محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١ من سورة النساء في ١٢٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١ من سورة النساء

١٢٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ : بعهد الله إليكم، ﴿فِي أوْلاَدِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يقول يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم، وخلف أولادا ذكورا وإناثا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم في أن جميع ذلك بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين ورفع قوله :«مثل »، بالصفة، وهي اللام التي في قوله :﴿للذّكَرِ﴾ ولم ينصب بقوله :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ لأن الوصية في هذا الموضع عهد وإعلام بمعنى القول، والقول لا يقع على الأسماء المخبر عنها، فكأنه قيل : يقول الله تعالى ذكره : لكم في أولادكم للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على النبيّ ﷺ تبيينا من الله الواجب من الحكم في ميراث من مات وخلف ورثة على ما بيّن، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده ممن كان لا يلاقي العدوّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم، وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية، فأخبر الله جلّ ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سمى وفرض له ميراثا في هذه الاَية وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم : لهم ميراث أبيهم إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري، ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجلَ من ولده إلا من أطاق القتال. فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كُحة وترك خمس أخوت، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبيّ ﷺ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية :﴿فإنْ كُنّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثا ما تَركَ وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ﴾ ثم قال في أم كحة :﴿ولهُنّ الرّبعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكنْ لَكُمْ ولَدٌ فإنْ كان لَكُمْ ولَدٌ فلَهُنّ الثمنٌ﴾.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا : تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة ! اسكتوا عن هذا الحديث، لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيره ! فقال بعضهم : يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا ؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر.
وقال آخرون : بل نزل ذلك من أجل أن المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله :﴿يُوصِيكمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ قال : كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوج الشطر والربع، وللزوجة الربع والثمن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قال : كان ابن عباس يقول : كان المال وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. ورُوي عن جابر بن عبد الله ما :
حدثنا به محمد بن المثنى، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال : سمعت جابر بن عبد الله، قال : دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مريض، فتوضأ ونضح عليّ من وَضوئه فأفقت، فقلت : يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، فكيف بالميراث ؟ فنزلت آية الفرائض.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : ثني محمد بن المنكدر عن جابر، قال : عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه في بني سملة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم رشّ عليّ فأفقت، فقلت : يا رسول الله كيف أصنع في مالي ؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكمْ﴾. . . الاَية.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ كُنّ نِساءً فَوْق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلثا ما تَركَ﴾.


يعني بقوله :﴿فإنْ كُنّ﴾ فإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين. ويعني بقول نِساء : بنات الميت فوق اثنتين، يقول : أكثر في العدد من اثنتين. ﴿فَلهُنّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ يقول : فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه دون سائر ورثته إذا لم يكن الميت خلف ولدا ذكرا معهن.
واختلف أهل العربية في المعنيّ بقوله :﴿فإنْ كُنّ نِساءً﴾ فقال بعض نحويي البصرة بنحو الذي قلنا : فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضا قول بعض نحويي الكوفة.
وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : فإن كان الأولاد نساء. وقال : إنما ذكر الله الأولاد، فقال :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ ثم قسم الوصية، فقال :﴿فإنْ كُنّ نِساءً﴾ وإن كان الأولاد واحدة ترجمة منه بذلك عن الأولاد.
قال أبو جعفر : والقول الأوّل الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي، لأن قوله :«وإن كنّ »، لو كان معنيا به الأولاد، لقيل : وإن كانوا، لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك، فإنما يقال : كانوا لا كنّ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ ولأبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السّدُسُ مِمّا تَرك إنْ كان لَهُ وَلَدٌ﴾.
يعني بقوله : وإن كانت المتروكة ابنة واحدة، فلها النصف، يقول : فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكر ولا أنثى.
فإن قال قائل : فهذا فرض الواحدة من النساء، وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين ؟ قيل : فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشكّ. وأما قوله :﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ فإنه يعني : ولأبوي الميت لكل واحد منهما السدس من تركته وما خلف من ماله سواء فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس إن كان له ولد ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة.
فإن قال قائل : فإذ كان كذلك التأويل، فقد يجب أن لا يزاد الوالد مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت، وذلك إن قلته قول خلاف لما عليه الأمة مجمعون من تصييرهم باقي تركة الميت مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها لوالده أجمع ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك كالذي ظننت، وإنما لكلّ واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة، فإن زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة فإنما زيدها ثانيا لقرب عصبة الميت إليه، إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبة الميت وأقربهم إليه بحكم ذلك لها على لسان رسول الله ﷺ، وكان الأب أقرب عصبة ابنة وأولاها به إذا لم يكن لابنه الميت ابن.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ فلأُمّهِ الثّلُثُ﴾.


يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ : فإن لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه دون غيرهما من ولد وارث¹ ﴿فلاّمّهِ الثّلُثُ﴾ يقول : فلأمه من تركته وما خلف بعده ثلث جميع ذلك.
فإن قال قائل : فمن الذي له الثلثان الآخران ؟ قيل له الأب. فإن قال قائل : بماذا ؟ قلت : بأنه أقرب أهل الميت إليه، ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بين على لسان رسول الله ﷺ لعباده أن كل ميت فأقرب عصبته به أولى بميراثه بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه. وهذه العلة هي العلة التي من أجلها سمى للأم ما سمى لها، إذا لم يكن الميت خلف وارثا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حال للميت، فبين الله جلّ ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكر من له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم من له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك معينا لهم على تكرير حكمه مع كل من قسم له حقا من ميراث ميت وسمّى له منه سهما.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فلأُمّهِ السّدُسُ﴾.


إن قال قائل : وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد ؟ قلت : اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة الله جلّ ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من ولدهما الميت مع إخوته غنى، وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غير متغير عما كان لهما، ولا أخ للميت، ولا وارث غيرهما، إذ كان معلوما عندهم أن كل مستحقّ حقا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقه الذي قضى به له ربه جلّ ثناؤه، عما قضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه، فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، لوائح الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروض هو ثلث مال ولدها الميت حقّ لها واجب، حتى يغير ذلك الفرض من فرض لها، فلما غير تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة وترك تغييره مع الأخ الواحد، علم ب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وأما"السعير": فإنه شدة حر جهنم، ومنه قيل:"استعرت الحرب" إذا اشتدت، وإنما هو"مَسعور"، ثم صرف إلى"سعير"، كما قيل: (١) "كفّ خَضِيب"، و"لِحية دهين"، وإنما هي"مخضوبة"، صرفت إلى"فعيل".
* * *
فتأويل الكلام إذًا: وسيصلون نارًا مسعَّرة، أي: موقدة مشعلة شديدًا حرُّها.
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن الله جل ثناؤه قال، (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ)، [سورة التكوير: ١٢]، فوصفها بأنها مسعورة.
ثم أخبر جل ثناؤه أن أكلة أموال اليتامى يصلونها وهي كذلك. ف"السعير" إذًا في هذا الموضع، صفة للجحيم على ما وصفنا.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يوصيكم الله"، يعهد الله إليكم، (٢) ="في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، يقول: يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم، (٣) في أن جميع ذلك بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
(١) في المطبوعة: "قيل"، بإسقاط"كما"، والصواب من المخطوطة، ولكن الكاتب أساء الكتابة. فحذفها الناشر الأول.
(٢) انظر تفسير"أوصى" فيما سلف ٣: ٩٤، ٤٠٥.
(٣) في المخطوطة: "وكباره"، وما في المطبوعة أجود.
ورفع قوله:"مثل" بالصفة، (١) وهي"اللام" التي في قوله:"للذكر"، ولم ينصب بقوله:"يوصيكم الله"، لأن"الوصية" في هذا الموضع عهد وإعلامٌ بمعنى القول، و"القول" لا يقع على الأسماء المخبر عنها. (٢) فكأنه قيل: يقول الله تعالى ذكره لكم: في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين.
* * *
قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، تبيينًا من الله الواجبَ من الحكم في ميراث من مات وخلّف ورثة، على ما بيَّن. لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده، ممن كان لا يلاقي العدوَّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية. فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سَمَّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٢٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حظ الأنثيين"، كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية:
(١) "الصفة"، هي حرف الجر، وانظر ما سلف ١: ٢٩٩، تعليق: ١، وفهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.
(٢) "الوقوع"، هو التعدي إلى المفعول، كما سلف ٤: ٢٩٣، تعليق: ١، وفهارس المصطلحات.
"فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثُلُثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف" = ثم قال في أم كجة:"ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن". (١)
٨٧٢٦ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا:"تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة!! اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيِّره". فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟! = وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر. (٢)
* * *
وقال آخرون: بل نزل ذلك من أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الآية.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٢٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله:"يوصيكم
(١) الأثر: ٨٧٢٥ -"أم كجة"، انظر ما سلف في التعليق على الأثر: ٨٦٥٦، وخبرها هناك. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أم كحة" بالحاء. أما "عبد الرحمن أخو حسان الشاعر"، فإنه يعني: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، وساق أثر السدي، ثم قال، "قلت: ولم أره لغيره، ولا ذكر أهل النسب لحسان أخًا اسمه عبد الرحمن".
(٢) في المطبوعة: "ويعطونه الأكبر" بزيادة واو لا محل لها، وأثبت ما في المخطوطة.
الله في أولادكم" قال، كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوج الشطر والربع، وللزوجة الربع والثمن. (١)
٨٧٢٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" قال، كان ابن عباس يقول: كان المال، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.
٨٧٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد عن ابن عباس مثله.
وروي عن جابر بن عبد الله ما: -
* * *
٨٧٣٠- حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال، سمعت جابر بن عبد الله قال، دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا مريض، فتوضأ ونضَح عليّ من وَضوئه، فأفقتُ فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كَلالةٌ، فكيف بالميراث؟ فنزلت آية الفرائض. (٢)
(١) الأثر: ٨٧٢٧ - رواه البخاري من طريق محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس. (الفتح ٨: ١٨٤، ١٢: ١٩).
(٢) الحديث: ٨٧٣٠ - رواه البخاري ١: ٢٦١ (فتح)، من طريق شعبة، به. وسيأتي عقب هذا ما رواية ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وكذلك رواه البخاري ٨: ١٨٢، من طريق ابن جريج، ورواه البخاري أيضًا ١٠: ٩٨، و ١٢: ٢- من رواية سفيان، عن محمد بن المنكدر.
وذكره ابن كثير ٢: ٣٦٢، من رواية البخاري - من طريق ابن جريج - ثم قال، "كذا رواه مسلم، والنسائي، من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به. ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر".
وذكره السيوطي ٢: ١٢٤-١٢٥، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه.
٨٧٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر قال، عادَني رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه في بني سَلمة يمشيان، فوجداني لا أعقِل، فدعا بماءٍ فتوضأ ثم رشَّ عليّ، فأفقتُ فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ فنزلت"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين".... (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله:"فإن كن"، فإن كان المتروكات ="نساء فوق اثنتين"، ويعني بقوله:"نساءً"، بنات الميت،"فوق اثنتين"، يقول: أكثر في العدد من اثنتين ="فلهن ثلثا ما ترك"، يقول: فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن. واختلف أهل العربية في المعنى بقوله:"فإن كنّ نساء".
* * *
فقال بعض نحوييّ البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء = وهو أيضًا قول بعض نحوييّ الكوفة.
* * *
(١) الحديث: ٨٧٣١ - هو مكرر الحديث قبله، كما أشرنا إليه.
وفي المطبوعة"فدعا بوضوء فتوضأ". وفي المخطوطة"فدعا فتوضأ". والذي في البخاري - من هذا الوجه -"فدعا بماء". فالراجح أنها كانت كذلك عن الطبري، وسقطت من الناسخ سهوًا كلمة"بماء"، اشتبه عليه الحرفان الأخيران من"فدعا"، بكلمة"بما" لأنهم في الأكثر لا يثبتون الهمزة = فسقطت الكلمة منه.
وفي المطبوعة لم تكمل الآية بعد"في أولادكم"، وأثبت ما في المخطوطة.
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال، إنما ذكر الله الأولاد فقال،"يوصيكم الله في أولادكم"، ثم قسمَ الوصية فقال،"فإن كنّ نساء"، وإن كان الأولاد [نساءً، وإن كان الأولاد واحدة]، (١) ترجمة منه بذلك عن"الأولاد".
* * *
قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين، أولى بالصواب في ذلك عندي. لأن قوله:"وإن كُنّ"، لو كان معنيًّا به"الأولاد" لقيل:"وإن كانوا"، لأن"الأولاد" تجمع الذكور والإناث. وإذا كان كذلك، فإنما يقال،"كانوا"، لا"كُنّ".
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وإن كانت"، [وإن كانت] المتروكة ابنة واحدة (٢) ="فلها النصف"، يقول: فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه، إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكرٌ ولا أنثى.
* * *
(١) في المطبوعة: "وإن كان الأولاد واحدة، ترجمة منه... "، وفي المخطوطة: "وإن كان الأولاد واحده"، ولم أجد لكليهما معنى، فرجحت نصها كما أثبته بين القوسين، استظهارًا من معنى هذه الآية كما ذكره آنفًا في صدر الكلام، ورجحت أن قوله: "واحدة" مجلوبة من الآية التي تليها"وإن كانت واحدة"، وفسرها كذلك، وساقها قبل مجيئها.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كانت المتروكة ابنة واحدة"، وهو لا يستقيم، فرجحت زيادة ما زدته بين القوسين، على سياقه في تفسير أخواتها.
فإن قال قائل: فهذا فرضُ الواحدة من النساء وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين؟
قيل: فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشك. (١)
* * *
وأما قوله:"ولأبويه"، فإنه يعني: ولأبوي الميت ="لكل واحد منهما السدس"، من تَرِكته وما خلَّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس ="إن كان له ولد"، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة.
* * *
فإن قال قائل: فإن كان كذلك التأويل، (٢) فقد يجب أن لا يزاد الوالدُ مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت. وذلك إن قلته، قولٌ خلاف لما عليه الأمة مجمعة، (٣) من تصييرهم باقي تركة الميت = مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها = لوالده أجمع!
قيل: ليس الأمر في ذلك كالذي ظننتَ، وإنما لكل واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة. فإمَّا زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة
(١) كأنه يعني بذلك حديث جابر بن عبد الله، في خبر موت سعد بن الربيع، وإعطاء رسول الله ﷺ بنتيه الثلثين (السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٩)، وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق = وخبر زيد بن ثابت: "إذا ترك رجل وامرأة بنتًا، فلها النصف، وإن كانتا اثنتين أو أكثر، فلهن الثلثان... "، أخرجه البخاري (الفتح ١٢: ٨).
هذا، وعجيب أن يترك أبو جعفر سياق الآثار لحجته في هذا الموضع، فأخشى أن يكون قد سقط من النساخ الأوائل شيء من كتابه = أو أن يكون هو قد أراد أن يسوق الآثار، ثم غفل عنها، وبقيت النسخ بعده ناقصة من دليل احتجاجه. وهذه أول مرة يخالف فيها أبو جعفر نهجه في تأليف هذا التفسير.
(٢) في المطبوعة: "فإذ كان كذلك"، والجيد ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "مجمعون"، وكذلك كان في المخطوطة، إلا أن الناسخ عاد فضرب على النون، وجعل الواو"تاء" مربوطة منقوطة، وتبع الناشر الأول خطأ الناسخ، وأغفل تصحيحه!! فرددته إلى الصواب.
إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة، (١) فإنما زيدها ثانيًا بقرب عصبة الميت إليه، (٢) إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبَة الميت وأقربهم إليه، بحكم ذلك لها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٣) وكان الأب أقرب عصبَة ابنه وأولاها به، إذا لم يكن لابنه الميت ابن.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُث﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فإن لم يكن له"، فإن لم يكن للميت ="ولد" ذكر ولا أنثى ="وورثه أبواه"، دون غيرهما من ولد وارث ="فلأمه الثلث"، يقول: فلأمه من تركته وما خلف بعده، ثلث جميع ذلك.
* * *
فإن قال قائل: فمن الذي له الثلثان الآخران.
قيل له الأب.
فإن قال، بماذا؟ (٤)
(١) في المطبوعة: "فإن زيد على ذلك من بقية النصف"، وأثبت ما كان في المخطوطة، وهو صواب جيد.
(٢) في المطبوعة: "لقرب عصبة الميت" وفي المخطوطة"قرب"، وأجودهما ما أثبت.
(٣) يعني بذلك ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى ابن عباس عن النبي ﷺ قال، "أًلْحِقوا الفرائضً بِأَهْلِهَا، فما بَقي فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذكر" (الفتح ٢: ٨، ٩ / السنن الكبرى ٦: ٢٣٤)، ويروى"لأدنى رجل"، ومعناه: لأقرب رجل من العصبة. وهذا أيضًا غريب من أبي جعفر في ترك ذكر حجته من الحديث، كشأنه في جميع ما سلف، وانظر ص: ٣٦، تعليق: ١، وكأنه كان يختصر في هذا الموضع، وترك ذكر حجته؛ لأنه لا بد أن يكون قد استوفاها في موضعها من كتبه الأخرى.
(٤) في المطبوعة: "فإن قال قائل: بماذا"، و"قائل" زيادة لا شك فيها، والصواب ما في المخطوطة.
قلت: بأنه أقرب أهل الميت إليه، (١) ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسان رسول الله ﷺ لعباده (٢) أن كل ميِّت فأقربُ عصبته به، أولى بميراثه، بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه.
وهذه العلة، هي العلة التي من أجلها سُميّ للأمّ ما سُمىَ لها، إذا لم يكن الميت خلًف وارثًا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حالٍ للميت. فبيّن الله جل ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معه، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم مَنْ له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك، مغنيًا لهم على تكرير حكمه مع كل من قَسَم له حقًّا من ميراث ميت، وسمي له منه سهمًا. (٣)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾


قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، (٤) وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد؟
قلت (٥) اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة
(١) في المخطوطة: "بأنه أقرب ولد الميت إليه"، وهو خطأ وسهو من الناسخ، والصواب، من المطبوعة.
(٢) انظر التعليق السالف ص ٣٧، تعليق: ٣.
(٣) في المطبوعة: "وكان بيانه ذلك معينًا لهم على تكرير حكمه"، وهو خطأ محض وتصريف قبيح، وفي المخطوطة: "معينا لهم عن تكرير حكمه" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.
(٤) في المخطوطة: "حكم أبوين من الأخوة"، والصواب ما في المطبوعة.
(٥) قوله: "قلت" ليست في المخطوطة، ولكن السياق يقتضيها، فأحسن طابع التفسير في إثباتها.
الله جل ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من وَلدهما الميت مع إخوته، غنًّى وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غيرَ متغيِّر عما كان لهما، ولا أخ للميت ولا وارث غيرهما. إذ كان معلومًا عندهم أن كل مستحق حقًّا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقُّه الذي قضى به له ربه جل ثناؤه عما قَضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه. فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، ولا أخ = (١) الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروضَ - وهو ثلث مال ولدها الميت (٢) - حق لها واجب، حتى يغيِّر ذلك الفرض من فَرَض لها. فلما غيَّر تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة، وترك تغييره مع الأخ الواحد، عُلم بذلك أن فرضها غير متغيِّر عما فرض لها إلا في الحال التي غيَّره فيها مَن لزم العبادَ طاعتُه، دون غيرها من الأحوال.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره بقوله:"فإن كان له إخوة".
فقال جماعة أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من علماء أهل الإسلام في كل زمان: عنى الله جل ثناؤه بقوله:"فإن كان له إخوة فلأمه السدس" اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. واعتل كثيرٌ ممن قال ذلك، بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل
(١) في المطبوعة: "... وغير والده لوائح الدلالة الواضحة... " وهو شيء لا يكتبه أبو جعفر!! وفي المخطوطة: "وغير والده ولاح الدلالة... "، وصواب قراءتها"ولا أخ" معطوفًا على قوله"إذا لم يكن لولدها الميت وارث... ". وقوله: "الدلالة الواضحة" اسم"كان" في قوله: "وكان في فرضه تعالى ذكره... ".
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "هو ثلث مال ولدها الميت"، بغير "واو"، والصواب إثباتها. وإلا اختل الكلام.
ثناؤه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضًا قطع العذر مجيئه، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده. (١)
* * *
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: بل عنى الله جل ثناؤه بقوله:"فإن كان له إخوة"، جماعة أقلها ثلاثة. وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد.
ذكر الرواية عنه بذلك:
٨٧٣٢ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله:"فإن كان له إخوة"، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان رحمه الله (٢) هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ (٣)
* * *
(١) وهذا أيضًا موضع في النفس منه شيء، فإن أبا جعفر ترك سياق حجته من الآثار، كما فعل في الموضعين السالفين انظر ص: ٣٦ تعليق: ١ / وص: ٣٧، تعليق: ٣، / ثم انظر السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٧، ٢٢٨.
(٢) في المطبوعة: "رضي الله عنه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) الأثر: ٨٧٣٢ - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٢٧ من طريق: إسحاق بن إبراهيم، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٧. وقد عقب ابن كثير عليه بقوله: "وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس. ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه. وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال، "الأخوان، تسمى إخوة"، وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة".
أما "شعيب مولى ابن عباس"، فهو: شعيب بن دينار الهاشمي، وهو غير الكوفي، وقد قال فيه ابن حبان: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر"، وانظر اختلاف قولهم فيه في التهذيب، وأكثرهم على ترك الاحتجاج به، وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٤٤، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٦٧.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله:"فإن كان له إخوة"، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك. (١)
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل في الأخوين"إخوة"، وقد علمت أن ل"الأخوين" في منطق العرب مثالا لا يشبه مثالَ"الإخوة"، في منطقها؟ (٢)
قيل: إنّ ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التأليف بين الكلامين يتقارب معنياهما، (٣) وإن اختلفا في بعض وجوههما. فلما كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقها منتشرًا مستعملا في كلامها:"ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعتُ منهما ظهورهما"، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال،"أوجعت منهما ظهريهما"، وإن كان مقولا"أوجعت ظهْريهما"، (٤) كما قال الفرزدق:
بِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَىفَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ (٥)
(١) هذا أيضًا موضع كان يجب أن يسوق عنده أبو جعفر حجته، أو يحيل على حجة سالفة، ولكنه لم يفعل، وانظر التعليق السالف ص: ٤٠ تعليق: ١: والإشارة إلى المواضع السالفة هناك.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة:
"وقد علمت أن الأخوين في منطق العرب مثالا"، وهو فاسد، والصواب"أن للأخوين"، كما أثبتها بزيادة"اللام".
(٣) في المطبوعة: "بتقارب معنييهما"، غير ما في المخطوطة، لأنه قرأ"يتقارب" فعلا، "بتقارب" اسمًا مصدرًا.
(٤) في المطبوعة: "ظهرهما" مكان"ظهريهما"، وهو خطأ، لأنه ليس شاهدًا في هذا الموضع، بل الشاهد ما جاء في المخطوطة كما أثبته، على التثنية.
(٥) ديوانه: ٥٥٤، والنقائض: ٥٥٣، وسيبويه ٢: ٢٠٢، وأمالي الشجري ١: ١٢، وغيرها. وهو من قصيدته التي مضى بيت منها قريبًا ص: ٢٧، تعليق: ٣، يقول قبله ما لهج به من لهوه وكذبه وعبثه، ويذكرها صاحبته وأمره معها. دَعَوْتُ الَّذِي سَمَّى السَّمَوَاتِ أَيْدُهُ... وَللهُ أَدْنَى مِنْ وَرِيِدي وأَلْطَفُ
لِيَشْغَلَ عَنِّي بَعْلَهَا بِزَمَانَهٍتُدَلِّهُهُ عَنِّي وعَنْهَا فَنُسْعَفُ
بِمَا في فُؤَادَيْنَا...................................
فَأَرْسَلَ فِي عَيْنَيْهِ ماءً عَلاهُمَاوَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي أَطَبُّ وأَعْرَفُ
فَدَاوَيْتُهُ عَامَيْنِ وَهْيَ قَرِ يَبةٌأَرَاهَا، وتَدْنُو لِي مِرَارًا فَأرْشُفُ
يقول: دعا الله أن يبتلي زوجها بمرض مزمن، يدلهه ويحيره، فيبقى دهشا متغير العقل أو البصر، فلا يتفقدها، حتى يصل إلى ما يريد وتريد. فاستجاب دعاءه، وأنزل على عينيه ماء، فطلبوا له الأطباء والعرفاء، وزعم الفرزدق أنهم عرفوا أنه أطب الناس بهذا الداء، فأدخلوه إليه، فظل يطببه عامين، وهي قريبة منه.
وقوله: "منهاض الفؤاد" الذي هاضه الحزن والوجد، من"هاض العظم" إذا كسره، يريد شدة ما يجد من اللوعة، حتى شفه وأمرض قلبه. و"المشعف"، هو الذي شعفه الحب: إذا أحرق قلبه، مع لذة يجدها المحب، ولم يذكر أصحاب المعاجم"شعف" مشددة العين، ولكنه قياس هذه العربية. وفي المخطوطة والمطبوعة: "المشغف" بالغين المعجمة، وكأنه صواب أيضًا، من"شغفه الحب" إذا بلغ شغاف قلبه.
وأما رواية الديوان، والنقائض، فهي"المسقف"، وهي رواية رديئة، قال أبو عبيدة في شرحها: "هو الذي عليه خشب الجبائر، والجبائر: هي السقائف تشد على الكسر". وهو لا شيء، وإنما حمله على ذلك ذكر"منهاض"، وأن"المشغف" من صفته، و"المنهاض" هو العظم الذي كسر بعد الجبر. ولكن صواب المعنى والرواية، هو ما ذكرت.
= غير أن ذلك وإن كان مقولا فأفصح منه:"بما في أفئدتنا"، كما قال جل ثناؤه: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [سورة التحريم: ٤].
فلما كان ما وصفت = من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها (١) = وكان"الأخوان" شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من
(١) في المطبوعة: "فلفظ الجمع أفصح في منطقها"، والصواب ما أثبته من المخطوطة، وقوله: "أفصح" منصوب خبر قوله: "فلما كان ما وصفت".
أعضائه واحدًا لا ثاني له، (١) فأخرج اثناهما بلفظ اثني العضوين اللذين وصفت، (٢) فقيل"إخوة" في معنى"الأخوين"، كما قيل"ظهور" في معنى"الظهرين"، و"أفواه" في معنى"فموين"، و"قلوب" في معنى"قلبين".
* * *
وقد قال بعض النحويين: إنما قيل"إخوة"، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، (٣) فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضًا على ألسن العرب لاثنيه بمثال وصورةٍ غير مثال ثلاثة فصاعدًا منه وصورتها. لأن من قال،"أخواك قاما"، فلا شك أنه قد علم أنّ كل واحد من"الأخوين" فردٌ ضم أحدهما إلى الآخر فصارا جميعًا بعد أن كانا شتى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، (٤) فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال،"أخواك قاموا"، فيخرج قولهم"قاموا"، وهو لفظ للخبر عن الجميع، خبرًا عن"الأخوين" وهما بلفظ الاثنين. لأن كل ما جرى به الكلام على ألسنتهم معروفًا عندهم بمثال وصورة، إذا غيَّر مغيِّر عما قد عرفوه فيهم،
(١) في المطبوعة: "أشبه معناهما" على الإفراد، والصواب من المخطوطة مثنى. وقوله: "وكان الأخوان"، معطوف على قوله: "فلما كان ما وصفت"، يريد: "ولما كان الأخوان... ". وسياق الجملة:
"وكان الأخوان شخصينأشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا".
(٢) في المطبوعة: "فأخرج أنثييهما بلفظ أنثى العضوين"، وهو كلام لا معنى له، والصواب من المخطوطة، فالكلام في"الاثنين" و"الجمع"، لا في"الأنثى" و"الذكر".
(٣) في المطبوعة: "وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء"، غير ما كان في المخطوطة كما أثبته، وهو صواب محض لا يغير.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "بعد أن كانا شتى عنوان الأمر وإن كان كذلك"، وهو كلام مستهجن لا معنى له، والناسخ عجل كما رأيت وعلمت، فكتب"غير أن الأمر"، "عنوان الأمر" ففسد الكلام، وأفسد على الناشر الأول فهمه للمعاني.
نَكِروه. (١) فكذلك"الأخوان" وإن كان مجموعين ضُمَّ أحدهما إلى صاحبه، فلهما مثالٌ في المنطق وصورة، غير مثال الثلاثة منهم فصاعدًا وصورتهم. فغير جائز أن يغيَّر أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم. وإذا كان ذلك كذلك، فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: ولم نُقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدًا؟
قيل: اختلفت العلماء في ذلك.
فقال بعضهم: نُقصت الأم عن ذلك دون الأب، لأن على الأب مُؤَنهم دون أمهم.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس"، أضرُّوا بالأم ولا يرثون، (٢) ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من
(١) في المطبوعة: "لأن لكل ما جرى به الكلام على ألسنتهم مثالا معروفًا عندهم وصورة، إذا غير مغير ما قد عرفوه فيهم أنكره"، بدل ما كان في المخطوطة تبديلا، جعل"بمثال""مثالا" وقدمها عن مكانها، وغير سائر الجملة كما رأيت. والذي أوقعه في ذلك أن الناسخ كتب"لأن لكل ما جرى" وصوابه"لأن كل ما جرى" كما أثبته.
أما "نكروه"، فقد جعلها"أنكروه" وهما صواب جميعًا، إلا أن الواجب عليه كان يقتضي إثبات ما في المخطوطة. يقال، "أنكر الشيء إنكارًا ونكره" (على وزن سمع)، قال الله تعالى في سورة هود: ٧٠: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً {
(٢) في المطبوعة: "أنزلوا الأم ولا يرثون"، وفي المخطوطة: "أمروا بالأمر ولا يرثون" وهو تحريف ما أثبته عن الدر المنثور وابن كثير، كما سترى في التخريج.
الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل نُقصت الأم السدس، وقُصِر بها على سدس واحد، معونةً لإخوة الميت بالسدس الذي حَجَبوا أمهم عنه.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال، السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم.
* * *
وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، وذلك ما: -
٨٧٣٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس قال، الكلالة من لا ولد له ولا والِد.
* * *
قال أبو جعفر، وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك: إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه = وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم = وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.
* * *
وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده.
* * *
(١) الأثر: ٨٧٣٣ - خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٧، ٣٦٨، وقال، "هذا كلام حسن"، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٢٦.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"من بعد وصية يوصي بها أو دين"، أنّ الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته، ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها بعد قضاء دينه كله. (١) فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن أوصى له بشيء، إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك. ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه. فإن جاوز ذلك ثلثه، جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته: إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه. فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم.
وعلى كل ما قلنا من ذلك، الأمة مجمعة. وقد روي عن رسول الله ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما: -
٨٧٣٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ رضي الله عنه قال، إنكم تقرأون هذه الآية:"من بعد وصية يُوصي بها أو دين"، وإنّ رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. (٢)
٨٧٣٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضوان الله عليه، عن النبي ﷺ بمثله.
(١) هكذا في المطبوعة"في بابها"، وفي المخطوطة غير منقوطة، وهي لفظة غريبة هاهنا، لا أظنها مما كان يجري على ألسنة القوم يومئذ على هذا المعنى، ولو خيرت لاخترت"في أهلها"، ولكني تركتها على حالها مخافة أن يكون ظني رجما.
(٢) في المطبوعة: "أن رسول الله" بإسقاط الواو، وأثبت ما في المخطوطة.
٨٧٣٨ - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن رسول الله ﷺ مثله. (١)
٨٧٣٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن ابن مجاهد، عن أبيه:"من بعد وصية يوصي بها أو دين" قال، يبدأ بالدين قبل الوصية.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: (يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
* * *
وقرأه بعض أهل مكة والشأم والكوفة، (يُوصَى بِهَا)، على معنى ما لم يسمَّ فاعله.
* * *
(١) الآثار: ٨٧٣٦، ٨٧٣٧، ٨٧٣٨ - حديث ضعيف، لضعف"الحارث الأعور"، وهو: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، وهو ضعيف جدًا، وقال الشعبي وغيره: "كان كذابًا". وقد مضى الكلام عنه في رقم: ١٧٤ فيما كتبه أخي السيد أحمد، وفي المسند رقم: ٥٦٥.
وأسانيده الثلاثة تدور على"الحارث الأعور"، وقد رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٥، ١٠٩١، ١٢٢١ مطولا، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٦٧، والحاكم في المستدرك ٤: ٣٣٦، وابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٨، وقال، "رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير"، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٢٦، ونسبه لأبي أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه. ورواه الشافعي في الأم ٤: ٢٩، مختصرًا كما رواه الطبري، قال الشافعي: "وقد روى في تبدئة الدين قبل الوصية حديث عن النبي ﷺ لا يثبت أهل الحديث مثله". وساق الحديث عن سفيان عن أبي إسحاق.
قال البيهقي: "امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا، لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي رضي الله عنه، والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه". أما الحاكم، فقد ذكر مثل هذه العلة في الحارث الأعور، وقال، "لذلك لم يخرجه الشيخان، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد بن ثابت"، ثم ساق فتوى زيد بن ثابت بإسناده.
وقال ابن كثير: "ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. قلت (القائل ابن كثير) : لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب".
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) على مذهب ما قد سُمِّي فاعله، لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله. ألا ترى أنه يقول:"ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان لا ولد"؟ فكذلك الذي هو أولى بقوله:"يوصي بها أو دين"، أن يكون خبرًا عمن قد سمي فاعله، لأن تأويل الكلام: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد = من بعد وصية يوصي بها أو دين = يُقضى عنه.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"آباؤكم وأبناؤكم"، هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم - من قسمة ميراث ميِّتكم فيهم على ما سمي لكم وبيَّنه في هذه الآية - آباؤكم وأبناؤكم (١) ="لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا".
(١) سياق هذه الجملة: "هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم... آباؤكم وأبناؤكم"، يريد إعراب"آباؤكم وأبناؤكم"، وأنه خبر لمبتدأ محذوف. ولم يشر أحد من المفسرين إلى هذا الإعراب. بل قال القرطبي في تفسيره: "رفع بالابتداء، والخبر مضمر، تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطون". وقال الألوسي في تفسيره: "الخطاب للورثة، وآباؤكم مبتدأ، وأبناؤكم معطوف عليه، ولا تدرون مع ما في حيزه خبر له". وكذلك قال العكبري في إعراب القرآن ١: ٩٤. وأجود القول ما قال أبو جعفر في سياق هذه الآية.
فقال بعضهم: يعني بذلك أيهم أقرب لكم نفعًا في الآخرة.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله،"آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أيهم أقرب لكم نفعًا"، في الدنيا.
٨٧٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٨٧٤٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما قلنا.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا،
الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، (١) لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فريضة من الله"،"وإن كان له إخوة فلأمه السدس"، فريضةً، يقول: سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم. (٢)
* * *
ونصب قوله:"فريضة" على المصدر من قوله:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" ="فريضة"، فأخرج"فريضة" من معنى الكلام، إذ كان معناه ما وصفت.
وقد يجوز أن يكون نصبه على الخروج من قوله:"فإن كان له إخوة فلأمه السدس" ="فريضة"، فتكون"الفريضة" منصوبة على الخروج من قوله: (٣) "فإن كان له إخوة فلأمه السدس"، كما تقول:"هو لك هبة، وهو لك صدقة مني عليك". (٤)
* * *
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "فرضي لهم المواريث"، وهو تحريف وسوء كتابة من الناسخ، ولا معنى له، والصواب ما أثبت.
(٢) قوله: "موقتة"، أي محددة مقدرة بحد، وقد سلف شرح هذه الكلمة فيما مضى الجزء ٧: ٥٩٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك، وفي فهرس المصطلحات.
ثم انظر تفسير"الفرض" و"الفريضة" فيما سلف ٤: ١٢١ / ٥: ١٢٠ / ٧: ٥٩٧.
(٣) "الخروج"، انظر تفسيره فيما سلف ٧: ٢٥، تعليق: ٣، كأنه يعني به خروج الحال المؤكدة.
(٤) انظر ما سلف ٧: ٥٩٩.
وأما قوله:"إن الله كان عليمًا حكيمًا"، فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، (١) أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. ="حكيما"، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.
* * *
(١) انظر تفسير: "كان" نظيرة ما في هذه الآية، فيما سلف: ٧: ٥٢٣.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذه الآية الكريمة والتي(١) بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك وَلنذْكُرْ منها ما هو متعلق بتفسير ذلك، وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتاب " الأحكام " فالله المستعان(٢).
وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة(٣) من أهم ذلك. وقد روى أبو داود وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه(٤) أن رسول الله ﷺ قال :" العِلْمُ ثلاثة، وما سِوَى ذلك فهو فَضْلٌ : آية مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فَريضةٌ عَادَلةٌ " (٥).
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" يا أبا هريرة، تَعلَّمُوا الفرائِضَ وعلِّموهُ فإنه نصْف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء(٦) يُنْتزَع من أمتي ".
رواه ابن ماجة، وفي إسناده ضعف(٧).
وقد رُوي من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد(٨) وفي كل منهما نظر. قال [ سفيان ](٩) ابن عيينة : إنما سَمَّى الفرائض نصفَ العلم ؛ لأنه يبتلى(١٠) به الناس كلهم.
وقال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام : أن ابن جُرَيج أخبرهم قال : أخبرني ابن المُنْكدِر، عن جابر بن عبد الله قال : عادني رسولُ الله ﷺ وأبو بكر في بني سَلمَةَ ماشيين، فوجَدَني النبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفقت، فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾.
وكذا رواه مسلم والنسائي، من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج(١١) به، ورواه الجماعةُ كُلّهم من حديث سفيان بن عُيَينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر(١٢).
حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية : قال الإمام أحمد : حَدّثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله - هو ابن عَمْرو(١٣) الرقيّ - عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر قال : جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال : فقال :" يَقْضِي اللَّهُ في ذلك ". قال : فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى عمهما فقال :" أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك ".
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عُقَيل، به. قال الترمذي : ولا يعرف إلا من حديثه(١٤).
والظاهر أن(١٥) حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري، رحمه الله، فإنه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.
فقوله(١٦) تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أي : يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه(١٧) الأنثى.
وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم(١٨) أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح.
وقد رأى امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه :" أتَروْن هذهِ طارحةَ ولدها(١٩) في النار وهي تَقْدِرُ على ذلك ؟ " قالوا : لا يا رسول الله : قال :" فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ من هذه بِوَلَدِهَا ".
وقال البخاري هاهنا : حدثنا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن عَطاء، عن ابن عباس قال : كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع(٢٠).
وقال العَوفي، عن ابن عباس قوله :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فَرَضَ الله فيها ما فرض، للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا : تُعطَى المرأة الربع أو الثمن(٢١) وتعطى البنت(٢٢) النصف. ويعطى الغلام الصغير. وليس أحد من هؤلاء يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة. . اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم : يا رسول الله، نعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفَرَس، ولا تقاتل القوم ونُعطِي(٢٣) الصبي الميراث وليس يُغني(٢٤) شيئا. . وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا.
وقوله :﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس : قوله :﴿فوق﴾ زائدة وتقديره : فإن كنّ نساء اثنتين كما في قوله [ تعالى ](٢٥) ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا غير مُسَلَّم لا هنا ولا هناك ؛ فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه وهذا ممتنع، ثم قوله :﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال : فلهما ثلثا ما ترك. وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين(٢٦) من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بطريق الأولى(٢٧) وقد تقدم في حديث جابر أن رسول الله ﷺ حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضا فإنه قال :﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فلو كان للبنتين النصف [ أيضا ](٢٨) لنص عليه، فلما حكم به للواحدة على انفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث والله أعلم.
وقوله :﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ ](٢٩) إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث أحوال :
أحدها : أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكل واحد منهما السدس فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع(٣٠) له - والحالة هذه - بين هذه الفرض والتعصيب.
الحال الثاني : أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم - والحالة هذه - الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض(٣١) للأم، وهو الثلثان، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة(٣٢) الربع. ثم اختلف العلماء : ما تأخذ(٣٣) الأم بعد فرض الزوج والزوجة على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين ؛ لأن الباقي كأنه(٣٤) جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ ثلثيه(٣٥) وهو قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي. وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء - رحمهم الله.
والقول الثاني : أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله :﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا. وهو قول ابن عباس. وروي عن علي، ومعاذ بن جبل، نحوه. وبه يقول شريح وداود بن علي الظاهري واختاره الإمام أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري(٣٦) في كتابه " الإيجاز في علم الفرائض ".
وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف ؛ لأن ظاهر الآية إنما هو [ ما ](٣٧) إذا استبد بجميع التركة، فأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه، كما تقدم.
والقول الثالث : أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة(٣٨) من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى(٣٩) خمسة للأب. وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي ؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة : للزوج النصف ثلاثة(٤٠) وللأم ثلث ما بقي(٤١) وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمد بن سيرين، رحمه الله، وهو مركب من القولين الأولين، موافق كلا منهما في صورة وهو ضعيف أيضا. والصحيح الأول، والله أعلم.
والحال الثالث من أحوال الأبوين : وهو اجتماعهما مع الإخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي.
وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شُعْبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال : إن الأخوين لا يَردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى :﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة. فقال عثمان : لا أستطيع تغيير ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس.
وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شُعْبَة هذا تكلَّم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه.
وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال : الأخوان تسمى إخوة(٤٢) وقد أفردت لهذه المسألة جُزءًا على حدة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة قوله :﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يَرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم ونفقته(٤٣) عليهم دون أمهم.
وهذا كلام(٤٤) حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم،
١ في ر: "والذي"..
٢ في جـ، ر، أ: "وبالله المستعان"..
٣ في جـ، أ: "الخاصة وهي من أهم ذلك"..
٤ في جـ، ر، أ: "عنهما"..
٥ سنن أبي داود برقم (٢٨٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) والدارقطني في السنن (٤/٦٧) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي به. قال الذهبي في هذا الحديث والذي بعده: الحديثان ضعيفان..
٦ في جـ، أ: "علم"..
٧ سنن ابن ماجة برقم (٢٧١٩) ورواه الدارقطني في السنن (٤/٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف به. قال الذهبي: "فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو واه بمرة"..
٨ حديث ابن مسعود "تعلموا الفرائض وعلموها فإني امرؤ مقبوض.." الحديث، رواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٣)..
٩ زيادة من: ر، أ..
١٠ في أ: "تبتلى".
.

١١ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٣٢٣)..
١٢ طريق سفيان رواها البخاري في صحيحه برقم (٥٦٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٦١٦) وأبو داود في السنن برقم (٢٨٨٦) والترمذي في السنن برقم (٢٠٩٧) والنسائي في السنن (١/٨٧) وابن ماجة في السنن برقم (٢٧٢٨)..
١٣ في أ: "عمر"..
١٤ المسند (٣/٣٥٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٢٠)..
١٥ في أ: "أنه"..
١٦ في أ: "وقوله"..
١٧ في ر: "ما تأخذ"..
١٨ في أ: "منكم".
.

١٩ في جـ: "بولدها"..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٨)..
٢١ في أ: "والثمن"..
٢٢ في ر: "ويعطى الابنة"، وفي جـ: "وتعطى الابنة"..
٢٣ في ر، أ: "ويعطي"..
٢٤ في ر: "يعني"..
٢٥ زيادة من جـ..
٢٦ في جـ، ر: "كون للبنتين الثلثان"..
٢٧ في جـ، ر، أ: "الأحرى"..
٢٨ زيادة من جـ، ر، أ..
٢٩ زيادة من جـ، ر، أ.
.

٣٠ في أ: "فيجتمع"..
٣١ في جـ: "ما حصل" وفي ر: "ما فضل"..
٣٢ في جـ، ر: "أو الزوجة"..
٣٣ في أ: "ماذا تأخذ"..
٣٤ في أ: "كان"..
٣٥ في ر: "الباقي"..
٣٦ في أ: "المصري"..
٣٧ زيادة من أ..
٣٨ في جـ، ر: "ثلثه"..
٣٩ في أ: "فبقى"..
٤٠ في جـ، ر: "ثلثه"..
٤١ في جـ: "الباقي".
.

٤٢ في جـ، ر، أ: "وتسمى الأخوان إخوة"..
٤٣ في جـ: "والنفقة"..
٤٤ في جـ: "الكلام"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "انطَلَق بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَال، كُلُّ رَجُلٍ لَهُ مِشْفَران كَمِشْفَرَيِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ موَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ (١) لِحَاءَ (٢) أَحَدِهِمْ، ثُمَّ يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَتُقْذَف فِي فِي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُمْ (٣) خُوار وصُرَاخ. قُلْتُ (٤) يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" (٥).
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ (٦) مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ بِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَوْمُ (٧) مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّج أَفْوَاهُهُمْ نَارًا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] (٨)﴾ الْآيَةَ.
رَوَاهُ (٩) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ عُقْبة بْنِ مُكْرَمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ (١٠).
وَقَالَ ابْنُ مَردويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، أحمد بْنُ عِصَامٍ (١١) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (١٢) بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المقبرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفيْن: الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ" (١٣) أَيْ (١٤) أُوصِيكُمْ بِاجْتِنَابِ مَالِهِمَا.
وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] (١٥)﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ (١٦) فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] (١٧)﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠].
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾
(١) في أ: "يكفون".
(٢) في ر: "لحيي".
(٣) في ر، أ: "وله".
(٤) في أ: "فقلت".
(٥) ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.
قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".
(٦) في ر: "تخرج".
(٧) في جـ: "ناس".
(٨) زيادة من جـ، ر، أ.
(٩) في جـ، أ: "أخرجه".
(١٠) صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.
(١١) في أ: "عاصم".
(١٢) في ر: "عبيد الله".
(١٣) وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.
(١٤) في أ: "إني".
(١٥) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(١٦) في ر: "أو يفسده".
(١٧) زيادة من جـ، ر، أ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالَّتِي (١) بَعْدَهَا وَالْآيَةُ الَّتِي هِيَ خَاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ هُنَّ آيَاتُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ، وَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِمَّا هِيَ كَالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ وَلنذْكُرْ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْمَسَائِلِ وَنَصْبُ الْخِلَافِ وَالْأَدِلَّةِ، وَالْحِجَاجُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، فَمَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ" فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (٢).
وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ، وَهَذِهِ الْفَرَائِضُ الْخَاصَّةُ (٣) مِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ التَّنُوخِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "العِلْمُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قائمةٌ، أَوْ فَريضةٌ عَادَلةٌ" (٥).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، تَعلَّمُوا الفرائِضَ وعلِّموهُ فَإِنَّهُ نصْف الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ (٦) يُنْتزَع مِنْ أُمَّتِي".
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٧).
وَقَدْ رُوي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ (٨) وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ. قَالَ [سُفْيَانُ] (٩) ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا سَمَّى الْفَرَائِضَ نصفَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يُبْتَلَى (١٠) بِهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أن ابن جُرَيج
(١) في ر: "والذي".
(٢) في جـ، ر، أ: "وبالله المستعان".
(٣) في جـ، أ: "الخاصة وهي من أهم ذلك".
(٤) في جـ، ر، أ: "عنهما".
(٥) سنن أبي داود برقم (٢٨٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) والدارقطني في السنن (٤/٦٧) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي به. قال الذهبي في هذا الحديث والذي بعده: الحديثان ضعيفان.
(٦) في جـ، أ: "علم".
(٧) سنن ابن ماجة برقم (٢٧١٩) ورواه الدارقطني في السنن (٤/٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف به. قال الذهبي: "فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو واه بمرة".
(٨) حديث ابن مسعود "تعلموا الفرائض وعلموها فإني امرؤ مقبوض.." الحديث، رواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٣).
(٩) زيادة من: ر، أ.
(١٠) في أ: "تبتلى".
أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ المُنْكدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَادَنِي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلمَةَ مَاشِيَيْنِ، فوجَدَني النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَش عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾.
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (١) بِهِ، وَرَوَاهُ الجماعةُ كُلّهم مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ (٢).
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدّثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ عَمْرو (٣) الرَّقِّيُّ -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقيل، عن جابر قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبيع إِلَى رسول الله ﷺ فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتل أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أحُد شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا يُنْكَحَان إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ. قَالَ: فَقَالَ: "يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَأَرْسَلَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: "أعْطِ ابْنَتي سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ".
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيل، بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ (٤).
وَالظَّاهِرُ أَنَّ (٥) حَدِيثَ جَابِرٍ الْأَوَّلَ إِنَّمَا نَزَلَ بِسَبَبِهِ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لَهُ إِذْ ذَاكَ أَخَوَاتٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنَاتٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يُورَثُ كَلَالَةً، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ هَاهُنَا تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ هَاهُنَا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ جَابِرٍ أَشْبَهُ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ (٦) تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أَيْ: يَأْمُرُكُمْ بِالْعَدْلِ فِيهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ، وَفَاوَتَ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِاحْتِيَاجِ الرَّجُلِ إِلَى مُؤْنَةِ النَّفَقَةِ وَالْكُلْفَةِ وَمُعَانَاةِ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ وتجشُّم الْمَشَقَّةِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعْطَى ضعْفَيْ مَا تَأْخُذُهُ (٧) الْأُنْثَى.
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْأَذْكِيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، حَيْثُ أَوْصَى الْوَالِدَيْنِ بِأَوْلَادِهِمْ، فَعُلِمَ (٨) أَنَّهُ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ في الحديث الصحيح.
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٣٢٣).
(٢) طريق سفيان رواها البخاري في صحيحه برقم (٥٦٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٦١٦) وأبو داود في السنن برقم (٢٨٨٦) والترمذي في السنن برقم (٢٠٩٧) والنسائي في السنن (١/٨٧) وابن ماجة في السنن برقم (٢٧٢٨).
(٣) في أ: "عمر".
(٤) المسند (٣/٣٥٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٢٠).
(٥) في أ: "أنه".
(٦) في أ: "وقوله".
(٧) في ر: "ما تأخذ".
(٨) في أ: "منكم".
وَقَدْ رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْي تَدُورُ عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ أَخَذَتْهُ فألْصَقَتْه بصَدْرها وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "أتَروْن هذهِ طارحةَ وَلَدَهَا (١) فِي النَّارِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ: "فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فنَسَخ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلزَّوْجَةِ الثَّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ (٢).
وَقَالَ العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا مَا فَرَضَ، لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْأَبَوَيْنِ، كَرِهَهَا النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: تُعطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ (٣) وَتُعْطَى الْبِنْتُ (٤) النِّصْفَ. وَيُعْطَى الْغُلَامُ الصَّغِيرُ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُ الْقَوْمَ، وَلَا يَحُوزُ الْغَنِيمَةَ.. اسْكُتُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسَاهُ، أَوْ نَقُولُ لَهُ فَيُغَيِّرُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُعْطِي الْجَارِيَةَ نِصْفَ مَا تَرَكَ أَبُوهَا، وَلَيْسَتْ تَرْكَبُ الفَرَس، وَلَا تُقَاتِلُ الْقَوْمَ ونُعطِي (٥) الصَّبِيَّ الْمِيرَاثَ وَلَيْسَ يُغني (٦) شَيْئًا.. وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ، وَيُعْطُونَهُ الْأَكْبَرَ فَالْأَكْبَرَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ﴾ زَائِدَةٌ وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] (٧) ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٢] وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّم لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ زَائِدٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا قَالُوهُ لَقَالَ: فَلَهُمَا ثُلُثَا مَا تَرَكَ. وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ كَوْنُ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ (٨) مِنْ حُكْمِ الْأُخْتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ فِيهَا لِلْأُخْتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ. وَإِذَا وَرِثَ الْأُخْتَانِ الثُّلُثَيْنِ فَلَأَنْ يَرِثَ الْبِنْتَانِ الثُّلُثَيْنِ بِطْرِيقِ الْأَولَى (٩) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ لِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالثُّلُثَيْنِ، فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فَلَوْ كَانَ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ [أَيْضًا] (١٠) لَنَصَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا حَكَمَ بِهِ لِلْوَاحِدَةِ عَلَى انْفِرَادِهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِنْتَيْنِ فِي حُكْمِ الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ] (١١)﴾
(١) في جـ: "بولدها".
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٧٨).
(٣) في أ: "والثمن".
(٤) في ر: "ويعطى الابنة"، وفي جـ: "وتعطى الابنة".
(٥) في ر، أ: "ويعطي".
(٦) في ر: "يعني".
(٧) زيادة من جـ.
(٨) في جـ، ر: "كون للبنتين الثلثان".
(٩) في جـ، ر، أ: "الأحرى".
(١٠) زيادة من جـ، ر، أ.
(١١) زيادة من جـ، ر، أ.
إِلَى آخِرِهِ، الْأَبَوَانِ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا مَعَ الْأَوْلَادِ، فَيُفْرَضُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إِلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ، فُرِضَ لَهَا النِّصْفُ، وَلِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَأَخَذَ الْأَبُ السُّدُسَ الْآخَرَ بِالتَّعْصِيبِ، فَيُجْمَعُ (١) لَهُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -بَيْنَ هَذِهِ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَرِدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، فَيُفْرَضُ لِلْأُمِّ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -الثُّلُثُ وَيَأْخُذُ الْأَبُ الْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ الْمَحْضِ، وَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ ضَعْفَيِ مَا فُرِضَ (٢) لِلْأُمِّ، وَهُوَ الثُّلُثَانِ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَخَذَ الزَّوْجُ النِّصْفَ وَالزَّوْجَةُ (٣) الرُّبُعَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَا تَأْخُذُ (٤) الْأُمُّ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كَأَنَّهُ (٥) جَمِيعُ الْمِيرَاثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا نِصْفَ مَا جَعَلَ لِلْأَبِ فَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي وَيَأْخُذُ ثُلُثَيْهِ (٦) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ. وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَإِنَّ الْآيَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ لَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، نَحْوُهُ. وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ اللَّبَّانِ الْبَصْرِيُّ (٧) فِي كِتَابِهِ "الْإِيجَازُ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ".
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ [مَا] (٨) إِذَا اسْتَبَدَّ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَأْخُذُ الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ الْفَرْضَ، وَيَبْقَى الْبَاقِي كَأَنَّهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ، فَتَأْخُذُ ثُلُثَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّهَا تَأْخُذُ الرُّبُعَ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (٩) مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَأْخُذُ الْأُمُّ الثُّلُثَ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، فَيَبْقَى (١٠) خَمْسَةٌ لِلْأَبِ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ فَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي؛ لِئَلَّا تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَبِ لَوْ أَخَذَتْ ثُلُثَ الْمَالِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ (١١) وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ (١٢) وَهُوَ سَهْمٌ، وَلِلْأَبِ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ سَهْمَانِ. وَيُحْكَى هَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِينَ، مُوَافِقٌ كُلَّا مِنْهُمَا فِي صُورَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَبَوَيْنِ: وَهُوَ اجْتِمَاعُهُمَا مَعَ الْإِخْوَةِ، وَسَوَاءٌ كانوا من الأبوين، أو من
(١) في أ: "فيجتمع".
(٢) في جـ: "ما حصل" وفي ر: "ما فضل".
(٣) في جـ، ر: "أو الزوجة".
(٤) في أ: "ماذا تأخذ".
(٥) في أ: "كان".
(٦) في ر: "الباقي".
(٧) في أ: "المصري".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في جـ، ر: "ثلثه".
(١٠) في أ: "فبقى".
(١١) في جـ، ر: "ثلثه".
(١٢) في جـ: "الباقي".
الْأَبِ، أَوْ مِنَ الْأُمِّ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، فَيُفْرَضُ لَهَا مَعَ وُجُودِهِمُ السُّدُسُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهَا وَسِوَى الْأَبِ أَخَذَ الْأَبُ الْبَاقِي.
وَحُكْمُ الْأَخَوَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَحُكْمِ الْإِخْوَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخَوَيْنِ لَا يَردان الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِلِسَانِ قَوْمِكَ إِخْوَةٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ مَا كَانَ قَبْلِي، وَمَضَى فِي الْأَمْصَارِ، وَتَوَارَثَ بِهِ النَّاسُ.
وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ نَظَرٌ، فَإِنَّ شُعْبَة هَذَا تكلَّم فِيهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَخِصَّاءُ بِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُهُ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَخَوَانِ تُسَمَّى إِخْوَةٌ (١) وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُزءًا عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾ أَضَرُّوا بِالْأُمِّ وَلَا يَرِثُونَ، وَلَا يَحْجُبُهَا الْأَخُ الْوَاحِدُ مِنَ الثُّلُثِ وَيَحْجُبُهَا مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَرون أَنَّهُمْ إِنَّمَا حَجَبُوا أُمَّهُمْ مِنَ الثُّلُثِ أَنَّ أَبَاهُمْ يَلِي إِنْكَاحَهُمْ وَنَفَقَتَهُ (٢) عَلَيْهِمْ دُونَ أُمِّهِمْ.
وَهَذَا كَلَامٌ (٣) حَسَنٌ. لَكِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوهُ عَنْ أُمِّهِمْ يَكُونُ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السُّدُسُ الَّذِي حَجَبَتْه الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ لَهُمْ، إِنَّمَا حَجَبُوا أُمَّهُمْ عَنْهُ لِيَكُونَ لَهُمْ دُونَ أَبِيهِمْ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَمْرو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا: أَنَّ الدَّيْن مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ يُفْهَمُ مِنْ فَحْوَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَصْحَابُ التَّفَاسِيرِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] (٤) قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلات، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فيه بعض أهل العلم (٥).
(١) في جـ، ر، أ: "وتسمى الأخوان إخوة".
(٢) في جـ: "والنفقة".
(٣) في جـ: "الكلام".
(٤) زيادة من أ.
(٥) سنن الترمذي برقم (٢٠٩٤).
قُلْتُ: لَكِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْفَرَائِضِ مُعْتَنِيًا بِهَا وَبِالْحِسَابِ (١) فَاللَّهُ (٢) أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أَيْ: إِنَّمَا فَرَضْنَا لِلْآبَاءِ وَلِلْأَبْنَاءِ، وَسَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ كَوْنِ الْمَالِ لِلْوَلَدِ وَلِلْوَالِدَيْنِ (٣) الْوَصِيَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِنَّمَا نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى هَذَا، فَفَرَضَ لِهَؤُلَاءِ وَلِهَؤُلَاءِ بِحَسَبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفْعُ الدُّنْيَوِيُّ -أَوِ الْأُخْرَوِيُّ أَوْ هُمَا -مِنْ أَبِيهِ مَا لَا يَأْتِيهِ مِنِ ابْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أَيْ: كَأَنَّ (٤) النَّفْعَ مُتَوَقَّعٌ وَمَرْجُوٌّ مِنْ هَذَا، كَمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ وَمَرْجُوٌّ مِنَ الْآخَرِ؛ فَلِهَذَا فَرَضْنَا لِهَذَا وَلِهَذَا، وَسَاوَيْنَا بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: [مِنْ] (٥) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْمِيرَاثِ، وَإِعْطَاءِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ -هُوَ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ حَكَمَ بِهِ وَقَضَاهُ، وَاللَّهُ (٦) عَلِيمٌ حَكِيمٌ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا، وَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
(١) قال أبو بكر بن أبي داود: "الحارث كان أفقه وأفرض الناس وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي"، وقيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، كنت أختلف إليه أتعلم الحساب، كان أحسب الناس.
لكن ضعف في روايته للحديث، ضعفه جماعة منهم الشعبي وجرير وابن مهدي وابن المديني ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر: تهذيب الكمال (٥/٢٤٤).
(٢) في ر: "والله".
(٣) في ر، أ: "وللأبوين".
(٤) في جـ، ر، أ: "كما أن".
(٥) زيادة من ر.
(٦) في جـ، ر، أ: "وهو".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }
هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري " ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر " - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.
فقوله تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي : أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب.
وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم.
ثم ذكر كيفية إرثهم فقال :﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي : الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب- فالميراث لهم. وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب ذكورًا وإناثا، هذا مع اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان : انفراد الذكور، وسيأتي حكمها. وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله :﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي : بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَة﴾ أي : بنتا أو بنت ابن ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وهذا إجماع.
بقي أن يقال : من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك ؟
فالجواب أنه يستفاد من قوله :﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضا فقوله :﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين.
وأيضًا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررًا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى.
وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين :﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ نص في الأختين الثنتين.
فإذا كان الأختان الثنتان -مع بُعدهما- يأخذان الثلثين فالابنتان -مع قربهما- من باب أولى وأحرى. وقد أعطى النبي ﷺ ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح.
بقي أن يقال : فما الفائدة في قوله :﴿فَوْقَ اثْنَتَيْن﴾ ؟. قيل : الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا. ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين.
ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها.
وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم. فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص.
وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين العلماء ولله الحمد.
ودل قوله :﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ أن الوارثين يرثون كل ما خلف الميت من عقار وأثاث وذهب وفضة وغير ذلك، حتى الدية التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم(١)
ثم ذكر ميراث الأبوين فقال :﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي : أبوه وأمه ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي : ولد صلب أو ولد ابن ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.
فأما الأُم فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد.
وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين وابنتين- لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء أخذ الأب السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم وغيرهما.
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي : والباقي للأب لأنه أضاف المال إلى الأب والأُم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأُم، فدل ذلك على أن الباقي للأب.
وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين أحد الزوجين -ويعبر عنهما بالعمريتين- فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأُم ثلث الباقي والأب الباقي.
وقد دل على ذلك قوله :﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي : ثلث ما ورثه الأبوان. وهو في هاتين الصورتين إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم وأب. فلم تدل الآية على إرث الأُم ثلثَ المال كاملا مع عدم الأولاد حتى يقال : إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا.
ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين.
ولأنا لو أعطينا الأُم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة زيادة عنها نصفَ السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعفَ ما تأخذه الأم.
﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد [ لكن قد يقال : ليس ظاهرُ قوله :﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم ](٢)  ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك إتيان لفظ " الإخوة " بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين.
وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قوله تعالى عن داود وسليمان ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ وقال في الإخوة للأُم :﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾
فأطلق لفظ الجمع والمراد به اثنان فأكثر بالإجماع. فعلى هذا لو خلف أمًّا وأبًا وإخوة، كان للأُم السدس، والباقي للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [ إلا على الاحتمال الآخر فإن للأم الثلث والباقي للأب ](٣).
ثم قال تعالى :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي : هذه الفروض والأنصباء والمواريث إنما ترد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك هو التركة الذي يستحقه الورثة.
وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال.
وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث. وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى :﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾
فلو ردَّ تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان. فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي : فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحكم ما شرعه وقدَّر ما قدَّره على أحسن تقدير لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال.
١ - في ب: الذمة..
٢ - زيادة من هامش ب وهناك زيادة أخرى في هامش أ وإن لم يتبين محلها، لكنها ذات صلة بهذا الموضوع وهي قوله: [وعند شيخ الإسلام إذا كان الإخوة غير وارثين فإنهم لا يحجبون الأم] وبعد كلمة الأم كلمة غير واضحة في الأصل..
٣ - زيادة من هامش ب..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿١١، ١٢﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري "ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.
فقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أي: أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب.
وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم.
ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب- فالميراث لهم. وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب ذكورًا وإناثا، هذا مع اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها. وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي: بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَة﴾ أي: بنتا أو بنت ابن ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وهذا إجماع.
بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟
فالجواب أنه يستفاد من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضا فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين.
وأيضًا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررًا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى.
وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ نص في الأختين الثنتين.
فإذا كان الأختان الثنتان -مع بُعدهما- يأخذان الثلثين فالابنتان -مع قربهما- من باب أولى وأحرى. وقد أعطى النبي ﷺ ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح.
بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْن﴾ ؟. قيل: الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا. ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين. -[١٦٧]-
ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها.
وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم. فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص.
وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين العلماء ولله الحمد.
ودل قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ أن الوارثين يرثون كل ما خلف الميت من عقار وأثاث وذهب وفضة وغير ذلك، حتى الدية التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم (١).
ثم ذكر ميراث الأبوين فقال: ﴿وَلأبَوَيْهِ﴾ أي: أبوه وأمه ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ولد صلب أو ولد ابن ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.
فأما الأم فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد.
وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين وابنتين- لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء أخذ الأب السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم وغيرهما.
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: والباقي للأب لأنه أضاف المال إلى الأب والأم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأم، فدل ذلك على أن الباقي للأب.
وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين أحد الزوجين -ويعبر عنهما بالعمريتين- فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأم ثلث الباقي والأب الباقي.
وقد دل على ذلك قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ثلث ما ورثه الأبوان. وهو في هاتين الصورتين إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم وأب. فلم تدل الآية على إرث الأم ثلثَ المال كاملا مع عدم الأولاد حتى يقال: إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا.
ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين.
ولأنا لو أعطينا الأم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة زيادة عنها نصفَ السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعفَ ما تأخذه الأم.
﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾ أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد [لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم] (٢) ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك إتيان لفظ "الإخوة" بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين.
وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قوله تعالى عن داود وسليمان ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ وقال في الإخوة للأم: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
فأطلق لفظ الجمع والمراد به اثنان فأكثر بالإجماع. فعلى هذا لو خلف أمًّا وأبًا وإخوة، كان للأم السدس، والباقي للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [إلا على الاحتمال الآخر فإن للأم الثلث والباقي للأب] (٣).
ثم قال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: هذه الفروض والأنصباء والمواريث إنما ترد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك هو التركة الذي يستحقه الورثة.
وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال. -[١٦٨]-
وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث. وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فلو ردَّ تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان. فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحكم ما شرعه وقدَّر ما قدَّره على أحسن تقدير لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال.
(١) في ب: الذمة.
(٢) زيادة من هامش ب وهناك زيادة أخرى في هامش أوإن لم يتبين محلها، لكنها ذات صلة بهذا الموضوع وهي قوله: [وعند شيخ الإسلام إذا كان الإخوة غير وارثين فإنهم لا يحجبون الأم] وبعد كلمة الأم كلمة غير واضحة في الأصل.
(٣) زيادة من هامش ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
إِخْوَةٌ
اثْنَانِ فَأَكْثَرُ.

إعراب الآية ١١ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً قال أبو إسحاق «١» : نَصِيباً مَفْرُوضاً نصب على الحال، وقال الأخفش والفراء «٢» : هو مصدر كما تقول: فرضا ولو كان غير مصدر لكان مرفوعا على النعت لنصيب.

[سورة النساء (٤) : آية ٨]

وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨)
يبعد أن يكون هذا على الندب لأن الندب لا يكون إلّا بدليل أو إجماع أو توقيف فأحسن ما قيل فيه أنّ الله جلّ وعزّ أمر إذا حضر أولو القربى ممن لا يرث أن يعطيه من يرث شكرا لله جلّ وعزّ على تفضيله إياه.

[سورة النساء (٤) : آية ٩]

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩)
وَلْيَخْشَ جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الألف. قال سيبويه: لئلا يشبه المجزوم المرفوع والمنصوب، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأجاز ذلك سيبويه في الشعر وأنشد الجميع: [الوافر] ٩٤-
محمد تفد نفسك كلّ نفسإذا ما خفت من أمر تبالا «٣»
وزعم أبو العباس: أن هذا لا يجوز لأن الجازم لا يضمر.

[سورة النساء (٤) : آية ١٠]

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)
اسم إن والخبر إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس وَسَيَصْلَوْنَ «٤» على ما لم يسم فاعله، وقرأ أبو حيوة وسيصلّون «٥» على التكثير.

[سورة النساء (٤) : آية ١١]

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١)
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ خبر فيه معنى الإلزام ثمّ بيّن الذي أوصاهم به فقال:
(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٦٧، والبحر المحيط ٣/ ١٨٣.
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٧.
(٣) مرّ الشاهد رقم (٦٥).
(٤) انظر تيسير الداني ٧٨.
(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ «مثل» رفع بالابتداء أو بالصفة، ويجوز النصب في غير القرآن على إضمار فعل. فَإِنْ كُنَّ نِساءً خبر كان أي فإن كان الأولاد نساء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا «١» : منها أنّ فوق زائدة وهو خطأ لأن الظروف ليست مما يزداد لغير معنى، ومنها الاحتجاج للأخوات ولا حجّة فيه لأن ذلك إجماع فهو مسلّم لذلك، ومنها أنه إجماع وهو مردود لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنين النصف لأن الله جلّ وعزّ قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ قال: فلا أعطي البنتين الثلثين، ومنها أن أبا العباس قال: في الآية ما يدلّ على أن للبنتين الثلثين قال:
لما كان للواحد مع الابن الواحد الثلث علمنا أن للابنتين الثلثين وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة فيقول مخالفه إذا ترك ابنتين وابنا فللبنتين النصف فهذا دليل على أنّ هذا فرضهما وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث المروي. لغة أهل الحجاز وبني أسد الثّلث والرّبع إلى العشر، ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر، ويقال: ثلثت القوم أثلثهم، وثلثت الدراهم أثلثها إذا أتممتها ثلاثة وأثلثت هي إلا أنّهم قالوا في المائة والألف: مأيتها وأمأت وآلفتها وألفت. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت المولودة واحدة مثل فَإِنْ كُنَّ نِساءً، وقرأ أهل المدينة وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً «٢» تكون كانت بمعنى وقعت مثل كان الأمر، وقرأ أبو عبد الرّحمن السلميّ فَلَهَا النِّصْفُ وقرأ أهل الكوفة فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ «٣» وهذه لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل. قال أبو جعفر: لما كانت اللام مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة فأبدلوا من الضمة كسرة لأنه ليس في الكلام فعل ومن ضم جاء به على الأصل ولأن اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم. قرأ مجاهد وعاصم وابن كثير مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ «٤» على ما لم يسمّ فاعله وقرأ الحسن يُوصِي بِها «٥» على التكثير. فَرِيضَةً مصدر. إِنَّ اللَّهَ اسم إنّ. كانَ عَلِيماً خبر كان واسم كان فيها مضمر والجملة خبر إنّ، ويجوز في غير القرآن «إنّ الله كان عليم حكيم» على إلغاء كان. وأهل التفسير يقولون: معنى كان عليما حكيما لم يزل، ومذهب سيبويه «٦» أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله كان كذلك وقال أبو العباس: ليس
(١) انظر البحر المحيط ٣/ ١٩١.
(٢) انظر تيسير الداني ٧٨ والبحر المحيط ٣/ ١٩١. [.....]
(٣) انظر تيسير الداني ٧٨، والحجّة لابن خالويه ٩٥.
(٤) انظر تيسير الداني ٧٨.
(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٢٥، وهي قراءة أبي الدرداء وأبي رجاء أيضا.
(٦) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٧٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١١ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. [١١].
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا الحسن بن أحمد المخلدي، اخبرنا المُؤَمِّل بن الحسن بن عيسى، قال: حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدَّثنا حجاج بن أبي جريج، قال: أخبرني ابن المُنْكَدِر، عن جابر قال:
عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ ثم رش عليَّ منه فأفقت، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية.
رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام.
ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، عن حجاج كلاهما عن ابن جريج.
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري، قال: أخبرنا علي بن عمر بن مهدي قال: حدَّثنا يحيى بن صاعد، قال: حدَّثنا أحمد بن المقدام، قال: حدَّثنا بشر بن المفضل قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال:
جاءت امرأة [إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس - أو قالت سعد بن الرَّبيع - قتل معك يوم أحد، وقد اسْتَفَاءَ عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالاً إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله ما ينكحان أبداً إلى ولهما مال. فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء وفيها: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك.

القراءات في الآية ١١ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فَلأُمِّهِ

(فلأُمّه) بضم الهمزة

قالون عن نافع شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر حفص عن عاصم هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب إسحاق عن خلف ورش عن نافع إدريس عن خلف

(فلإِمِّه) بكسر الهمزة

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

وَاحِدَةً

(واحدةٌ) بالرفع

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع ورش عن نافع

(واحدةً) بالنصب

إسحاق عن خلف الدوري عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب أبو الحارث عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو البزي عن ابن كثير خلاد عن حمزة خلف عن حمزة هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير حفص عن عاصم إدريس عن خلف شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر

وَصِيَّةٍ يُوصِى

(وصيةٍ يوصِى) إدغام التنوين فى الياء بغنة وكسر صاد (يوصِى)

ابن جمّاز عن أبي جعفر إدريس عن خلف رويس عن يعقوب ورش عن نافع روح عن يعقوب إسحاق عن خلف قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة السوسي عن أبي عمرو حفص عن عاصم

(وصيةٍ يُوصِى) إدغام التنوين فى الياء بلا غنة وكسر الصاد فى (يوصى)

خلف عن حمزة

(وصيةٍ يوصَى) إدغام التنوين في الياء بغنة وفتح صاد يوصَى

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١١ من سورة النساء

١٣ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣١ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿فريضة من الله﴾، قال: قسمة المواريث الذين ذكرهم الله في هذه الآية١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٥٢-.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال في التقديم لهذه القسمة: ﴿فريضة﴾ ثابتة ﴿من الله﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦١.
٣
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- قوله: ﴿حكيما﴾، قال: حكيم في أمره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾، قال: حَكَمَ قَسْمَهُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله كان عليما﴾ في الميراث، ﴿حكيما﴾ حَكَم قِسْمَتَهُ١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦١.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير (٣/٣٦٧): «هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة؛ هُنَّ آياتُ علم الفرائض، وهو مستنبط مِن هذه الآيات الثلاث، ومِن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك». وقال أيضًا (٣/٣٧١ بتصرف): «وقد استنبط بعضُ الأذكياء مِن هذه الآية: أنّه تعالى أرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلِم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأةً مِن السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته مِن السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أترون هذه طارِحَةً ولدَها في النار وهي تقدِرُ على ذلك؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فواللهِ، لَلهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها»».
٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحارث أو عاصم- قال: إنّكم تقرؤون هذه الآية: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾، وإنّ رسول الله ﷺ قضى بالدَّيْنِ قبل الوصية، وإنّ أعيان بني الأُمِّ يتوارثون دون بني العَلّات١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢‏/‏٣٣ (٥٩٥)، ٢‏/‏٣٣١ (١٠٩١)، ٢‏/‏٣٩٢ (١٢٢٢) واللفظ له، والترمذي ٤‏/‏١٧٤-١٧٥ (٢٢٢٤، ٢٢٢٥، ٢٢٢٦)، ٤‏/‏٢٠١ (٢٢٥٥)، وابن ماجه ٤‏/‏١٩ (٢٧١٥)، والحاكم ٤‏/‏٣٧٣ (٧٩٦٧)، ٤‏/‏٣٨٠ (٧٩٩٤)، وابن جرير ٦‏/‏٤٦٩، وابن المنذر ٢‏/‏٥٩٠ (١٤٣٨)، ٢‏/‏٥٩٥ (١٤٥٢)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٣ (٤٩٠٦). وعلَّقه البخاري ٤‏/‏٥. قال الإمام الشافعي في الأم ٥/ ٢١٧: «وقد رُوي في تبدئة الدين قبل الوصية حديثٌ عن النبي ﷺ لا يُثبتُ أهلُ الحديث مثلَه». وقال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعضُ أهل العلم في الحارث». وقال ابن كثير في تفسيره ٢‏/‏٢٢٩ تعليقًا على كلام الترمذي: «لكن كان حافظًا للفرائض، معتنيًا بها وبالحساب». وقال الحاكم: «هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق، والحارث بن عبد الله على الطريق، لذلك لم يخرجه الشيخان». وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٩‏/‏١٧٦ (١٢٧٧٤): «وإنما امتنعوا من تثبيته لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي، قد طعنوا في رواياته». وقال ابن حجر في الفتح ٥‏/‏٣٧٧ والعيني في عمدة القاري ١٤‏/‏٤٣: «إسناده ضعيف». وقال الألباني في الإرواء ٦‏/‏١٠٧ (١٦٦٧)، ٦‏/‏١٣١ (١٦٨٨): «حسن».
٧
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿من بعد وصية يوصي بها﴾ فيما بينه وبين الثُّلُث، لغير الورثة، ولا تجوز وصية لوارث، ﴿أو دين﴾ يعني: يُقْسَم الميراثُ للورثة مِن بعد دَيْنٍ على الميت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠-٨٨٤.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن مجاهد- في قوله: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾، قال: يُبْدَأ بالدَّيْن قبل الوصية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٧٠.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾، يعني: إلى الثُّلُثِ، أو دَيْنٍ عليه، فإنّه يُبْدَأ بالدَّيْنِ مِن ميراث الميت بعد الكَفَن، ثُمَّ الوصية بعد ذلك، ثم الميراث١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦١.
تعليقات المحققين
  1. ٢بَيَّنَ ابنُ جرير (٦/٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) أنّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع. ووجَّه ابنُ عطية (٢/٤٨٤) تقديمَ الوصيّة في الآية بالذِّكرِ استنادًا إلى العقل، واللغة، فقال: «هذه الآية إنما قُصِد بها تقديمُ هذين الفعلين على الميراث، ولم يُقْصَد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدَّمت الوصِيَّةُ في اللفظ، والدَّين مُقَدَّم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنّه قَدَّم الوصيةَ إذ هي أقلُّ لزومًا مِن الدَّين؛ اهتمامًا بها، وندبًا إليها، كما قال تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة﴾ [الكهف:٤٩]، وأيضًا قَدَّمها مِن جهة أنّها مُضَمَّنُها الوَصِيَّةُ التي هي كاللازم يكون لكل ميت؛ إذ قد حضَّ الشرعُ عليها، وأَخَّرَ الدَّين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بُدَّ منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانًا، ويُقَوِّي هذا كونُ العطف بـ﴿أو﴾، ولو كان الدَّيْنُ راتِبًا لكان العطف بالواو. وقُدِّمَتِ الوصية أيضًا إذ هي حَظُّ مساكينٍ وضِعاف، وأُخِّر الدَّينُ إذ هو حظ غريمٍ يطلبه بقوة، وهو صاحب حَقٍّ له فيه، كما قال عليه السلام: «إنّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا»».
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، يقول: أطْوَعُكم لله مِن الآباء والأبناء أرفعُكم درجةً عند الله يوم القيامة؛ لأنّ الله شَفَّع المؤمنين بعضَهم في بعض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٧١، وابن المنذر ٢‏/‏٥٨٩-٥٩٠، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: الميراثُ للولد، فانتزع اللهُ مِنه للزَّوْجِ والوالد١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٣٠).
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿أيهم أقرب لكم نفعا﴾، قال: في الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٧١-٤٧٢، وابن المنذر ٢‏/‏٥٩٠ من طريق ابن جُرَيج. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٥٢-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٣
قال الحسن البصري: لا تدرون بأيِّهم أنتم أسعد في الدِّين والدنيا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣‏/‏٢٦٩.
١٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿أيهم أقرب لكم نفعا﴾، قال بعضُهم: في نفع الآخرة. وقال بعضُهم: في نفع الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٧٢، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، يعني: في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أنّ الرجل يكون عملُه دونَ عمل ولده، أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه اللهُ عز وجل في درجته لِتَقَرَّ أعينُهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦١.
١٦
عن سفيان الثوري: أنّه درجةٌ في الآخرة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
١٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولد الذين يَرِثُونكم؟ لم يُدْخِل عليكم غيرَهم، فرَضِي لهم المواريث، لم يأتِ بآخرين يَشْرَكُونهم في أموالكم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٧٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالنفع المذكور في قوله تعالى: ﴿أيهم أقرب لكم نفعًا﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد: نفْع الدنيا. وثانيها: أنّ المراد: نفْع الآخرة. وثالثها: نفْع الدنيا والآخرة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٤٧٢)، وابنُ عطية (٢/٤٨٥)، وابنُ كثير (٣/٣٧٦) إلى القولِ الثالثِ، وهو قول ابن زيد، استنادًا إلى ظاهر اللفظ، قال ابنُ عطية (٢/٤٨٥): «واللفظ يقتضي ذلك».
١٨
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فريضة من الله﴾، يعني: ما ذُكِر من قسمة الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٤.
١٩
عن عبد الله بن مسعود، قال: كان عمر بن الخطاب إذا سلك بِنا طريقًا فاتَّبَعْناهُ وجَدْناهُ سهلًا، وإنّه سُئِل عن امرأة وأبوين. فقال: للمرأةِ الرُّبُع، وللأُمِّ ثلث ما بقي، وما بقي فللأب١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦)، والحاكم ٤‏/‏٣٣٥، والبيهقي ٦‏/‏٢٢٧-٢٢٨.
٢٠
عن عكرمة أنّه قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوجٍ وأبوين. فقال زيد: للزوج النِّصْفُ، وللأُمِّ ثُلُثُ ما بقي، وللأبِ بَقِيَّةُ المال. فأرسل إليه ابنُ عباس: أفي كتاب الله تَجِدُ هذا؟ قال: لا، ولكن أكْرَهُ أن أُفَضِّل أُمًّا على أبٍ، قال: وكان ابنُ عبّاس يُعْطِي الأُمَّ الثُّلُثَ مِن جميع المال١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٠)، والبيهقي ٦/ ٢٢٨.
٢١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ولأبويه﴾ يعني: أبوي الميت ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ الميِّتُ ﴿إن كان له ولد﴾ يعني: ذكرًا كان، أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، فإن كان الولدُ ابنةً واحدةً فلها نصفُ المال، ثلاثة أسداس، وللأب سدس، ويبقى سُدُسٌ واحدٌ فيُرَدُّ ذلك على الأب؛ لأنه هو العصبة، ﴿فإن لم يكن له ولد﴾ قال: ذكرٌ ولا أنثى ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وبقية المال للأب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠-٨٨٤.
٢٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ الميِّتُ ﴿إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وبقية المال للأب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٠-٣٦١.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مولاه شعبة- أنّه دخل على عثمان، فقال: إنّ الأخوين لا يَرُدّانِ الأُمَّ عن الثُّلُثِ، قال الله: ﴿فإن كان له إخوة﴾؛ فالأخوان ليسا بلسان قومِك إخوةً، فقال عثمان: لا أستطيعُ أن أرُدَّ ما كان قبلي، ومَضى في الأمصار، وتوارث به الناس١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦/ ٤٦٥، والحاكم ٤/ ٣٣٥، والبيهقي في سُنَنِه ٦/ ٢٢٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٣/ ٣٧٤) على هذا الأثر بقوله: «في صحة هذا الأثر نظر؛ فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابُه الأخِصّاءُ به، والمنقولُ عنهم خلافُه».
٢٤
عن زيد بن ثابت -من طريق ابنه خارِجة- أنّه كان يَحْجِبُ الأُمَّ بالأخوين، فقالوا له: يا أبا سعيد، إنّ الله يقول: ﴿فإن كان له إخوة﴾، وأنت تحجبها بأخوين! فقال: إنّ العرب تُسَمِّي الأَخَوَيْنِ إخْوَةً١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏٣٣٥، والبيهقي في سُنَنِه ٦‏/‏٢٢٧.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: السُّدُسُ الذي حجبته الإخوةُ الأُمَّ لهم؛ إنّما حجبوا أُمَّهم عنه ليكون لهم دون أبيهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٧)، وابن جرير ٦‏/‏٤٦٨، والبيهقي في سُنَنِه ٦‏/‏٢٢٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٦/٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) قولَ ابن عباس هذا؛ لشذوذه عما عليه الأمة، ولورود خلافه عنه أيضًا. قال ابنُ جرير: «وأمّا الذي رُوِي عن طاووس عن ابن عباس فقولٌ لِما عليه الأمة مخالفٌ، وذلك أنّه لا خلاف بين الجميع ألّا ميراث لأخي ميِّتٍ مع والده، فكفى إجماعُهم على خلافِه شاهِدًا على فساده».
٢٦
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فإن كان له﴾ يعني: للميت ﴿إخوة﴾ قال: أخَوان فصاعِدًا، أو أختان، أو أخ أو أخت١ ﴿فلأمه السدس﴾، وما بقي فللأب، وليس للإخوة مع الأب شيءٌ، ولكنهم حجبوا الأُمَّ عن الثلث٢٣
التخريج
  1. ١هكذا في الأصول.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠-٨٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٤٦٨-٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) إلى ما ذهب إليه الجمهور، مِن أنّ الإخوة يحجبون الأُمَّ عن الثلث، ولا شيء لهم؛ لِما لهم مِن النَّفقةِ على أبيهم، قال ابنُ جرير: «وأولى ذلك بالصواب أن يُقال في ذلك: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- فرض للأُمِّ مع الإخوة السدس؛ لما هو أعلم به من مصلحة خلقه. وقد يجوز أن يكون ذلك كان لِما أُلْزِمَ الآباءُ لأولادهم، وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك، وليس ذلك مما كُلِّفنا علمه، وإنما أُمِرْنا بالعمل بما علمنا».
٢٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، قال: أضَرُّوا بالأُمِّ، ولا يرثون، ولا يحجبها الأخُ الواحِدُ مِن الثُّلُث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهلُ العلم يَرَوْن أنّهم إنّما حَجَبُوا أُمَّهم مِن الثلث لأنّ أباهم يلي نكاحَهم والنفقةَ عليهم دون أُمِّهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٦٧-٤٦٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٣. وذكره عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص٧٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (٣/٣٧٥) على قول قتادة هذا بقوله: «هذا كلام حسنٌ».
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وما بقي فللأب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦١.
٢٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، قال: صغيرًا أو كبيرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠.
٣٠
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿حظ﴾، يقول: نصيب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠.
٣١
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ بَيَّن قِسمة المواريث بين الورثة، فقال عز وجل: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٠.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن قَبِيصَة بن ذُؤَيْب، قال: جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكر، فقالت: إنّ لي حَقًّا، ابنُ ابن -أو ابنُ ابنة- لي مات. قال: ما علِمْتُ لكِ في كتاب الله حَقًّا، ولا سمِعتُ مِن رسول الله ﷺ فيه شيئًا، وسأسألُ. فشهد المغيرةُ بنُ شعبة أنّ رسول الله ﷺ أعطاها السُّدُسَ، قال: مَن سمِع ذلك معك؟ فشهد محمد بن مسلمة، فأعطاها أبو بكر السُّدُسَ١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٩‏/‏٤٩٩-٥٠٠ (١٧٩٨٠)، وأبو داود ٤‏/‏٥٢١ (٢٨٩٤)، والترمذي ٤‏/‏١٧٨-١٧٩ (٢٢٣٢، ٢٢٣٣)، وابن ماجه ٤‏/‏٢٦-٢٧ (٢٧٢٤)، وابن حبان ١٣‏/‏٣٩٠-٣٩١ (٦٠٣١)، والحاكم ٤‏/‏٣٧٦ (٧٩٧٨) واللفظ له. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وتبعه الذهبي. وقال البغوي في شرح السنة ٨‏/‏٣٤٦ (٢٢٢١): «هذا حديث حسن». وقال ابن حزم في المحلى ٨‏/‏٢٩٢: «حديث قبيصة منقطع؛ لأنه لم يدرك أبا بكر، ولا سمعه من المغيرة، ولا محمد». وقال ابن عبد البر في التمهيد ١١‏/‏٩١: «وهو حديث مرسل عند بعض أهل العلم بالحديث؛ لأنه لم يذكر فيه سماعٌ لقبيصة من أبي بكر، ولا شهود لتلك القصة. وقال آخرون: هو مُتَّصِل؛ لأنّ قبيصة بن ذؤيب أدرك أبا بكر الصديق، وله سِنٌّ لا يُنكَرُ معها سماعُه». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٧‏/‏٢٠٧: «هذا الحديث صحيح». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣‏/‏١٨٦ (١٣٤٩): «وإسناده صحيح لثقة رجاله، إلا أن صورته مرسل؛ فإنّ قَبِيصَة لا يصِحُّ له سماعٌ مِن الصديق، ولا يمكن شهودُه للقصة. قاله ابن عبد البر بمعناه، وقد اختلف في مولده، والصحيح أنه ولد عام الفتح، فيبعد شهوده القصة، وقد أعلَّه عبد الحق تبعًا لابن حزم بالانقطاع، وقال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف فيه عن الأزهري: يُشْبِه أن يكون الصوابُ قولَ مالك ومَن تابعه». وقال الألباني في الإرواء ٦‏/‏١٢٤ (١٦٨٠): «ضعيف».
٢
عن طاووس بن كَيْسان -من طريق ابن طاووس- أنّه كان يقول في امرأة تُوُفِّيَت، وتركت زوجَها، وأُمَّها، وإخوتَها مِن أُمِّها، وأختَها مِن أمها وأبيها: لأُمِّها السُّدُس، ولزوجها الشطرُ، والثلث بين الإخوة مِن الأم والأخت مِن الأب والأم، وأنّ عمر بن الخطاب كان يقول: ألقوا أباها في الريح، أمّا الأُخْتُ للأب والأم فإنّها لا ترِث به، وإنما ورِثَتْ مع الإخوة مِن أجل أنها ابنة أُمِّهم، قال: فإن كان مع الإخوة للأُمِّ أُخْتٌ لأبٍ فلا شيء لها. قلتُ: فكيف يقتسمون الثلث؟ قال: كان ابن عباس يقول: لا أجد إلا ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، قال ابن طاووس: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١ (١٩٠٠٨).

نزول الآية

٦ أقوال
١
قال مقاتل، ومحمد بن السائب الكلبي: نزلت في أم كُجَّة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٣/ ٢٦٧.
٢
عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سَلِمة ماشِيَيْن، فوجدني النبي ﷺ لا أعقِل شيئًا، فدعا بماء، فتوضأ منه، ثم رَشَّ عَلَيَّ، فأَفَقْتُ، فقلتُ: ما تأمرني أن أصنع في مالي، يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٤٣-٤٤ (٤٥٧٧)، ومسلم ٣‏/‏١٢٣٥ (١٦١٦)، وابن جرير ٦‏/‏٤٦٠، وابن المنذر ٢‏/‏٥٨٧ (١٤٣٢)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠ (٤٨٨٦).
٣
عن جابر بن عبد الله، قال:كان رسول الله ﷺ يَعُودُني وأنا مريض، فقلتُ: كيف أقْسِمُ مالي بين ولدي؟ فلم يَرُدَّ عَلَيَّ شيئًا؛ فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٤‏/‏١٧٥ (٢٢٢٧)، والحاكم ٢‏/‏٣٣٢ (٣١٨٥). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «قد اتفق الشيخان على إخراج حديث شعبة عن محمد بن المنكدر في هذا الباب بألفاظ غير هذه، وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «قد أخرجا أصله».
٤
عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت امرأةُ سعدِ بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتِل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالًا، ولا يُنكَحان إلا ولهما مال. فقال: «يقضي الله في ذلك». فنزلت آية الميراث: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمِّهما فقال: «أعْطِ ابنتَي سعد الثلثين، وأمَّهُما الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٣‏/‏١٠٨ (١٤٧٩٨)، وأبو داود ٤‏/‏٥٢٠ (٢٨٩٢)، والترمذي ٤‏/‏١٧٢-١٧٣ (٢٢٢٢)، وابن ماجه ٤‏/‏٢٣-٢٤ (٢٧٢٠)، والحاكم ٤‏/‏٣٧٠ (٧٩٥٤)، ٤‏/‏٣٨٠ (٧٩٩٥)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨١ (٤٨٩٢). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٧‏/‏٢١٣: «هذا الحديث صحيح». وقال الألباني في الإرواء ٦‏/‏١٢١ (١٦٧٧): «حسن».
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: لَمّا نزلت آيةُ الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذَّكَرِ والأنثى والأبوين؛ كَرِهَها الناسُ، أو بعضُهم، وقالوا: نُعْطِي المرأةَ الرُّبُع أو الثُّمُن، ونعطي الابنةَ النصفَ، ونعطي الغلام الصغير، وليس مِن هؤلاء أحدٌ يُقاتِل القومَ، ولا يحوز الغنيمة؟! وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا لِمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٥٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٢ (٤٨٩٦) مطولًا. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُوَرِّثُون الجواري، ولا الضعفاءَ مِن الغلمان، لا يَرِثُ الرجلُ من والده إلا مَن أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسّان الشاعر، وترك امرأةً لهُ يُقال لها: أم كُجَّة، وترك خمس جوارٍ، فجاءتِ الوَرَثَةُ، فأخذوا ماله، فشَكَتْ أم كُجَّة ذلك إلى النبي ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، ثم قال في أم كُجَّة: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٤٥٧-٤٥٧، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨١.

تفسير الآية

٣ أقوال
١
عن زيد بن ثابت -من طريق ابنه خارِجة- قال: إذا تُوُفِّي الرجلُ أو المرأةُ وترك بنتًا فلها النصف، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلَهُنَّ الثُّلُثان، وإن كان مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فلا فريضة لأحد منهم، ويبدأ بأحد إن شَرَكَهُنَّ بفريضةٍ فيُعْطى فريضَتَه١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٤‏/‏٣٣٤.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فإن كن نساء﴾ يعني: بنات ﴿فوق اثنتين﴾ يعني: أكثر من اثنتين، أو كن اثنتين ليس مَعَهُنَّ ذكر ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ الميِّت، والبقية للعصبة، ﴿وإن كانت واحدة﴾ يعني: ابنة واحدة ﴿فلها النصف﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠-٨٨٤.
٣
قال مقاتل بن سليمان: قال عز وجل: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾ يعني: بنات أم [كُجَّة] ﴿فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت﴾ ابنة ﴿واحدة فلها النصف﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٦٠.

النسخ في الآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن أبي رباح- قال: كان المالُ للولد، وكانت الوصيةُ للوالدين والأقربين، فنسخ اللهُ مِن ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلِّ واحد منهما السدس مع الولد، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٢٧٤٧، ٤٥٧٨)، وابن جرير ٦‏/‏٤٥٩، وابن المنذر ٢‏/‏٥٨٨، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٨٠، والبيهقي في سُنَنِه ٦‏/‏٢٢٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٦/٤٥٧-٤٥٩ بتصرف): «وقد ذُكِرَ أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ تبيينًا مِن الله الواجبَ مِن الحكم في ميراث مَن مات وخلّف ورَثَةً على ما بيَّن؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون مِن ميراث الميت لأحد مِن ورثته بعده مِمَّن كان لا يُلاقي العدوَّ، ولا يُقاتِل في الحروب مِن صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلة دون الذرية. فأخبر الله -جل ثناؤه- أن ما خلفه الميت بين مَن سَمّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارِثٌ غيرُهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال آخرون: بل نزل ذلك مِن أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله -تبارك وتعالى- ذلك بهذه الآية».
٢
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر- أنّه قال: ﴿إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ [البقرة:١٨٠]، فنسختها آية الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع – علوم القرآن ٣‏/‏٦٦ (١٤٨).
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١ من سورة النساء

٢٤ وقفةً في هذه الآية

  • {يوصيكم الله في أولادكم} "هذا يدل على أن الله أرحم بعباده من الوالدين،حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم عليهم".

    — محمد الربيعة

  • ﴿ يوصيكم الله في أولادكم... ﴾ فماذا فعلتم بهذه الوصية أيها الآباء !!!

    — نايف الفيصل

  • ‏﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾ الله يوصي الأب والأم بولدهما ؛ لأنه أرحم به منهما.

    — عبدالله بلقاسم

  • -  أعجب من والد لا يقبل أولاده ولا يضمّهم ولا يمسح على رؤوسهم ولا يحنّ عليهم ! وربنا تبارك وتعالى يقول : (يوصيكم الله في أولادكم ..).

    — نايف الفيصل

  • لو لم يكن الله أرحم بنا من والدينا -رغم معاصينا- لما أوصاهم علينا !! ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ا للهم ارحمنا .

    — بدون مصدر

  • (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) إنما قال: (فِي أَوْلاَدِكُمْ) ولم يقل: (في أبنائكم)؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنى، وليسوا من الورثة.

    — ابن عجيبة الفاسي

  • { يوصيكم الله في أولادكم } قال السعدي : هذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين ، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم عليهم .

    — محاسن التاويل

  • مجالس في تدبر القرآن ( سورة النساء آية 11)

    — خالد السبت

  • (فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) لها الحب كله.. والسدس من المال المال ليس كل شئ

    — عبدالله بلقاسم

  • {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ...} الوصية هنا من الله لنعلم بأن الله ارحم بنا من والدينا ومن الناس جميعا

    — مجالس التدبر

  • {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ...} .. الله أرحم بخلقه من الوالد بولده حيث أوصى الوالدين بأوﻻدهم ..تفسير القرآن العظيم

    — مجالس التدبر

  • قال الله تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) : - تولى الله تبارك وتعالى قسمة الميراث بنفسه وفق علمه وحكمته لذا أوصى سبحانه وتعالى ان يعطى الأولاد الذكور في حال اجتماعهم مع الإناث ضعف ما تأخذه الاناث .

    — أحمد عيسى المعصراوى

و١٢ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١١ من سورة النساء

٥ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١١ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(11) Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.[164] And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,[165] after any bequest he [may have] made or debt.[166] Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
[164]- Literally, "that which he left."
[165]- Although the siblings themselves do not inherit in this case.
[166]- Based upon prophetic ḥadīths, scholars have ruled that debt takes precedent over a bequest, that a bequest may not include any who inherit by law, and that the total bequest may not be more than one third of one's estate. After the fulfillment of debts and bequests (if any), the remainder of the estate is to be divided according to the ordinances in this sūrah.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال