تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٠٤
وقوله تعالى :﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾ في الآية دلالة فرضية الجهاد، لأنه عز وجل أخبر أنهم يألمون، ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم، وتتوجعون. فلو(١) كان فضلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع( كما يرفع شأن )(٢) النوافل عند الألم والتوجع. فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين. وقد ذكرنا في ما تقدم هذا الوجه فيه.
وقوله تعالى :﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾ فمعناه، والله أعلم : أي لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم، فإنهم يألمون كما تألمون، ولا يضعفون في ذلك، وترجون أنتم العاقبة من الثواب الجزيل ما لا يرجون.
ثم هم لا يضعفون، فكيف تضعفون أنتم في ذلك ؟ وكل أمر، لا عاقبة له، فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة، وهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة، فأنتم أولى بذلك.
ودل قوله تعالى :﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾ على تأكيد(٣) فرضية الجهاد ؛ إذ لم يأذن لهم في التخلف عن ذلك على ما فيه من التألم وخوف هلاك النفس في ذلك، ثم بين ما يخف لمثله تحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة الإتعاب في النفس من عواقب تنقطع، وتزول، فكيف في ما لا انقطاع له من رجاء الثواب بذلك التألم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وكان الله عليم حكيما﴾ بتألمكم، أي عن علم بالتألم أمركم أمركم بذلك عن جهل، وقد ذكرنا في غير موضع.
١ أدرج قبلها في الأصل وم العبارة التالية: في الآية دلالة فرضية بها..
٢ في الأصل وم: ما يرفع ساء..
٣ في الأصل وم: تأكد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى