جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ : بعهد الله إليكم، ﴿فِي أوْلاَدِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يقول يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم، وخلف أولادا ذكورا وإناثا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم في أن جميع ذلك بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين ورفع قوله :«مثل »، بالصفة، وهي اللام التي في قوله :﴿للذّكَرِ﴾ ولم ينصب بقوله :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ لأن الوصية في هذا الموضع عهد وإعلام بمعنى القول، والقول لا يقع على الأسماء المخبر عنها، فكأنه قيل : يقول الله تعالى ذكره : لكم في أولادكم للذكر منهم مثل حظّ الأنثيين. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على النبيّ ﷺ تبيينا من الله الواجب من الحكم في ميراث من مات وخلف ورثة على ما بيّن، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده ممن كان لا يلاقي العدوّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم، وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية، فأخبر الله جلّ ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سمى وفرض له ميراثا في هذه الاَية وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم : لهم ميراث أبيهم إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظّ الأنثيين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري، ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجلَ من ولده إلا من أطاق القتال. فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كُحة وترك خمس أخوت، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبيّ ﷺ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الاَية :﴿فإنْ كُنّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثا ما تَركَ وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ﴾ ثم قال في أم كحة :﴿ولهُنّ الرّبعُ مِمّا تَركْتُمْ إنْ لمْ يَكنْ لَكُمْ ولَدٌ فإنْ كان لَكُمْ ولَدٌ فلَهُنّ الثمنٌ﴾.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا : تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة ! اسكتوا عن هذا الحديث، لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيره ! فقال بعضهم : يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا ؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر.
وقال آخرون : بل نزل ذلك من أجل أن المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله :﴿يُوصِيكمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ قال : كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد، وللزوج الشطر والربع، وللزوجة الربع والثمن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قال : كان ابن عباس يقول : كان المال وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله. ورُوي عن جابر بن عبد الله ما :
حدثنا به محمد بن المثنى، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال : سمعت جابر بن عبد الله، قال : دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مريض، فتوضأ ونضح عليّ من وَضوئه فأفقت، فقلت : يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، فكيف بالميراث ؟ فنزلت آية الفرائض.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : ثني محمد بن المنكدر عن جابر، قال : عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه في بني سملة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم رشّ عليّ فأفقت، فقلت : يا رسول الله كيف أصنع في مالي ؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكمْ﴾. . . الاَية.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ كُنّ نِساءً فَوْق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلثا ما تَركَ﴾.
يعني بقوله :﴿فإنْ كُنّ﴾ فإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين. ويعني بقول نِساء : بنات الميت فوق اثنتين، يقول : أكثر في العدد من اثنتين. ﴿فَلهُنّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ يقول : فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه دون سائر ورثته إذا لم يكن الميت خلف ولدا ذكرا معهن.
واختلف أهل العربية في المعنيّ بقوله :﴿فإنْ كُنّ نِساءً﴾ فقال بعض نحويي البصرة بنحو الذي قلنا : فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضا قول بعض نحويي الكوفة.
وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : فإن كان الأولاد نساء. وقال : إنما ذكر الله الأولاد، فقال :﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ ثم قسم الوصية، فقال :﴿فإنْ كُنّ نِساءً﴾ وإن كان الأولاد واحدة ترجمة منه بذلك عن الأولاد.
قال أبو جعفر : والقول الأوّل الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي، لأن قوله :«وإن كنّ »، لو كان معنيا به الأولاد، لقيل : وإن كانوا، لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك، فإنما يقال : كانوا لا كنّ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وإنْ كانَتْ واحِدةً فَلَها النّصْفُ ولأبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السّدُسُ مِمّا تَرك إنْ كان لَهُ وَلَدٌ﴾.
يعني بقوله : وإن كانت المتروكة ابنة واحدة، فلها النصف، يقول : فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكر ولا أنثى.
فإن قال قائل : فهذا فرض الواحدة من النساء، وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين ؟ قيل : فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشكّ. وأما قوله :﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ فإنه يعني : ولأبوي الميت لكل واحد منهما السدس من تركته وما خلف من ماله سواء فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس إن كان له ولد ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة.
فإن قال قائل : فإذ كان كذلك التأويل، فقد يجب أن لا يزاد الوالد مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت، وذلك إن قلته قول خلاف لما عليه الأمة مجمعون من تصييرهم باقي تركة الميت مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها لوالده أجمع ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك كالذي ظننت، وإنما لكلّ واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده ذكرا كان الولد أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة، فإن زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة فإنما زيدها ثانيا لقرب عصبة الميت إليه، إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبة الميت وأقربهم إليه بحكم ذلك لها على لسان رسول الله ﷺ، وكان الأب أقرب عصبة ابنة وأولاها به إذا لم يكن لابنه الميت ابن.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ فلأُمّهِ الثّلُثُ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ : فإن لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه دون غيرهما من ولد وارث¹ ﴿فلاّمّهِ الثّلُثُ﴾ يقول : فلأمه من تركته وما خلف بعده ثلث جميع ذلك.
فإن قال قائل : فمن الذي له الثلثان الآخران ؟ قيل له الأب. فإن قال قائل : بماذا ؟ قلت : بأنه أقرب أهل الميت إليه، ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بين على لسان رسول الله ﷺ لعباده أن كل ميت فأقرب عصبته به أولى بميراثه بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه. وهذه العلة هي العلة التي من أجلها سمى للأم ما سمى لها، إذا لم يكن الميت خلف وارثا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حال للميت، فبين الله جلّ ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكر من له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم من له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك معينا لهم على تكرير حكمه مع كل من قسم له حقا من ميراث ميت وسمّى له منه سهما.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فلأُمّهِ السّدُسُ﴾.
إن قال قائل : وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد ؟ قلت : اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة الله جلّ ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من ولدهما الميت مع إخوته غنى، وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غير متغير عما كان لهما، ولا أخ للميت، ولا وارث غيرهما، إذ كان معلوما عندهم أن كل مستحقّ حقا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقه الذي قضى به له ربه جلّ ثناؤه، عما قضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه، فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، لوائح الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروض هو ثلث مال ولدها الميت حقّ لها واجب، حتى يغير ذلك الفرض من فرض لها، فلما غير تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة وترك تغييره مع الأخ الواحد، علم ب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
فتأويل الكلام إذًا: وسيصلون نارًا مسعَّرة، أي: موقدة مشعلة شديدًا حرُّها.
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن الله جل ثناؤه قال، (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ)، [سورة التكوير: ١٢]، فوصفها بأنها مسعورة.
ثم أخبر جل ثناؤه أن أكلة أموال اليتامى يصلونها وهي كذلك. ف"السعير" إذًا في هذا الموضع، صفة للجحيم على ما وصفنا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يوصيكم الله"، يعهد الله إليكم، (٢) ="في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، يقول: يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم، (٣) في أن جميع ذلك بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
(٢) انظر تفسير"أوصى" فيما سلف ٣: ٩٤، ٤٠٥.
(٣) في المخطوطة: "وكباره"، وما في المطبوعة أجود.
* * *
قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، تبيينًا من الله الواجبَ من الحكم في ميراث من مات وخلّف ورثة، على ما بيَّن. لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده، ممن كان لا يلاقي العدوَّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية. فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سَمَّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٢٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حظ الأنثيين"، كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية:
(٢) "الوقوع"، هو التعدي إلى المفعول، كما سلف ٤: ٢٩٣، تعليق: ١، وفهارس المصطلحات.
٨٧٢٦ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا:"تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة!! اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغيِّره". فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟! = وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر. (٢)
* * *
وقال آخرون: بل نزل ذلك من أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الآية.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٢٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو عطاء، عن ابن عباس في قوله:"يوصيكم
(٢) في المطبوعة: "ويعطونه الأكبر" بزيادة واو لا محل لها، وأثبت ما في المخطوطة.
٨٧٢٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" قال، كان ابن عباس يقول: كان المال، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسح الله تبارك وتعالى من ذلك ما أحبّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم ذكر نحوه.
٨٧٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد عن ابن عباس مثله.
وروي عن جابر بن عبد الله ما: -
* * *
٨٧٣٠- حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال، سمعت جابر بن عبد الله قال، دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا مريض، فتوضأ ونضَح عليّ من وَضوئه، فأفقتُ فقلت: يا رسول الله، إنما يرثني كَلالةٌ، فكيف بالميراث؟ فنزلت آية الفرائض. (٢)
(٢) الحديث: ٨٧٣٠ - رواه البخاري ١: ٢٦١ (فتح)، من طريق شعبة، به. وسيأتي عقب هذا ما رواية ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وكذلك رواه البخاري ٨: ١٨٢، من طريق ابن جريج، ورواه البخاري أيضًا ١٠: ٩٨، و ١٢: ٢- من رواية سفيان، عن محمد بن المنكدر.
وذكره ابن كثير ٢: ٣٦٢، من رواية البخاري - من طريق ابن جريج - ثم قال، "كذا رواه مسلم، والنسائي، من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به. ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر".
وذكره السيوطي ٢: ١٢٤-١٢٥، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"فإن كن"، فإن كان المتروكات ="نساء فوق اثنتين"، ويعني بقوله:"نساءً"، بنات الميت،"فوق اثنتين"، يقول: أكثر في العدد من اثنتين ="فلهن ثلثا ما ترك"، يقول: فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن. واختلف أهل العربية في المعنى بقوله:"فإن كنّ نساء".
* * *
فقال بعض نحوييّ البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء = وهو أيضًا قول بعض نحوييّ الكوفة.
* * *
وفي المطبوعة"فدعا بوضوء فتوضأ". وفي المخطوطة"فدعا فتوضأ". والذي في البخاري - من هذا الوجه -"فدعا بماء". فالراجح أنها كانت كذلك عن الطبري، وسقطت من الناسخ سهوًا كلمة"بماء"، اشتبه عليه الحرفان الأخيران من"فدعا"، بكلمة"بما" لأنهم في الأكثر لا يثبتون الهمزة = فسقطت الكلمة منه.
وفي المطبوعة لم تكمل الآية بعد"في أولادكم"، وأثبت ما في المخطوطة.
* * *
قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين، أولى بالصواب في ذلك عندي. لأن قوله:"وإن كُنّ"، لو كان معنيًّا به"الأولاد" لقيل:"وإن كانوا"، لأن"الأولاد" تجمع الذكور والإناث. وإذا كان كذلك، فإنما يقال،"كانوا"، لا"كُنّ".
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وإن كانت"، [وإن كانت] المتروكة ابنة واحدة (٢) ="فلها النصف"، يقول: فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه، إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكرٌ ولا أنثى.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كانت المتروكة ابنة واحدة"، وهو لا يستقيم، فرجحت زيادة ما زدته بين القوسين، على سياقه في تفسير أخواتها.
قيل: فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشك. (١)
* * *
وأما قوله:"ولأبويه"، فإنه يعني: ولأبوي الميت ="لكل واحد منهما السدس"، من تَرِكته وما خلَّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس ="إن كان له ولد"، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة.
* * *
فإن قال قائل: فإن كان كذلك التأويل، (٢) فقد يجب أن لا يزاد الوالدُ مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت. وذلك إن قلته، قولٌ خلاف لما عليه الأمة مجمعة، (٣) من تصييرهم باقي تركة الميت = مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها = لوالده أجمع!
قيل: ليس الأمر في ذلك كالذي ظننتَ، وإنما لكل واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة. فإمَّا زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة
هذا، وعجيب أن يترك أبو جعفر سياق الآثار لحجته في هذا الموضع، فأخشى أن يكون قد سقط من النساخ الأوائل شيء من كتابه = أو أن يكون هو قد أراد أن يسوق الآثار، ثم غفل عنها، وبقيت النسخ بعده ناقصة من دليل احتجاجه. وهذه أول مرة يخالف فيها أبو جعفر نهجه في تأليف هذا التفسير.
(٢) في المطبوعة: "فإذ كان كذلك"، والجيد ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "مجمعون"، وكذلك كان في المخطوطة، إلا أن الناسخ عاد فضرب على النون، وجعل الواو"تاء" مربوطة منقوطة، وتبع الناشر الأول خطأ الناسخ، وأغفل تصحيحه!! فرددته إلى الصواب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُث﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فإن لم يكن له"، فإن لم يكن للميت ="ولد" ذكر ولا أنثى ="وورثه أبواه"، دون غيرهما من ولد وارث ="فلأمه الثلث"، يقول: فلأمه من تركته وما خلف بعده، ثلث جميع ذلك.
* * *
فإن قال قائل: فمن الذي له الثلثان الآخران.
قيل له الأب.
فإن قال، بماذا؟ (٤)
(٢) في المطبوعة: "لقرب عصبة الميت" وفي المخطوطة"قرب"، وأجودهما ما أثبت.
(٣) يعني بذلك ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى ابن عباس عن النبي ﷺ قال، "أًلْحِقوا الفرائضً بِأَهْلِهَا، فما بَقي فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذكر" (الفتح ٢: ٨، ٩ / السنن الكبرى ٦: ٢٣٤)، ويروى"لأدنى رجل"، ومعناه: لأقرب رجل من العصبة. وهذا أيضًا غريب من أبي جعفر في ترك ذكر حجته من الحديث، كشأنه في جميع ما سلف، وانظر ص: ٣٦، تعليق: ١، وكأنه كان يختصر في هذا الموضع، وترك ذكر حجته؛ لأنه لا بد أن يكون قد استوفاها في موضعها من كتبه الأخرى.
(٤) في المطبوعة: "فإن قال قائل: بماذا"، و"قائل" زيادة لا شك فيها، والصواب ما في المخطوطة.
وهذه العلة، هي العلة التي من أجلها سُميّ للأمّ ما سُمىَ لها، إذا لم يكن الميت خلًف وارثًا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حالٍ للميت. فبيّن الله جل ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معه، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم مَنْ له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك، مغنيًا لهم على تكرير حكمه مع كل من قَسَم له حقًّا من ميراث ميت، وسمي له منه سهمًا. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾
قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، (٤) وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد؟
قلت (٥) اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة
(٢) انظر التعليق السالف ص ٣٧، تعليق: ٣.
(٣) في المطبوعة: "وكان بيانه ذلك معينًا لهم على تكرير حكمه"، وهو خطأ محض وتصريف قبيح، وفي المخطوطة: "معينا لهم عن تكرير حكمه" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.
(٤) في المخطوطة: "حكم أبوين من الأخوة"، والصواب ما في المطبوعة.
(٥) قوله: "قلت" ليست في المخطوطة، ولكن السياق يقتضيها، فأحسن طابع التفسير في إثباتها.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره بقوله:"فإن كان له إخوة".
فقال جماعة أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من علماء أهل الإسلام في كل زمان: عنى الله جل ثناؤه بقوله:"فإن كان له إخوة فلأمه السدس" اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. واعتل كثيرٌ ممن قال ذلك، بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "هو ثلث مال ولدها الميت"، بغير "واو"، والصواب إثباتها. وإلا اختل الكلام.
* * *
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: بل عنى الله جل ثناؤه بقوله:"فإن كان له إخوة"، جماعة أقلها ثلاثة. وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد.
ذكر الرواية عنه بذلك:
٨٧٣٢ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله:"فإن كان له إخوة"، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان رحمه الله (٢) هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ (٣)
* * *
(٢) في المطبوعة: "رضي الله عنه"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) الأثر: ٨٧٣٢ - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٢٧ من طريق: إسحاق بن إبراهيم، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٧. وقد عقب ابن كثير عليه بقوله: "وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس. ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه. وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال، "الأخوان، تسمى إخوة"، وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة".
أما "شعيب مولى ابن عباس"، فهو: شعيب بن دينار الهاشمي، وهو غير الكوفي، وقد قال فيه ابن حبان: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر"، وانظر اختلاف قولهم فيه في التهذيب، وأكثرهم على ترك الاحتجاج به، وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٤٤، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٦٧.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل في الأخوين"إخوة"، وقد علمت أن ل"الأخوين" في منطق العرب مثالا لا يشبه مثالَ"الإخوة"، في منطقها؟ (٢)
قيل: إنّ ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التأليف بين الكلامين يتقارب معنياهما، (٣) وإن اختلفا في بعض وجوههما. فلما كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقها منتشرًا مستعملا في كلامها:"ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعتُ منهما ظهورهما"، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال،"أوجعت منهما ظهريهما"، وإن كان مقولا"أوجعت ظهْريهما"، (٤) كما قال الفرزدق:
| بِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى | فَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ (٥) |
(٢) في المخطوطة والمطبوعة:
| "وقد علمت أن الأخوين في منطق العرب مثالا | "، وهو فاسد، والصواب"أن للأخوين"، كما أثبتها بزيادة"اللام". |
(٤) في المطبوعة: "ظهرهما" مكان"ظهريهما"، وهو خطأ، لأنه ليس شاهدًا في هذا الموضع، بل الشاهد ما جاء في المخطوطة كما أثبته، على التثنية.
(٥) ديوانه: ٥٥٤، والنقائض: ٥٥٣، وسيبويه ٢: ٢٠٢، وأمالي الشجري ١: ١٢، وغيرها. وهو من قصيدته التي مضى بيت منها قريبًا ص: ٢٧، تعليق: ٣، يقول قبله ما لهج به من لهوه وكذبه وعبثه، ويذكرها صاحبته وأمره معها. دَعَوْتُ الَّذِي سَمَّى السَّمَوَاتِ أَيْدُهُ... وَللهُ أَدْنَى مِنْ وَرِيِدي وأَلْطَفُ
| لِيَشْغَلَ عَنِّي بَعْلَهَا بِزَمَانَهٍ | تُدَلِّهُهُ عَنِّي وعَنْهَا فَنُسْعَفُ |
| فَأَرْسَلَ فِي عَيْنَيْهِ ماءً عَلاهُمَا | وَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي أَطَبُّ وأَعْرَفُ |
| فَدَاوَيْتُهُ عَامَيْنِ وَهْيَ قَرِ يَبةٌ | أَرَاهَا، وتَدْنُو لِي مِرَارًا فَأرْشُفُ |
وقوله: "منهاض الفؤاد" الذي هاضه الحزن والوجد، من"هاض العظم" إذا كسره، يريد شدة ما يجد من اللوعة، حتى شفه وأمرض قلبه. و"المشعف"، هو الذي شعفه الحب: إذا أحرق قلبه، مع لذة يجدها المحب، ولم يذكر أصحاب المعاجم"شعف" مشددة العين، ولكنه قياس هذه العربية. وفي المخطوطة والمطبوعة: "المشغف" بالغين المعجمة، وكأنه صواب أيضًا، من"شغفه الحب" إذا بلغ شغاف قلبه.
وأما رواية الديوان، والنقائض، فهي"المسقف"، وهي رواية رديئة، قال أبو عبيدة في شرحها: "هو الذي عليه خشب الجبائر، والجبائر: هي السقائف تشد على الكسر". وهو لا شيء، وإنما حمله على ذلك ذكر"منهاض"، وأن"المشغف" من صفته، و"المنهاض" هو العظم الذي كسر بعد الجبر. ولكن صواب المعنى والرواية، هو ما ذكرت.
فلما كان ما وصفت = من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها (١) = وكان"الأخوان" شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من
* * *
وقد قال بعض النحويين: إنما قيل"إخوة"، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، (٣) فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضًا على ألسن العرب لاثنيه بمثال وصورةٍ غير مثال ثلاثة فصاعدًا منه وصورتها. لأن من قال،"أخواك قاما"، فلا شك أنه قد علم أنّ كل واحد من"الأخوين" فردٌ ضم أحدهما إلى الآخر فصارا جميعًا بعد أن كانا شتى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، (٤) فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال،"أخواك قاموا"، فيخرج قولهم"قاموا"، وهو لفظ للخبر عن الجميع، خبرًا عن"الأخوين" وهما بلفظ الاثنين. لأن كل ما جرى به الكلام على ألسنتهم معروفًا عندهم بمثال وصورة، إذا غيَّر مغيِّر عما قد عرفوه فيهم،
| "وكان الأخوان شخصين | أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا". |
(٣) في المطبوعة: "وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء"، غير ما كان في المخطوطة كما أثبته، وهو صواب محض لا يغير.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "بعد أن كانا شتى عنوان الأمر وإن كان كذلك"، وهو كلام مستهجن لا معنى له، والناسخ عجل كما رأيت وعلمت، فكتب"غير أن الأمر"، "عنوان الأمر" ففسد الكلام، وأفسد على الناشر الأول فهمه للمعاني.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: ولم نُقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدًا؟
قيل: اختلفت العلماء في ذلك.
فقال بعضهم: نُقصت الأم عن ذلك دون الأب، لأن على الأب مُؤَنهم دون أمهم.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس"، أضرُّوا بالأم ولا يرثون، (٢) ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من
أما "نكروه"، فقد جعلها"أنكروه" وهما صواب جميعًا، إلا أن الواجب عليه كان يقتضي إثبات ما في المخطوطة. يقال، "أنكر الشيء إنكارًا ونكره" (على وزن سمع)، قال الله تعالى في سورة هود: ٧٠: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً {
(٢) في المطبوعة: "أنزلوا الأم ولا يرثون"، وفي المخطوطة: "أمروا بالأمر ولا يرثون" وهو تحريف ما أثبته عن الدر المنثور وابن كثير، كما سترى في التخريج.
* * *
وقال آخرون: بل نُقصت الأم السدس، وقُصِر بها على سدس واحد، معونةً لإخوة الميت بالسدس الذي حَجَبوا أمهم عنه.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال، السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم.
* * *
وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، وذلك ما: -
٨٧٣٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس قال، الكلالة من لا ولد له ولا والِد.
* * *
قال أبو جعفر، وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك: إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه = وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم = وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.
* * *
وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"من بعد وصية يوصي بها أو دين"، أنّ الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته، ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها بعد قضاء دينه كله. (١) فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن أوصى له بشيء، إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك. ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه. فإن جاوز ذلك ثلثه، جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته: إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه. فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم.
وعلى كل ما قلنا من ذلك، الأمة مجمعة. وقد روي عن رسول الله ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما: -
٨٧٣٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ رضي الله عنه قال، إنكم تقرأون هذه الآية:"من بعد وصية يُوصي بها أو دين"، وإنّ رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. (٢)
٨٧٣٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضوان الله عليه، عن النبي ﷺ بمثله.
(٢) في المطبوعة: "أن رسول الله" بإسقاط الواو، وأثبت ما في المخطوطة.
٨٧٣٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن ابن مجاهد، عن أبيه:"من بعد وصية يوصي بها أو دين" قال، يبدأ بالدين قبل الوصية.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: (يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
* * *
وقرأه بعض أهل مكة والشأم والكوفة، (يُوصَى بِهَا)، على معنى ما لم يسمَّ فاعله.
* * *
وأسانيده الثلاثة تدور على"الحارث الأعور"، وقد رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٥، ١٠٩١، ١٢٢١ مطولا، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٦٧، والحاكم في المستدرك ٤: ٣٣٦، وابن كثير في تفسيره ٢: ٣٦٨، وقال، "رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير"، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ١٢٦، ونسبه لأبي أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه. ورواه الشافعي في الأم ٤: ٢٩، مختصرًا كما رواه الطبري، قال الشافعي: "وقد روى في تبدئة الدين قبل الوصية حديث عن النبي ﷺ لا يثبت أهل الحديث مثله". وساق الحديث عن سفيان عن أبي إسحاق.
قال البيهقي: "امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا، لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي رضي الله عنه، والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه". أما الحاكم، فقد ذكر مثل هذه العلة في الحارث الأعور، وقال، "لذلك لم يخرجه الشيخان، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد بن ثابت"، ثم ساق فتوى زيد بن ثابت بإسناده.
وقال ابن كثير: "ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. قلت (القائل ابن كثير) : لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب".
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"آباؤكم وأبناؤكم"، هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم - من قسمة ميراث ميِّتكم فيهم على ما سمي لكم وبيَّنه في هذه الآية - آباؤكم وأبناؤكم (١) ="لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا".
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله،"آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أيهم أقرب لكم نفعًا"، في الدنيا.
٨٧٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٨٧٤٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما قلنا.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٤٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا"، قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا،
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فريضة من الله"،"وإن كان له إخوة فلأمه السدس"، فريضةً، يقول: سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم. (٢)
* * *
ونصب قوله:"فريضة" على المصدر من قوله:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" ="فريضة"، فأخرج"فريضة" من معنى الكلام، إذ كان معناه ما وصفت.
وقد يجوز أن يكون نصبه على الخروج من قوله:"فإن كان له إخوة فلأمه السدس" ="فريضة"، فتكون"الفريضة" منصوبة على الخروج من قوله: (٣) "فإن كان له إخوة فلأمه السدس"، كما تقول:"هو لك هبة، وهو لك صدقة مني عليك". (٤)
* * *
(٢) قوله: "موقتة"، أي محددة مقدرة بحد، وقد سلف شرح هذه الكلمة فيما مضى الجزء ٧: ٥٩٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك، وفي فهرس المصطلحات.
ثم انظر تفسير"الفرض" و"الفريضة" فيما سلف ٤: ١٢١ / ٥: ١٢٠ / ٧: ٥٩٧.
(٣) "الخروج"، انظر تفسيره فيما سلف ٧: ٢٥، تعليق: ٣، كأنه يعني به خروج الحال المؤكدة.
(٤) انظر ما سلف ٧: ٥٩٩.
* * *