الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٥:قوله ( اِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ) الآية [ ١٠٥-١٠٨ ].
المعنى : إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ) أي : بما أنزلنا إليك من كتابه ( وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً ) أي : لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً.
وقد كثرت(١) الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد.
واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه : طعمة بن أبيرق(٢) وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه(٣) قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ يخبره بالدرع، وقال : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا(٤) ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يبرئوا(٥) صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم(٦) رسول الله ﷺ أن يبرئه من السرقة حتى نزل ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنٍ الذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمُ ) يريد طعمة وبني عمه(٧).
وقيل(٨) : إن رسول الله ﷺ برأه بقولهم على رؤوس الناس.
فقال الله عز وجل :( اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ) أي : مما هممت به، ومما فعلته ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمُ ) يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته.
وقال السدي : بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره أنها(٩) رميت في داره(١٠).
وروي أن طعمة قال لليهودي(١١) صاحب الدرع : إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي ﷺ أن يفعل فأنزل الله عز وجل ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمُ ) إلى رأس ثلاث آيات.
ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة(١٢) الحجاج(١٣) حليف لبني عبد الدار(١٤) فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال : ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات(١٥).
قال ابن جريج : فهذه الآيات كلها فيه نزلت.
ومعنى :( يَخْتَانُونَ(١٦) أَنْفُسَهُمُ ) أي : يُخوِّنونها، أي : يجعلونها خونة أي : يلزمون الخيانة.
( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً اَثِيماً ) أي : لا يحب من كانت هذه صفته.
١ - (أ): كثر وهو خطأ..
٢ - هو طعمة بن أبيرق الأنصاري ذكر في الصحابة، حضر المشاهد كلها مع رسول الله إلا بدراً وقد تكلم في إيمانه. انظر: الإصابة ٢/٢١٥..
٣ - (ج): به، وفي العبارة اضطراب..
٤ - كذا.. في (أ) (ج): وهو خطأ صوابه فلما رأى ذلك..
٥ - كذا في (أ) (ج):: وهو خطأ صوابه: يبرئون..
٦ - (أ): فيهم..
٧ - انظر: جامع البيان ٥/٢٦٨..
٨ - عزاه الطبري إلى ابن عباس في جامع البيان ٥/٢٦٧..
٩ - (ج): أنه وهو خطأ..
١٠ - انظر: جامع البيان ٥/٢٦٨-٢٦٩..
١١ - اليهودي..
١٢ - كذا... في (أ) (ج): وهو خطأ صوابه: مشربة للحجاج. أما المشربة بفتح الراء وضمها فهي الغرفة التي يشرب فيها وتجمع على مشارب. انظر: اللسان شرب ١/٤٨٦..
١٣ - وأما الحجاج فهو كما ذكر الطبري الحجاج بن علاط البهزي ثم السلمي حليف لبني عبد الدار قيل: أبو كلاب، أو أبو عبد الله أو أبو محمد، صحابي قدم على النبي ﷺ بخيبر فأسلم، وحسن إسلامه انظر: سيرة ابن هشام ٢/٣٤٥، وأسد الغابة ١/٤٥٦..
١٤ - بنو عبد الدار من العدنانية، وهو بطن من قصي بن كلاب. انظر: قبائل العرب ٢/٧٢٣..
١٥ - انظر: سنن الترمذي أبواب التفسير ٤/٣١٠، وأسباب النزول ١٠٣، ولباب النقول: ٨٢..
١٦ - أصل أختان: خان فهو مزيد بالهمزة والتاء والاختيان مراودة الخيانة لم يقل تعالى "تخونون" لأنه لم يكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) فدل على أن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة. انظر: المفردات ١٦٢، واللسان خون ١٣/١٤٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى