غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿تساءلون﴾ خفيفاً بحذف التاء : عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير. الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين. ﴿والأرحام﴾ بالجر حمزة. الباقون بالنصب. ﴿ما طاب﴾ بالإمالة : حمزة. ﴿واحدة﴾ بالرفع : يزيد : الباقون بالنصب. ﴿هنيّاً مريّاً﴾ بالتشديد فيهما : يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿هنيئاً﴾ همزها كل القرآن : يزيد. ﴿قيماً﴾ ابن عامر ونافع. الباقون ﴿قياماً﴾ ﴿ضعافاً﴾ بالإمالة : خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله. ﴿وسيصلون﴾ بضم الياء : ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل. الباقون بفتحها.
الوقوف :﴿ونساء﴾ ج. لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿والأرحام﴾ ط ﴿رقيباً﴾ ه ﴿بالطيب﴾ ص ﴿إلى أموالكم﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ه ﴿ورباع﴾ ج ﴿أيمانكم﴾ ط ﴿أن لا تعولوا﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿نحلة﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿مريئاً﴾ ه ﴿معروفاً﴾ ه ﴿النكاح﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب " إذا " و " حتى " تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى. ﴿أموالهم﴾ ج ﴿أن يكبروا﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿فليستعفف﴾ ج ﴿بالمعروف﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض. ﴿عليهم﴾ ط ﴿حسيباً﴾ ه ﴿والأقربون﴾ الأول ص ﴿أو أكثر﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿معروفاً﴾ ه ﴿خافوا عليهم﴾ ص ﴿سديداً﴾ ه ﴿ناراً﴾ ط ﴿سعيراً﴾ ه.
ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿إنما يأكلون في بطونهم﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة. وقال السدي : يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال :" رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً " ﴿وسيصلون﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق. ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء. وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد. والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة. والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها. قالت المعتزلة : لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة. فقيل لهم : إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين : من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.
ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع. وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته تعالى بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد ﷺ. قال : أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح. وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد ﷺ ﴿وبث منهما رجالاً كثيراً﴾ أرواحاً كاملين ﴿ونساء﴾ أرواحاً ناقصات ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿والأرحام﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿فكلوه هنيئاً﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة. فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق. ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال :﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾ وإنما قال :﴿أموالكم﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. ﴿وارزقوهم فيها﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿واكسوهم﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس. ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ كنحو : أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال ﷺ :" أذيبوا طعامكم بذكر الله ". ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿حتى إذا بلغوا﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿فإن آنستم منهم رشداًَ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد : أشبع الزنجي وكدّه ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.
﴿ومن كان غنياً﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿فليستعفف﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ومن كان فقيراً﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿فليأكل بالمعروف﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن. ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿فأشهدوا عليهم﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق. ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال :﴿للرجال﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿وللنساء﴾ وهم الضعفاء ﴿نصيب مما ترك الولدان والأقربون﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿نصيباً مفروضاً﴾ على قدر استعدادهم ﴿وإذا حضر القسمة﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿أولو القربى﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿فارزقوهم﴾ من مواهب بركاتهم ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين. ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿خافوا عليهم﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿فليتقوا الله﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلا الله. فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿إن الذين يأكلون﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿إنما يأكلون في بطونهم﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.


التأويل : ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد ﷺ. قال : أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح. وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد ﷺ ﴿وبث منهما رجالاً كثيراً﴾ أرواحاً كاملين ﴿ونساء﴾ أرواحاً ناقصات ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿والأرحام﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿فكلوه هنيئاً﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة. فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق. ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال :﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾ وإنما قال :﴿أموالكم﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. ﴿وارزقوهم فيها﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿واكسوهم﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس. ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ كنحو : أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال ﷺ :" أذيبوا طعامكم بذكر الله ". ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿حتى إذا بلغوا﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿فإن آنستم منهم رشداًَ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد : أشبع الزنجي وكدّه ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.
﴿ومن كان غنياً﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿فليستعفف﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ومن كان فقيراً﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿فليأكل بالمعروف﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن. ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿فأشهدوا عليهم﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق. ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال :﴿للرجال﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿وللنساء﴾ وهم الضعفاء ﴿نصيب مما ترك الولدان والأقربون﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿نصيباً مفروضاً﴾ على قدر استعدادهم ﴿وإذا حضر القسمة﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿أولو القربى﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿فارزقوهم﴾ من مواهب بركاتهم ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين. ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿خافوا عليهم﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿فليتقوا الله﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلا الله. فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿إن الذين يأكلون﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿إنما يأكلون في بطونهم﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى