السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ أي : يخونونها بالمعاصي ؛ لأنّ وبال خيانتهم عليهم.
فإن قيل : لم قال ﴿للخائنين﴾ و﴿يختانون﴾ أنفسهم والخائن واحد فقط ؟ أجيب : بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه، وقيل : إنّ هذا خطاب مع صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كقوله تعالى :﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ ( يونس، ٩٤ ).
والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوّة على أحد وجوه ثلاثة : إمّا الذنب تقدّم على النبوّة، أو لذنوب أمّته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع ﴿إنّ الله لا يحب﴾ أي : يعاقب ﴿من كان خوّاناً﴾ أي : كثير الخيانة ﴿أثيماً﴾ أي : منهمكاً فيه.
روي أنّ طعمة هرب إلى مكة وارتدّ وثقب حائطاً ليسرق متاع أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
فإن قيل : لم قال خوّاناً أثيماً على المبالغة ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى كان عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المأثم، ومن كانت تلك خلقة أمره لم يشك في حاله، وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أنّ لها أخوات، وعن عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي وتقول : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال : كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أوّل مرّة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى