البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ هذا عام يندرج فيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم.
واختيان الأنفس هو مما يعود عليها من العقوبة في الآخرة والدنيا، كما جاء نسبة ظلمهم لأنفسهم.
والنهي عن الشيء لا يقتضي أن يكون المنهى ملابساً للمنهى عنه.
وروى العوفي عن ابن عباس : أن الرسول ﷺ خاصم عن طعمة، وقام يعذر خطيباً.
وروى قتادة وابن جبير : أنه همّ بذلك ولم يفعله.
﴿إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً﴾ أتى بصيغة المبالغة في الخيانة والإثم ليخرج منه من وقع منه المرة، ومن صدرت منه الخيانة على سبيل الغفلة وعدم القصد.
وفي صفتي المبالغة دليل على إفراط طعمة في الخيانة وارتكاب المآثم.
وقيل : إذا عثرت من رجل سيئة فاعلم أنّ لها أخوات.
وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وقالت : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال : كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
وتقدمت صفة الخيانة على صفة المآثم، لأنها سبب للإثم خان فأثم، ولتواخي الفواصل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
منها الاستعارة في : وإذا ضربتم في الأرض، وفي : فيميلون استعار الميل للحرب.
والتكرار في : جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي : فلتقم طائفة : ولتأت طائفة، وفي : الحذر والأسلحة، وفي : الصلاة، وفي : تألمون، وفي : اسم الله.
والتجنيس المغاير في : فيميلون ميلة، وفي : كفروا إن الكافرين، وفي : تختانون وخواناً، وفي : يستغفروا غفوراً.
والتجنيس المماثل في : فأقمت فلتقم، وفي : لم يصلوا فليصلوا، وفي : يستخفون ولا يستخفون، وفي : جادلتم فمن يجادل، وفي : يكسب ويكسب، وفي : يضلوك وما يضلون، وفي : وعلمك وتعلم.
قيل : والعام يراد به الخاص في : فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى.
وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر.
والإبهام في قوله : بما أراك الله وفي : ما لم تكن تعلم.
وخطاب عين ويراد به غيره وفي : ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه ﷺ محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين.
والتتميم في قوله : وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى