جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً﴾..
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ : إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني القرآن، ﴿لتَحْكُمَ بَيْنَ النَاسِ﴾ لتقضي بين الناس، فتفصل بينهما ﴿بِما أرَاكَ اللّه﴾ يعني : بما أنزل الله إليك من كتابه. ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصيما﴾ يقول : ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله، خصيما تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ﴾ يا محمدُ وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. ﴿إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما﴾ يقول : إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيما بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن. وقد قيل إن النبيّ ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه همّ بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما همّ به من ذلك. وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم بنو أُبَيْرِق.
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه فوصفه الله بها، فقال بعضهم : كانت سرقة سرقها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمْ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾... إلى قوله :﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ﴾ فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق ودرعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبيّ : اعذره في الناس بلسانك ! ورمَوا بالدرع رجلاً من يهود بريئا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، قال : حدثنا محمد بن سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بِشر وبُشَير مبشّر، وكان بشير رجلاً منافقا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول : قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر، قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال :
| أوَ كُلّما قالَ الرّجالُ قَصِيدَةً | أضِمُوا وقالُوا ابنُ الأبَيْرِقِ قالَهَا |
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ﴾ يقول : بِمَا أنزل الله عليك وبيّن لك، ﴿وَلا تَكُنْ للْخائِنِينَ خَصِيما﴾ فقرأ إلى قوله :﴿إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ خَوّانا أثِيما﴾. ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق وفيما همّ به نبيّ الله ﷺ من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه ﷺ وحذّره أن يكون للخائنين خصيما. وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظَفَر، سرق درعا لعمه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهوديّ كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى نبيّ الله ﷺ يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى نبيّ الله ﷺ ليعذروا صاحبهم، وكان نبيّ الله عليه الصلاة والسلام قد همّ بعُذره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال :﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله :﴿ها أنْتُمْ هؤلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَياةِ الدّنيْا فَمَنْ يُجادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني بذلك قومه، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْم بِهِ بَريئا فَقَد احْتَمَلَ بُهْتانا وإثْما مُبِينا﴾، وكان طعمة قذف بها بريئا. فلما بين الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه :﴿وَمَنْ يُشاقِق الرّسُولَ مِنْ بَعْد ما تَبَيّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتّبِعْ غيرَ سَبِيل المُؤْمِنِينَ نُوَلّه ما تَوَلىّ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَساءَتْ مَصِيرا﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاس بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ وذلك أن نفرا من الأنصار غزوا مع النبيّ ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأَظَنّ بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ، فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأُتي به رسول الله ﷺ، فلما رأى السارق ذلك، عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته : إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلاً، فقالوا : يا نبيّ الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أُحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك ! فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله :﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بالحَقّ لِتَحْكُمَ بينَ النّاسِ بِمَا أرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُنْ للخائِنِينَ خَصِيما﴾ يقول : احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب، ﴿واسْتَغْفِرِ اللّهَ إنّ اللّهَ كانَ غَفُورا رَحِيما وَلا تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾.... الآية، ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلاً :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ﴾.... إلى قوله :﴿أم مّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب. ثم قال :{ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْما ثُمّ يَرْ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"،"إنا أنزلنا إليك" يا محمد="الكتاب"، يعني: القرآن="لتحكم بين الناس"، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم="بما أراك
فافعل ذلك أنت، يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن.
* * *
وقد قيل إن النبي ﷺ لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك.
* * *
وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلَّ ثناؤه نبيه ﷺ في خصومته عنهم: بنو أُبَيْرِق.
* * *
واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه، فوصفه الله بها.
فقال بعضهم: كانت سرقًة سرقها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤٠٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله"، فيما بين ذلك، في ابن أبيرق، (٢) ودرعه من حديد، من يهود، التي سرق، (٣)
(٢) في المطبوعة: "طعمة بن أبيرق"، وسيأتي ذكر"طعمة بن أبيرق" في رقم: ١٠٤١٢، ولكنه في المخطوطة هنا"ابن أبيرق"، وسترى الاختلاف في الآثار في بني أبيرق هؤلاء.
(٣) قوله"من يهود" أثبتها من المخطوطة.
١٠٤١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه. (١)
١٠٤١١- حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني قال، حدثنا محمد بن سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبَشِير، ومُبَشِّر، وكان بشير رجلا منافقًا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول:"قال فلان كذا"، و"قال فلان كذا"، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث! فقال: (٢)
أَوَ كُلَّمَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً... أَضِمُوا وَقَالُوا: ابْنُ الأبَيْرِقِ قَالَهَا! (٣)
قال: وكانوا أهل بيت فاقةٍ وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس
(٢) في المطبوعة: "إلا هذا الخبيث"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة: "نحلت وقالوا"، وتركت ما في المطبوعة على حاله، وقد جاء هذا البيت في المستدرك للحاكم خطأ:
| ................... | ضموا إلى بان أبيرق قالها |
| مُتَخَمِّطِينَ كأنَّنِي أَخْشَاهُم | جَدَعَ الإِلهُ أُنُوفَهُمْ فَأَبَانَهَا |
وقوله: "أضموا" أي: غضبوا عليه وحقدوا. وقوله: "متخمطين"، قد غضبوا وهدروا وثاروا وأجلبوا. رجل متخمط: شديد الغضب له ثورة وجلبة. وفي المستدرك: "متخطمين" بتقدم الطاء على الميم، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.
= قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل! = رجلا منا له صلاح وإسلام. (٧) فلما سمع بذلك لبيد، اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: (٨) والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتُبَيّننَّ هذه
(٢) في المطبوعة: "ابتاع الرجل منهم"، وفي المخطوطة: "منا"، وأثبت ما في المراجع.
(٣) "المشربة" (بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء أو ضمها) : وهي الغرفة، أو العلية، أو الصفة بين يدي الغرفة. والمشارب: العلالي.
(٤) في المراجع الأخرى: "من تحت البيت"، وكأن الذي في الطبري هو صواب الرواية.
(٥) "تعلم" (بتشديد اللام)، بمعنى: اعلم.
(٦) في المطبوعة والمخطوطة: "فتجسسنا" بالجيم، وهي صواب، وأجود منها بالحاء، كما في سائر المراجع."تحسس الخبر": تطلبه وتبحثه، وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".
و"الدار" هنا: المحلة التي تنزلها القبيلة أو البطن منها، ويعني بها القبيلة أو البطن، كما جاء في الحديث: "ألا أنبئكم بخير دور الأنصار؟ دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل، وفي كل دور الأنصار خير". يعني القبيلة المجتمعة في محلة تسكنها.
(٧) في المطبوعة: "رجل" بالرفع، كأنه استنكر النصب! وهو صواب محض عال.
(٨) "اخترط سيفه": سله من غمده.
= قال قتادة: فأتيت رَسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهلَ جفاءٍ، (١) عَمَدُوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشرُبة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. (٢) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. (٣) فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له:"أسير بن عروة"، فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عَمَدوا إلى أهل بيت منا أهلَ إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بَيِّنةٍ ولا ثَبَت. (٤)
= قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: عَمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثَبَت!! قال: فرجعت ولوِددْتُ أنِّي خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رَسول الله ﷺ في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان!
= فلم نلبث أن نزل القرآن:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، يعني: بني أبيرق="واستغفر الله"، أي: مما قلت لقتادة="إن الله كان غفورًا رحيمًا ولا تجادل عن الذين يختانون
(٢) في المخطوطة: "فلا حاجة لنا به"، وهما سواء.
(٣) في المطبوعة: "سأنظر في ذلك"، وفي الترمذي وابن كثير: "سآمر في ذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الثبت" (بفتحتين) : الحجة والبينة والبرهان.
فلما نزل القرآن، أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فردَّه إلى رفاعة. = قال قتادة: فلما أتيتُ عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، (١) وكنت أرى إسلامه مَدْخولا (٢) فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال: فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا. فلما نزل القرآن، لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة ابنة سعد بن شُهَيد، (٣) فأنزل الله فيه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ
(٢) "المدخول"، من"الدخل" (بفتحتين) وهو العيب والفساد والغش، يعني أن إيمانه كان فيه نفاق. ورجل مدخول: أي في عقله دخل وفساد.
(٣) في المطبوعة: "سلافة بنت سعد بن سهل"، وفي المخطوطة: "... بنت سعد بن سهيل"، وفي الترمذي وابن كثير"بنت سعد بن سمية" وفي المستدرك: "سلامة بنت سعد بن سهل، أخت بني عمرو بن عوف، وكانت عند طلحة بن أبي طلحة بمكة".
والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته، وقد جاءت على الصواب في الدر المنثور، ثم جاءت كذلك في ديوان حسان بن ثابت.
و"سلافة بنت سعد بن شهيد" أنصارية من بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، استظهرت نسبها: "سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس". وذلك من جمهرة الأنساب لابن حزم، ص: ٣١٤، إذ ذكر"عويمر بن سعد بن شهيد بن عمرو... " وقال: "له صحبة، ولاه عمر فلسطين". ولم أجد في تراجم الصحابة وسائر المراجع"عويمر بن سعد بن شهيد". هذا، ولكن نقل ابن حزم صحيح بلا شك. فإن يكن ذلك، فعويمر هذا أخو سلافة هذه. و"سلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية" معروفة غير منكورة، فهي زوج طلحة بن أبي طلحة، وهي أم مسافع، والجلاس، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة (ابن هشام ٣: ٦٦)، وقد قتلوا يوم أحد هم وأبوهم، قتل مسافعًا والجلاس، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، حمى الدبر، فنذرت سلافة: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر! فمنعته الدبر (النحل) حين أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة (ابن هشام ٣: ١٨٠).
فهذا تحقيق اسمها إن شاء الله، يصحح به ما في الترمذي والمستدرك ومن نقل عنهما.
فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمتْ به في الأبطح، (٢) ثم قالت: أهديتَ إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير! (٣)
| وَمَا سَارِقُ الدِّرْعَيْنِ إنْ كُنْتَ ذاكِرًا | بذي كَرَمٍ من الرجالِ أُوَادِعُهْ |
| فَقَدْ أَنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ، فأَصْبَحَتْ | يُنَازِعُهَا جِلْدَ اسْتِها وَتُنَازِعُهْ |
(٣) الأثر: ١٠٤١١ -"الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأموي" أبو مسلم الحراني. من أهل حران، سكن بغداد. قال الخطيب: "ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب". روى عن محمد بن سلمة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢، وتاريخ بغداد ٧: ٢٦٦.
وهذا الأثر رواه الترمذي في السنن، في تفسير هذه الآية، بإسناد الطبري نفسه، أعني عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب. ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٨٥، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٥٧٤-٥٧٦، والسيوطي في الدر ٢: ٢١٤، ٢١٥، وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
وإسناد الحاكم في المستدرك:
| "حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، حدثني محمد بن إسحاق | "، وساق إسناده مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان، كما في التفسير والترمذي. |
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب أن أبا مسلم الحراني (الحسن بن أحمد) روى عن أبيه وجده، وأخشى أن يكون وهم، وجاءه الوهم من هذا الإسناد لقوله"حدثني جدي وأبي جميعًا"، وإنما قائل ذلك هو عبد الله بن الحسن بن أحمد، لا الحسن بن أحمد.
ثم قال الخطيب البغدادي: "قال أبو شعيب: "قال أبي (يعني الحسن بن أحمد) : سمعه مني يحيى بن معين ببغداد في مسجد الجامع، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن أبي إسرائيل". وأما في ابن كثير، فقائل هذا: "محمد بن سلمة"، وهو الصواب.
وقال الحاكم في المستدرك (ولفظه مخالف لفظ الطبري) :"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
أما الترمذي فقد قال: "هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، مرسلا، لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده".
غير أن الحاكم: رواه كما ترى من طريق يونس بن بكير، مرفوعًا إلى قتادة بن النعمان.
= وكان طعمة بن أبيرق رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر، سرق درعًا لعمّه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم، (١) يقال له:"زيد بن السمين". (٢) فجاء اليهودي إلى نبي الله ﷺ يُهْنِف، (٣) فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاؤوا إلى نبي الله ﷺ ليعذروا صاحبهم،
(٢) في أسباب النزول للواحدي: ١٣٤: "زيد بن السمير" بالراء، وسائر الكتب كما هنا في المطبوعة والمخطوطة.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "يهتف" بالتاء، كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله ويناشده. ولكني رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: "أهنف الصبي إهنافًا"، إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجال: "أهنف الرجل"، إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح.
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
١٠٤١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، وذلك أن نفرًا من الأنصار غزوا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظَنَّ بها رجلا من الأنصار، (١) فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: إنّ طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى السارق ذلك، عَمَد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيَّبْتُ الدرعَ وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله ﷺ ليلا (٢) فقالوا: يا نبيّ الله، إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطْنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إلا يعصمه الله بك يهلك! (٣) فقام رسول الله صلى الله
(٢) "ليلا" غير موجودة في المخطوطة، ولكن سيأتي بعد أسطر ما يدل على صواب إثباتها.
(٣) في المطبوعة: "إن لم يعصمه الله"، والذي في المخطوطة، صواب عريق.
١٠٤١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ! وكان للرجل الذي سرق جيرانٌ يبرِّئونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به! قال: حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول، فعاتبه الله عز وجل في ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله" بما قلت لهذا اليهودي="إن الله كان غفورًا رحيمًا"= ثم أقبل على جيرانه فقال:"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا" فقرأ حتى بلغ"أم من يكون عليهم وكيلا". قال: ثم عرض التوبة فقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم
* * *
وقال آخرون: بل الخيانة التي وصف الله بها من وصفه بقوله:"ولا تكن للخائنين خصيمًا"، جحودُه وديعة كان أودِعها.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٤١٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا"، قال: أما"ما أراك الله"، فما أوحى الله إليك. قال: نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعًا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها. فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها. فلما جاء اليهودي يطلب درعه، كافره عنها، (٤) فانطلق إلى ناس من
(٢) في المطبوعة: "ليسرقه"، والذي في المخطوطة صواب معرق.
(٣) في المطبوعة: "فذلك قوله"، وأثبت نص المخطوطة.
(٤) "كافره حقه": جحده، و"كافره عنه"، عربي صريح.
١٠٤١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: استودع رجل من الأنصار طعمةَ بن أبيرق مشرُبة له فيها درع، (٦) وخرج فغاب. فلما قدم الأنصاري فتح مشربته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين: فتعلَّق صاحب الدرع بطُعمة في درعه. فلما رأى ذلك قومه، أتوا النبي ﷺ فكلموه ليدْرأ عنه، فهمّ بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم"، يعني: طعمة بن أبيرق وقومه= "ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في
(٢) قوله: "يقول: يقولون ما لا يرضى من القول"، غير موجودة في المخطوطة، وأخشى أن تكون زيادة من ناسخ. وسيأتي معنى"التبيت" على وجه الدقة فيما يلي ص: ١٩١، ١٩٢.
(٣) في المطبوعة: "وإتيانهم إياه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) "الخشخشة": صوت حركة، تكون من السلاح إذا احتك، والثوب الجديد، ويبيس النبات. و"القعقعة": أشد من الخشخشة، صوت يكون من الجلد اليابس، والسلاح إذا ارتطم بعضه ببعض.
(٥) "حرة بني سليم" في عالية نجد. و"الحرة" أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار.
(٦) المشربة: الغرفة، كما أسلفت في التعليق.
١٠٤١٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"لتحكم بين الناس بما أراك الله"، يقول: بما أنزل عليك وأراكه في كتابه. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استُودع درعًا فجحد صاحبها، فخوّنه رجال من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه، وأتوا نبي الله ﷺ وقالوا: خوَّنوا صاحبنا، وهو أمين مسلم، فاعذره يا نبي الله وازْجُر عنه! فقام نبي الله فعذره وكذَّب عنه، وهو يرى أنه بريء، وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" إلى قوله:"أم من يكون عليهم وكيلا"، فبين الله خيانته، فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتدّ عن الإسلام، فنزل فيه:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى" إلى قوله:"وساءت مصيرًا".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بما دل عليه ظاهر الآية، قول من قال: كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية، جحودَه ما أودع، لأن ذلك هو المعروف من معاني"الخيانات" في كلام العرب. وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل، أولى من غيره.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"البهري"، وهو تصحيف. ولا يعجبني هذا، بل الصحيح أن يقال: "السلمي ثم البهزي" بالتقديم والتأخير، فإنه"بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور"، فبهز بطن من سليم بن منصور.
(٣) "لحج بالمكان": نشب فيه ولزمه وضاق عليه أن يخرج منه. و"لحج السيف": نشب في الغمد فلم يخرج.