جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه :﴿إنّ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْما﴾ يقول : بغير حقّ، ﴿إنمَا يأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا﴾ يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلما في الدنيا، نارَ جهنم. ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلهم ﴿سَعِيرا﴾. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿إنّ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْما إنّمَا يأْكُلُونَ في بُطُونهِمْ نارا﴾ قال : إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلما، يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرني أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال : حدثنا النبيّ ﷺ عن ليلة أُسْرِيَ به، قال :«نَظَرْتُ فإذا أنا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرُ كمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكّلِ بِهِمْ مِنْ يأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمّ يجْعَل فِي أفْواهِهِمْ صخْرا مِنْ نارٍ يخْرُجُ مِنْ أسافِلِهِمْ، قُلْتُ : يا جِبرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ ؟ قال : هَؤُلاءِ الّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوال اليَتامى ظُلْما إنّمَا يأْكَلُونَ في بُطُونِهمْ نارا ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿إنّ الّذِينَ يأْكُلُون أمْوالَ اليَتَامى ظُلْما إنّمَا يأْكُلُون في بُطُونِهِمْ نارا وَسَيصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ قال : قال أبي : إن هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم.
وأما قوله :﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ فإنه مأخوذ من الصّلا، والصّلا : الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق :
| وَقاتَلَ كَلْبُ الحَيّ عَنْ نارِ أهْلِهِ | لِيَرْبِضَ فِيها وَالصّلا مكتنف |
*** وَصَالِيَانِ للِصّلاَ صُلِيّ ***
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الشاعر :
| لَمْ أكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ اللّ | هُ وإنّي بحَرّها اليَوْمَ صَالِي |
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق :﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ بفتح الياء على التأويل الذي قلنا. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين :﴿وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ بضم الياء، بمعنى يحرقون من قولهم : شاة مَصْلِيّة، يعني : مشوية.
قال أبو جعفر : والفتح بذلك أولى من الضمّ لإجماع جميع القرّاء على فتح الياء في قوله :﴿لا يَصْلاها إلاّ الأشْقَى﴾ ولدلالة قوله :﴿إلاّ مَنْ هُوَ صالِ الجَحِيمِ﴾ على أن الفتح بها أولى من الضم. وأما السعير : فإنه شدة حرّ جهنم، ومنه قيل : استعرت الحرب : إذا اشتدت، وإنما هو مسعور، ثم صرف إلى سعير، قيل : كف خضيب، ولحية دهين، وإنما هي مخضوبة صرفت إلى فعيل.
فتأويل الكلام إذًا : وسيصلون نارا مسعرة : أي موقدة مشعلة، شديدا حرّها.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال :﴿وَإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ﴾ فوصفها بأنها مسعورة، ثم أخبر جلّ ثناؤه أن إكلة أموال اليتامى يصلونها، وهي كذلك، فالسعير إذًا في هذا الموضع صفة للجحيم على ما وصفنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٨٧٢١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا" قال، يقول قولا سديدًا، يذكر هذا المسكين وينفعه، ولا يجحف بهذا اليتيم وارث المؤدِّي ولا يُضِرّ به، لأنه صغير لا يدفع عن نفسه، فانظر له كما تنظر إلى ولدك لو كانوا صغارًا.
* * *
و"السديد" من الكلام، هو العدل والصواب.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (١) "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا"، يقول: بغير حق، ="إنما يأكلون في بطونهم نارًا" يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جهنم (٢) ="وسيصلون" بأكلهم ="سعيرًا"، كما: -
٨٧٢٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا" قال، إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلمًا، يُبعث يوم القيامة ولهبُ النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم. (٣)
(٢) في المخطوطة: "وإن جهنم"، وهو فاسد جدًا، والذي في المطبوعة، قريب من الصواب.
(٣) في المطبوعة: "يأكل مال اليتيم" بالياء، وفي المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءتها بالباء.
٨٧٢٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرًا" قال، قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم.
* * *
وأما قوله:"وسيصلون سعيرًا"، فإنه مأخوذ من"الصَّلا" و"الصلا" الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق: (٢)
| وَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أهْلِهِ | لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلا مُتَكنَّفُ (٣) |
والأثر أخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٠، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٢٤ ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) في اللسان"صلا" ١٩: ٢٠١، ٢٠٢، منسوبًا لامرئ القيس، وهو خطأ يصحح.
(٣) ديوانه: ٥٦٠، النقائض: ٥٦١، اللسان (صلا)، ومضى بيت من هذه القصيدة فيما سلف ٣: ٥٤٠. وهذا البيت من أبيات يصف فيها أيام البرد والجدب، ويمدح قومه، يقول في أولها:
| إذَا اغْبَرَّ آفَاقُ السَّمَاء وَكَشَّفَتْ | كُسُورَ بُيُوتِ الْحَيِّ حَمْرَاءُ حَرْجَفُ |
| وَأَوْقَدَتِ الشِّعْرَى مَعَ اللَّيْلِ نَارَهَا | وَأَمْسَتْ مُحُولا جِلْدُهَا يَتَوَسَّفُ |
| وَأَصْبَحَ مَوْضُوعُ الصَّقِيع كَأَنَّهُ | عَلَى سَرَوَاتِ النِّيْبِ قُطْنٌ مٌنَدَّفُ |
| وَجَدْتَ الثَّرى فِينَا، إذَا يَبِسَ الثَّرَى | وَمَنْ هُوَ يَرْجُو فَضْلَهُ الْمُتَضَيِّفُ |
وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ (١)
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الشاعر: (٢)
| بَكَيْتُ وَالْمُحْنَزِنُ البَكِيُّ | وإنِّما يَأْتِي الصِّبا الصَّبِيُّ |
| ................... | .................... |
| مِنْ أنْ شَجَاكَ طَلَلٌ عَامِيُّ | قِدْمًا يُرى مِنْ عَهْدِه الكِرْسِيُّ |
| مُحْرَنْجَمُ الجامِلِ والنُّؤِيُّ | وصَالِيات........... |
(٢) هو الحارث بن عباد البكري.
| لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا، عَلِمَ اللهُ | وَإِنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِي (١) |
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) بفتح"الياء" على التأويل الذي قلناه. (٣).
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين:"وَسَيُصْلَوْنَ" بضم"الياء" بمعنى: يحرقون.
= من قولهم:"شاة مَصْلية"، يعني: مشوية.
* * *
قال أبو جعفر: والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح"الياء" في قوله: (لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى) [سورة الليل: ١٥]، ولدلالة قوله: (إِلا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ) [سورة الصافات: ١٦٣]، على أن الفتح بها أولى من الضم.
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُناتِهَا....... لا بُجَيْرٌ أَغْنَى فَتِيلا، وَلا رَهْطُ
| كُلَيْبٌ تَزَاجَرُوا عَنْ ضَلالِ | ................... |
(٢) في المطبوعة: "وإجراء القتال"، وهو قراءة رديئة لما في المخطوطة، ولا معنى له. وفي المخطوطة: "وأحرى القتال"، ورجحت صواب قراءتها كما أثبته.
(٣) في المطبوعة: "قلنا" بحذف الهاء، وأثبت ما في المخطوطة.