضَافِطة من الشأم بالدَّرْمك، (١) ابتاع الرجل منها فخصَّ به نفسه. (٢) فأما العِيال، فإنما طعامهم التمر والشَّعير. فقدمت ضافطة من الشأم، فابتاع عمي رِفاعة بن زيد حملا من الدَّرمك، فجعله في مَشْرُبة له، (٣) وفي المشربة سلاح له: دِرْعَان وسيفاهما وما يصلحهما. فعُدِي عليه من تحت الليل، (٤) فنُقِبَت المشربة، وأُخِذَ الطعام والسّلاح. فلما أصبح، أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، تعلَّم أنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، (٥) فنقبت مشرُبتنا، فذُهِب بسلاحنا وطعامنا! قال: فتحسّسنا في الدار، (٦) وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم.
= قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل! = رجلا منا له صلاح وإسلام. (٧) فلما سمع بذلك لبيد، اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: (٨) والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتُبَيّننَّ هذه
(١) الضافطة: كانوا قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما. ثم قالوا للذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكاري الذي يكري الأحمال"الضافطة" و"الضفاط". و"الدرمك" هو الدقيق النقي الحواري، الأبيض.
(٢) في المطبوعة: "ابتاع الرجل منهم"، وفي المخطوطة: "منا"، وأثبت ما في المراجع.
(٣) "المشربة" (بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء أو ضمها) : وهي الغرفة، أو العلية، أو الصفة بين يدي الغرفة. والمشارب: العلالي.
(٤) في المراجع الأخرى: "من تحت البيت"، وكأن الذي في الطبري هو صواب الرواية.
(٥) "تعلم" (بتشديد اللام)، بمعنى: اعلم.
(٦) في المطبوعة والمخطوطة: "فتجسسنا" بالجيم، وهي صواب، وأجود منها بالحاء، كما في سائر المراجع."تحسس الخبر": تطلبه وتبحثه، وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".
و"الدار" هنا: المحلة التي تنزلها القبيلة أو البطن منها، ويعني بها القبيلة أو البطن، كما جاء في الحديث: "ألا أنبئكم بخير دور الأنصار؟ دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل، وفي كل دور الأنصار خير". يعني القبيلة المجتمعة في محلة تسكنها.
(٧) في المطبوعة: "رجل" بالرفع، كأنه استنكر النصب! وهو صواب محض عال.
(٨) "اخترط سيفه": سله من غمده.
السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها! فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسولَ الله ﷺ فذكرت ذلك له!
= قال قتادة: فأتيت رَسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهلَ جفاءٍ، (١) عَمَدُوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشرُبة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. (٢) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. (٣) فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له:"أسير بن عروة"، فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عَمَدوا إلى أهل بيت منا أهلَ إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بَيِّنةٍ ولا ثَبَت. (٤)
= قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: عَمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثَبَت!! قال: فرجعت ولوِددْتُ أنِّي خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رَسول الله ﷺ في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان!
= فلم نلبث أن نزل القرآن:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يعني: بني أبيرق="واستغفر الله"، أي: مما قلت لقتادة="إن الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون
(١) "الجفاء" غلظ الطبع.
(٢) في المخطوطة: "فلا حاجة لنا به"، وهما سواء.
(٣) في المطبوعة: "سأنظر في ذلك"، وفي الترمذي وابن كثير: "سآمر في ذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الثبت" (بفتحتين) : الحجة والبينة والبرهان.
أنفسهم"، أي: بني أبيرق="إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا يستخفون من الناس إلى قوله:"ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، أي: إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم="ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليمًا حكيمًا ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يَرْم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، قولهم للبيد="ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك"، يعني: أسيرًا وأصحابه="وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرُّونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة" إلى قوله:"فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا".
فلما نزل القرآن، أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فردَّه إلى رفاعة. = قال قتادة: فلما أتيتُ عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، (١) وكنت أرى إسلامه مَدْخولا (٢) فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال: فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا. فلما نزل القرآن، لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة ابنة سعد بن شُهَيد، (٣) فأنزل الله فيه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ
(١) "عسا في الجاهلية" أي: كبر وأسن، من قولهم: "عسا العود" أي: يبس واشتد وصلب.
(٢) "المدخول"، من"الدخل" (بفتحتين) وهو العيب والفساد والغش، يعني أن إيمانه كان فيه نفاق. ورجل مدخول: أي في عقله دخل وفساد.
(٣) في المطبوعة: "سلافة بنت سعد بن سهل"، وفي المخطوطة: "... بنت سعد بن سهيل"، وفي الترمذي وابن كثير"بنت سعد بن سمية" وفي المستدرك: "سلامة بنت سعد بن سهل، أخت بني عمرو بن عوف، وكانت عند طلحة بن أبي طلحة بمكة".
والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته، وقد جاءت على الصواب في الدر المنثور، ثم جاءت كذلك في ديوان حسان بن ثابت.
و"سلافة بنت سعد بن شهيد" أنصارية من بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، استظهرت نسبها: "سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس". وذلك من جمهرة الأنساب لابن حزم، ص: ٣١٤، إذ ذكر"عويمر بن سعد بن شهيد بن عمرو... " وقال: "له صحبة، ولاه عمر فلسطين". ولم أجد في تراجم الصحابة وسائر المراجع"عويمر بن سعد بن شهيد". هذا، ولكن نقل ابن حزم صحيح بلا شك. فإن يكن ذلك، فعويمر هذا أخو سلافة هذه. و"سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية" معروفة غير منكورة، فهي زوج طلحة بن أبي طلحة، وهي أم مسافع، والجلاس، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة (ابن هشام ٣: ٦٦)، وقد قتلوا يوم أحد هم وأبوهم، قتل مسافعًا والجلاس، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، حمى الدبر، فنذرت سلافة: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر! فمنعته الدبر (النحل) حين أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة (ابن هشام ٣: ١٨٠).
فهذا تحقيق اسمها إن شاء الله، يصحح به ما في الترمذي والمستدرك ومن نقل عنهما.
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) إلى قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا). فلما نزل على سلافة، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، (١)
فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمتْ به في الأبطح، (٢) ثم قالت: أهديتَ إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير! (٣)
(١) شعر حسان هذا في ديوانه: ٢٧١ يقول في أوله يذكر سلافة بالسوء من القول، قال:
وَمَا سَارِقُ الدِّرْعَيْنِ إنْ كُنْتَ ذاكِرًابذي كَرَمٍ من الرجالِ أُوَادِعُهْ
فَقَدْ أَنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ، فأَصْبَحَتْيُنَازِعُهَا جِلْدَ اسْتِها وَتُنَازِعُهْ
(٢) في المطبوعة: "فرمته بالأبطح"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في الترمذي. و"الأبطح"، هو أبطح مكة، أو: بطحاء مكة، وهو مسيل واديها.
(٣) الأثر: ١٠٤١١ -"الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأموي" أبو مسلم الحراني. من أهل حران، سكن بغداد. قال الخطيب: "ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب". روى عن محمد بن سلمة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢، وتاريخ بغداد ٧: ٢٦٦.
وهذا الأثر رواه الترمذي في السنن، في تفسير هذه الآية، بإسناد الطبري نفسه، أعني عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب. ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٨٥، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٧٤-٥٧٦، والسيوطي في الدر ٢: ٢١٤، ٢١٥، وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
وإسناد الحاكم في المستدرك:
"حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، حدثني محمد بن إسحاق"، وساق إسناده مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان، كما في التفسير والترمذي.
وأشار الخطيب البغدادي إلى هذا الخبر بإسناده: "أخبرنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف، أخبر محمد بن عبد الله الشافعي قال، حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب (وهو أبو شعيب)، حدثنا جدي وأبي جميعًا فقالا، حدثنا محمد بن سلمة" وساقه كإسناد أبي جعفر.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب أن أبا مسلم الحراني (الحسن بن أحمد) روى عن أبيه وجده، وأخشى أن يكون وهم، وجاءه الوهم من هذا الإسناد لقوله"حدثني جدي وأبي جميعًا"، وإنما قائل ذلك هو عبد الله بن الحسن بن أحمد، لا الحسن بن أحمد.
ثم قال الخطيب البغدادي: "قال أبو شعيب: "قال أبي (يعني الحسن بن أحمد) : سمعه مني يحيى بن معين ببغداد في مسجد الجامع، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن أبي إسرائيل". وأما في ابن كثير، فقائل هذا: "محمد بن سلمة"، وهو الصواب.
وقال الحاكم في المستدرك (ولفظه مخالف لفظ الطبري) :"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
أما الترمذي فقد قال: "هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، مرسلا، لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده".
غير أن الحاكم: رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير، مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان.
١٠٤١٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"، يقول: بما أنزل الله عليك وبيَّن لك="ولا تكن للخائنين خصيمًا"، فقرأ إلى قوله:"إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا". ذُكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طُعْمة بن أبيرق، وفيما همَّ به نبي الله ﷺ من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيَّه وحذّره أن يكون للخائنين خصيمًا.
= وكان طعمة بن أبيرق رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعًا لعمّه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم، (١) يقال له:"زيد بن السمين". (٢) فجاء اليهودي إلى نبي الله ﷺ يُهْنِف، (٣) فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاؤوا إلى نبي الله ﷺ ليعذروا صاحبهم،
(١) في المخطوطة والدر المنثور: "فقدمها" والصواب ما في المطبوعة.
(٢) في أسباب النزول للواحدي: ١٣٤: "زيد بن السمير" بالراء، وسائر الكتب كما هنا في المطبوعة والمخطوطة.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "يهتف" بالتاء، كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله ويناشده. ولكني رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: "أهنف الصبي إهنافًا"، إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجال: "أهنف الرجل"، إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح.
وكان نبي الله عليه السلام قد همَّ بعُذْره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال:"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم" إلى قوله:"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة"، يعني بذلك قومه="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، وكان طعمة قذَف بها بريئًا. فلما بيَّن الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه:
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
١٠٤١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، وذلك أن نفرًا من الأنصار غزوا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظَنَّ بها رجلا من الأنصار، (١) فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى السارق ذلك، عَمَد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيَّبْتُ الدرعَ وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلا (٢) فقالوا: يا نبيّ الله، إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطْنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلا يعصمه الله بك يهلك! (٣) فقام رسول الله صلى الله
(١) "ظننت الرجل، وأظننته"، اتهمته. و"الظنة" (بالكسر) : التهمة.
(٢) "ليلا" غير موجودة في المخطوطة، ولكن سيأتي بعد أسطر ما يدل على صواب إثباتها.
(٣) في المطبوعة: "إن لم يعصمه الله"، والذي في المخطوطة، صواب عريق.
عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يقول: احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب="واستغفر الله إنّ الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم" الآية. ثم قال للذين أتوا رسول الله عليه السلام ليلا"يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله" إلى قوله:"أم من يكون عليهم وكيلا"، يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائن= ثم قال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب (١) = ثم قال:"ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، يعني: السارقَ والذين يجادلون عن السارق.
١٠٤١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ! وكان للرجل الذي سرق جيرانٌ يبرِّئونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به! قال: حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل في ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله" بما قلت لهذا اليهودي="إن الله كان غفورًا رحيمًا"= ثم أقبل على جيرانه فقال:"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا" فقرأ حتى بلغ"أم من يكون عليهم وكيلا". قال: ثم عرض التوبة فقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم
(١) في المطبوعة، سقط من الناشر من أول قوله: "يجادلون عن الخائن" إلى قوله: "بالكذب"، فأثبتها من المخطوطة.
يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه"، فما أدخلكم أنتم أيها الناس، على خطيئة هذا تكلَّمون دونه="وكان الله عليمًا حكيمًا ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا"، وإن كان مشركًا="فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، فقرأ حتى بلغ:"لا خير في كثير من نجواهم"، (١) فقرأ حتى بلغ:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى". قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرَض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، (٢) فهدمه الله عليه فقتله. فذلك قول الله تبارك وتعالى (٣) "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى"، فقرأ حتى بلغ"وساءت مصيرًا"= ويقال: هو طعمة بن أبيرق، وكان نازلا في بني ظَفر.
* * *
وقال آخرون: بل الخيانة التي وصف الله بها من وصفه بقوله:"ولا تكن للخائنين خصيمًا"، جحودُه وديعة كان أودِعها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤١٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، قال: أما"ما أراك الله"، فما أوحى الله إليك. قال: نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعًا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها. فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها. فلما جاء اليهودي يطلب درعه، كافره عنها، (٤) فانطلق إلى ناس من
(١) سقط من المطبوعة: "فقرأ حتى بلغ: لا خير في كثير من نجواهم"، وزاد في التي بعدها: "حتى بلغ إلى قوله". وأثبت نص المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "ليسرقه"، والذي في المخطوطة صواب معرق.
(٣) في المطبوعة: "فذلك قوله"، وأثبت نص المخطوطة.
(٤) "كافره حقه": جحده، و"كافره عنه"، عربي صريح.
اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي، فإني أعرف موضع الدرع. فلما علم بهم طعمة، أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مُلَيْلٍ الأنصاري. فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبُّوه، وقال: أتخوِّنونني! فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على بيت أبي مليل، فإذا هم بالدرع. وقال طعمة: أخذها أبو مليل! وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ فقولوا له يَنْضَح عني ويكذِّب حجة اليهودي، (١) فإني إن أكذَّب كذب على أهل المدينة اليهودي! فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي. فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل، فأنزل الله عليه:"ولا تكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله" مما أردت="إن الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيما"= ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال:"يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول"، يقول: يقولون ما لا يرضى من القول (٢) ="ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة"= ثم دعا إلى التوبة فقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"= ثم ذكر قوله حين قال:"أخذها أبو مليل" فقال:"ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه" ="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا" = ثم ذكر الأنصار وإتيانها إياه: (٣) أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه، فقال:"لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة"، يقول: النبوة= ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذِّبوا عن طعمة، فقال:"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس". فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن عِلاط السُّلَمي، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعةَ جلودٍ كانت عنده، (٤) فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابنَ عمي وأردتَ أن تسرقني!! فأخرجه، فمات بحرَّة بني سُلَيم كافرًا، (٥) وأنزل الله فيه:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّه ما تولَّى" إلى"وساءت مصيرًا".
١٠٤١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: استودع رجل من الأنصار طعمةَ بن أبيرق مشرُبة له فيها درع، (٦) وخرج فغاب. فلما قدم الأنصاري فتح مشربته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين: فتعلَّق صاحب الدرع بطُعمة في درعه. فلما رأى ذلك قومه، أتوا النبي ﷺ فكلموه ليدْرأ عنه، فهمّ بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم"، يعني: طعمة بن أبيرق وقومه= "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في
(١) "نضح عنه": أي ذب عنه ودفع بحجة تنفي عنه ما اتهم به.
(٢) قوله: "يقول: يقولون ما لا يرضى من القول"، غير موجودة في المخطوطة، وأخشى أن تكون زيادة من ناسخ. وسيأتي معنى"التبيت" على وجه الدقة فيما يلي ص: ١٩١، ١٩٢.
(٣) في المطبوعة: "وإتيانهم إياه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الخشخشة": صوت حركة، تكون من السلاح إذا احتك، والثوب الجديد، ويبيس النبات. و"القعقعة": أشد من الخشخشة، صوت يكون من الجلد اليابس، والسلاح إذا ارتطم بعضه ببعض.
(٥) "حرة بني سليم" في عالية نجد. و"الحرة" أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار.
(٦) المشربة: الغرفة، كما أسلفت في التعليق.
الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا"، محمد ﷺ وقوم طعمة= "ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا"، محمد وطعمة وقومه= قال:"ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه" الآية، طعمة="ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا"، يعني زيد بن السمين="فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا"، طعمة بن أبيرق="ولولا فضل الله عليك ورحمته" يا محمد="لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء"، قوم طعمة بن أبيرق="وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا" يا محمد (١) ="لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف"، حتى تنقضي الآية للناس عامة="ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غيرَ سبيل المؤمنين" الآية. قال: لما نزل القرآن في طعمة بن أبيرق، لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشرُبة للحجاج بن عِلاط البَهْزِيّ ثم السُّلمي، (٢) حليفٌ لبني عبد الدار، فنقبها، فسقط عليه حجر فلَحِج. (٣) فلما أصبح أخرجوه من مكة. فخرجَ فلقي ركبًا من بَهْرَاء من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل مُنْقَطَعٌ به! فحملوه، حتى إذا جنَّ عليه الليل عَدَا عليهم فسرقهم، ثم انطلق. فرجعوا في طلبه فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات= قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، أنزلت في طعمة بن أبيرق= ويقولون: إنه رمى بالدرع في دار أبي مليل بن عبد الله الخَزْرجي، فلما نزل القرآن لحق بقريش، فكان من أمره ما كان.
١٠٤١٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"لتحكم بين الناس بما أراك الله"، يقول: بما أنزل عليك وأراكه في كتابه. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استُودع درعًا فجحد صاحبها، فخوّنه رجال من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه، وأتوا نبي الله ﷺ وقالوا: خوَّنوا صاحبنا، وهو أمين مسلم، فاعذره يا نبي الله وازْجُر عنه! فقام نبي الله فعذره وكذَّب عنه، وهو يرى أنه بريء، وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"أم من يكون عليهم وكيلا"، فبين الله خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتدّ عن الإسلام، فنزل فيه:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" إلى قوله:"وساءت مصيرًا".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بما دل عليه ظاهر الآية، قول من قال: كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية، جحودَه ما أودع، لأن ذلك هو المعروف من معاني"الخيانات" في كلام العرب. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل، أولى من غيره.
* * *
(١) في المطبوعة: "محمد صلى الله عليه وسلم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"البهري"، وهو تصحيف. ولا يعجبني هذا، بل الصحيح أن يقال: "السلمي ثم البهزي" بالتقديم والتأخير، فإنه"بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور"، فبهز بطن من سليم بن منصور.
(٣) "لحج بالمكان": نشب فيه ولزمه وضاق عليه أن يخرج منه. و"لحج السيف": نشب في الغمد فلم يخرج.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
مِنْ أَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى كل حال.

[سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)
يَقُولُ تَعَالَى: مُخَاطِبًا لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أَيْ هُوَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْحَقَّ فِي خَبَرِهِ وَطَلَبِهِ، وَقَوْلُهُ: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ من علماء الأصول إلى أنه كان صلّى الله عليه وسلّم لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هي قطعة من النار فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرْهَا» «١».
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ، لَيْسَ عِنْدَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا «٣» فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَّا إِذَا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما «٤»، ثم ليحلل كل مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِهِ، وَزَادَ «إِنِّي إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيٍ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ» «٥».
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نفرا من الأنصار غزوا مع
(١) صحيح البخاري (شهادات باب ٢٧ وحيل باب ١٠ وأحكام باب ٢٠) وصحيح مسلم (أقضية حديث ٤) وسنن أبي داود (أقضية باب ٧) وسنن ابن ماجة (أحكام باب ٥) وموطأ مالك (أقضية حديث ١).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٣٢.
(٣) السطام والإسطام: المسعار، وهو حديدة عريضة الرأس تحرك بها النار. والمراد أنه يقضي له بما يمكن أن يسعر عليه النار يوم الحساب إذا لم تكن حجته صحيحة.
(٤) استهما: اقترعا.
(٥) سنن أبي داود (أقضية باب ٧).
رسول الله ﷺ في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأَحَدِهِمْ، فَأُظِنَّ بِهَا رجلا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى صَاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمَّا رَأَى السَّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إِلَيْهَا فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وَقَالَ لِنَفَرٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ: إِنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وَأَلْقَيْتُهَا فِي بَيْتِ فُلَانٍ وَسَتُوجَدُ عِنْدَهُ، فَانْطَلِقُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ صَاحِبَنَا بَرِيءٌ وَإِنَّ صَاحِبَ الدِّرْعِ فُلَانٌ، وَقَدْ أَحَطْنَا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَاعْذُرْ صَاحِبَنَا عَلَى رُؤُوسِ الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَرَّأَهُ وَعَذَرَهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ الآية.
ثم قال تعالى لِلَّذِينِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِينَ بِالْكَذِبِ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
الآيتين، يَعْنِي الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِينَ يُجَادِلُونَ عَنِ الْخَائِنِينَ، ثُمَّ قال عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
[النساء: ١١٠]، يَعْنِي الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِينَ بِالْكَذِبِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
[النساء: ١١٢] يَعْنِي السَّارِقَ وَالَّذِينَ جَادَلُوا عَنِ السَّارِقِ، وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَكَذَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سارق بني أبريق عَلَى اخْتِلَافِ سِيَاقَاتِهِمْ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً، فَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْ جَامِعِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ «١» فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ أَبُو مُسْلِمٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله لبعض الْعَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رسول الله ﷺ ذلك الشِّعْرَ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ إِلَّا هَذَا الْخَبِيثُ أَوْ كَمَا قَالَ: الرَّجُلُ، وَقَالُوا: ابْنُ الْأُبَيْرِقِ قَالَهَا، قَالُوا: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ «٢» مِنَ الشَّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ «٣» ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهَا نَفْسَهُ، وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ
(١) تفسير الطبري ٤/ ٢٦٥.
(٢) الضافطة: العير تحمل المتاع. أو التجار يحملون الطعام وغيره.
(٣) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض.
فجعله في مشربة «١» له، وفي المشربة سلاح ودرع وَسَيْفٌ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ، فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ، وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ، وقال: وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا- وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ-: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنَّا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ؟! وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَلْتُ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهَّلُ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مُشْرَبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «سآمر في ذلك»، فلما سمع بذلك بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ، عَمِدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبْتٍ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ:
«عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ، تَرْمِيهِمْ بالسرقة على غير بينة ولا ثبت، قَالَ:
فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يعني بني أبيرق، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ أي مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- رَحِيماً أَيْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهُمْ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
- إلى قوله- إِثْماً مُبِيناً
[النساء: ١١١] قَوْلُهُمْ لِلَبِيدٍ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
- إلى قوله- فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:
٨٣] فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شيخا قد عسا «٢» أو عشا- الشَّكُّ مِنْ أَبِي عِيسَى- فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أرى إسلامه مدخولا «٣» لما أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً،
(١) المشربة: الغرفة والعلية. [.....]
(٢) عسا: كبر وأسنّ.
(٣) أي فيه فساد ونفاق.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما صدر منك إن صدر.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي : يغفر الذنب العظيم لمن استغفره، وتاب إليه وأناب ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك الموجِب لثوابه وزوال عقابه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما صدر منك إن صدر.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره، وتاب إليه وأناب ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك الموجِب لثوابه وزوال عقابه.
﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ "الاختيان" و "الخيانة" بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البُغْض، وهذا كالتعليل، للنهي المتقدم.
ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.
وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول ﷺ ليفعل ما بيتوه.
فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ أي: قد أحاط بذلك علما، ومع هذا لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم الموجب للعقوبة البليغة.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالُكم بعض ما تحذرون (١) من العار والفضيحة عند الخَلْق، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
فمن يجادل عنهم من يعلم السر وأخفى ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية إرشاد (٢) إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها.
فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟
وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب - ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبدَ تدبرُه، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي (٣) يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: من تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم ثم استغفر الله استغفارا تاما يستلزم الإقرار بالذنب والندم عليه والإقلاع والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة.
فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه، لأنه قد غفره، وإذا غفره غفر ما يترتب عليه.
واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي "سوءًا" لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.
وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه. ولكن -[٢٠١]- عند اقتران أحدهما بالآخر قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه، فيفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
ويفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده، وسمي ظلم النفس "ظلما" لأن نفس العبد ليست ملكا له يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى قد جعلها أمانة عند العبد وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم علمًا وعملا فيسعى في تعليمها ما أمر به ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه وخيانة وعدول بها عن العدل، الذي ضده الجور والظلم.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لكن إذا ظهرت السيئات فلم تنكر عمت عقوبتها وشمل إثمها، فلا تخرج أيضا عن حكم هذه الآية الكريمة، لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة.
وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: له العلم الكامل والحكمة التامة.
ومن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله، ويعلم حالة المذنب، أنه إن صدر منه الذنب بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء مع إنابته إلى ربه في كثير من أوقاته، أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة.
وإن صدر منه بتجرئه على المحارم استخفافا بنظر ربه، وتهاونا بعقابه، فإن هذا بعيد من المغفرة بعيد من التوفيق للتوبة.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أي: ذنبا كبيرا ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ما دون ذلك. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: يتهم بذنبه ﴿بَرِيئًا﴾ من ذلك الذنب، وإن كان مذنبا. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: فقد حمل فوق ظهره بهتا للبريء وإثمًا ظاهرًا بينًا، وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رَمْي مَن لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من العقوبة الدنيوية، تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها.
ثم ما يترتب على ذلك أيضا من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها ومن كل شر.
ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وذلك أن هذه الآيات الكريمات قد ذكر المفسرون أن سبب نزولها: أن أهل بيت سرقوا في المدينة، فلما اطلع على سرقتهم خافوا الفضيحة، وأخذوا سرقتهم فرموها ببيت من هو بريء من ذلك.
واستعان السارق بقومه أن يأتوا رسول الله ﷺ ويطلبوا منه أن يبرئ صاحبهم على رءوس الناس، وقالوا: إنه لم يسرق وإنما الذي سرق من وجدت السرقة ببيته وهو البريء. فهَمَّ رسول الله ﷺ أن يبرئ صاحبهم، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرا وتبيينا لتلك الواقعة وتحذيرا للرسول ﷺ من المخاصمة عن الخائنين، فإن المخاصمة عن المبطل من الضلال، فإن الضلال نوعان:
ضلال في العلم، وهو الجهل بالحق. وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب. فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال [كما حفظه عن الضلال في الأعمال] (٤).
وأخبر أن كيدهم ومكرهم يعود على أنفسهم، كحالة كل ماكر، فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ لكون ذلك المكر وذلك التحيل لم يحصل لهم فيه مقصودهم، ولم يحصل لهم (٥) إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران. وهذه (٦) نعمة كبيرة على رسوله ﷺ تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم.
ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: أنزل عليك هذا القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه تبيان كل شيء وعلم الأولين والآخِرين.
والحكمة: إما السُّنَّة التي قد قال فيها بعض السلف: إن السُّنَّة تنزل عليه كما ينزل القرآن.
وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، وتنزيل الأشياء منازلها وترتيب كل شيء بحسبه.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه ﷺ كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾.
ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، -[٢٠٢]- فكان أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ففضله على الرسول محمد ﷺ أعظم من فضله على كل مخلوق (٧).
وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به لا يمكن استقصاؤها (٨) ولا يتيسر إحصاؤها (٩).
(١) في ب: ما يحذرون.
(٢) في ب: الإرشاد.
(٣) في ب: من.
(٤) زيادة من هامش ب.
(٥) في النسختين: له وقد غيرتها للتوافق مع ما سبق من الضمائر.
(٦) في النسختين: وهذا.
(٧) في ب: الخلق.
(٨) في النسختين: استقصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل الصواب ما أثبت.
(٩) في النسختين: إحصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ١٠٦ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

بكسر التاء ليدلّ على أنه من فعل، ولا يجوز عند البصريين في تألمون كسر التاء لثقل الكسر فيها.

[سورة النساء (٤) : آية ١٠٥]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥)
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لام كي، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما أدغما الميم في الباء، ولا يجيز ذلك النحويون لأن في الميم غنّة.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٢]

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢)
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً
شرط. ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
عطف عليه وفي الكلام حذف من الأول على مذهب سيبويه ويقال: ما الفرق بين الخطيئة والإثم وقد عطف أحدهما على الآخر ففي هذا أجوبة: منها أنهما واحد ولكن لما اختلف اللفظان جاز هذا، وقيل: قد تكون الخطيئة صغيرة والإثم لا يكون إلا كبيرة، وقال أبو إسحاق «١» : سمّى الله جلّ وعزّ بعض المعاصي خطايا وسمّى بعضها إثما فأعلم أنه من كسب معصية تسمّى خطيئة أو كسب معصية تسمّى إثما ثم رمى بها من لم يعملها وهو منها بريء فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
والبهتان الكذب الذي يتحيّر من عظمه وشأنه.

[سورة النساء (٤) : آية ١١٣]

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣)
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
ما بعد «لولا» مرفوع بالابتداء عند سيبويه «٢» والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن نبّهك على الحقّ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
عن الحقّ لأنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبرّئ ابن أبيرق «٣» من التّهمة ويلحقها اليهوديّ فتفضّل الله جلّ وعزّ على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إيّاه. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
لأنهم يعملون عمل الضالين والله جلّ وعزّ يعصم رسوله صلّى الله عليه وسلّم. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
لأنك معصوم. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
حذفت الضمّة من النون للجزم وحذفت الواو لالتقاء الساكنين و «تعلم» في موضع نصب لأنه خبر «تكن».
(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٧٢.
(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨.
(٣) هو طعمة بن أبيرق الذي سرق الدرع ورماها في دار اليهودي (انظر الدر ٢/ ١١٧، والخازن ١/ ٥٩٦).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٦ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [١٠٥-١١٦].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٦ من سورة النساء

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥ أقوال
١
عن قتادة بن النعمان -من طريق عمر بن قتادة- ﴿واستغفر الله﴾ أي: مما قلت لقتادة، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٣٠٣٧)، وابن جرير ٧‏/‏٤٥٨-٤٦٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٠٥٩-١٠٦٠، والحاكم ٤‏/‏٣٨٥-٣٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٢
عن الحسن البصري: ﴿واستغفر الله﴾ مما كنت هممت به أن تعذره١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٠٣-.
٣
قال محمد بن السائب الكلبي: واستغفر الله يا محمد مِن هَمِّك باليهوديِّ أن تضربه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٨١.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿واستغفر الله﴾ يا محمد عن جدالك عن طعمة حين كذبت عنه، فأبرأته من السرقة، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾. فاستغفر النبي ﷺ عند ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٥.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿واستغفر الله﴾ بما قلت لهذا اليهوديِّ، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٤٦٤-٤٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذهب ابنُ جرير (٧/٤٧٥) إلى أنّ معنى قوله: ﴿واستغفر الله﴾: استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٣/١٨)، بقوله: «وهذا ليس بذنب؛ لأن النبي ﷺ إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدُّك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين، وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب».
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٦ من سورة النساء

٤ وقفات في هذه الآية

  • قُل : ( أستغفر الله ) ليفرج الله همك .. وينفس كربك .. وييسر أمرك و يجعل لك من كل ضيق مخرجا

    — نايف الفيصل

  • ليس بينك وبين رحمة الله إلا الاستغفار ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما﴾.

    — فوائد القرآن

  • مـجـالس في تدبر القرآن

    — خالد السبت

  • قال الله تعالى : { وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً } : - 1 - قُل : { أستغفر الله } ليفرج الله همك ، وينفس كربك ، وييسر أمرك ، و يجعل لك من كل ضيق مخرجا . 2- ليس بينك وبين رحمة الله إلا.... الاستغفار ، استغفر الله العظيم وأتوب إليه .

    — أحمد عيسى المعصراوى

ترجمات معاني الآية ١٠٦ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(106) And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال