البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ لما أبهم في قوله :﴿نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ في المقدار والأقربين، بيّن في هذه الآية المقادير ومن يرث من الأقربين، وبدأ بالأولاد وإرثهم من والديهم، كما بدأ في قوله : للرّجال نصيب مما ترك الوالدان بهم.
وفي قوله : يوصيكم الله في أولادكم إجمال أيضاً بينه بعد.
وبدأ بقوله : للذكر، وتبين ما له دلالة على فضله.
وكان تقديم الذكر أدل على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فكفاهم إن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن إذ هن يدلين بما يدلون به من الولدية.
وقد اختلف القول في سبب النزول، ومضمن أكثر تلك الأقاويل : أنهم كانوا لا يورّثون البنات كما تقدم، فنزلت تبييناً لذلك ولغيره.
وقيل : نزلت في جابر إذ مرض، فعاده الرسول فقال : كيف أصنع في مالي ؟ وقيل : كان الإرث للولد والوصية للوالدين، فنسخ بهذه الآيات.
قيل : معنى يوصيكم يأمركم.
كقوله :﴿ذلكم وصاكم به﴾ وعدل إلى لفظ الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام، وطلب حصوله سرعة، وقيل : يعهد إليكم كقوله :﴿ما وصى به نوحاً﴾ وقيل : يبين لكم في أولادكم مقادير ما أثبت لهم من الحق مطلقاً بقوله ﴿للرّجال وأولوا الأرحام﴾ وقيل : يفرض لكم.
وهذه أقوال متقاربة.
والخطاب في : يوصيكم، للمؤمنين، وفي أولادكم : هو على حذف مضاف.
أي : في أولاد موتاكم، لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده ويفرض عليه ذلك، وإن كان المعنى بيوصيكم يبين جاز أن يخاطب الحي، ولا يحتاج إلى حذف مضاف.
والأولاد يشمل الذكور والإناث، إلا أنه خص من هذا العموم من قام به مانع الإرث، فأما الرّق فمانع بالإجماع، وأما الكفر فكذلك، إلا ما ذهب إليه معاذ من : أن المسلم يرث الكافر.
وأما القتل فإن قتل أباه لم يرث، وكذا إذا قتل جده وأخاه أو عمه، لا يرث من الدية، هذا مذهب ابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة وسفيان وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد : لا يرث من المال، ولا من الدية شيئاً.
واستثنى النخعي من عموم أولادكم الأسير، فقال : لا يرث.
وقال الجمهور : إذا علمت حياته يرث، فإن جهلت فحكمه حكم المفقود.
واستثنى من العموم الميراث من النبي ﷺ، وأما الجنين فإن خرج ميتاً لم يرث، وإن خرج حياً فقال القاسم، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والزهري، ومالك، والشافعي : يستهل صارخاً، ولو عطس أو تحرك أو صاح أو رضع أو كان فيه نفس.
وقال الأوزاعي وسفيان والشافعي : إذا عرفت حياته بشيء من هذه، وإن لم يستهل فحكمه حكم الحي في الإرث.
وأما الجنين في بطن أمه فلا خلاف في أنه يرث، وإنما الخلاف في قسمة المال الذي له فيه سهم.
وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما الخنثى فداخل في عموم أولادكم، ولا خلاف في توريثه، والخلاف فيما يرث وفيما يعرف به أنه خنثى، وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما المفقود فقال أبو حنيفة : لا يرث في حال فقده من أحد شيئاً.
وقال الشافعي : يوقف نصيبه حتى يتحقق موته، وهو ظاهر قول مالك : وأما المجنون والمعتوه والسفيه فيرثون إجماعاً، والولد حقيقة في ولد الصلب ويستعمل في ولد الابن، والظاهر أنه مجاز.
إذ لو كان حقيقة بطريق الاشتراك أو التواطىء لشارك ولد الصلب مطلقاً، والحكم أنه لا يرث إلا عند عدم ولد الصلب، أو عند وجود من لا يأخذ جميع الميراث منهم.
وهذا البحث جار في الأب والجد والأم والجدة، والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة لاتفاق الصحابة على أنَّ الجد ليس له حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناوله حقيقة لما صح هذا الاتفاق.
ولو أوصى لولد فلان فعند الشافعي لا يدخل ولد الولد، وعند مالك يدخل، وعند أبي حنيفة يدخل إن لم يكن لفلان ولد صلب.
وللذكر : إما أن يقدّر محذوف أي : للذكر منهم، أو تنوب الألف واللام عن الضمير على رأي من يرى ذلك التقدير لذكرهم.
ومثل : صفة لمبتدأ محذوف تقديره حظ مثل.
قال الفراء : ولم يعمل يوصيكم في مثل إجراء له مجرى القبول في حكاية الجمل، فالجملة في موضع نصب بيوصيكم.
وقال الكسائي : ارتفع مثل على حذف أن تقديره : أنّ للذكر.
وبه قرأ ابن أبي عبلة وأريد بقوله : للذكر مثل حظ الأنثيين حالة اجتماع الذكر والأنثيين فله سهمان، كما أن لهما سهمين.
وأما إذا انفرد الابن فيأخذ المال أو البنتان، فسيأتي حكم ذلك.
ولم تتعر الآية للنص على هاتين المسألتين.
وقال أبو مسلم الأصبهاني : نصيب الذكر هنا هو الثلثان، فوجب أن يكون نصيب الانثيين.
وقال أبو بكر الرازي : إذا كان نصيبها مع الذكر الثلث، فلا أن يكون نصيبها مع أنثى الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وقيل : حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى، وإلا لزم حظ الذكر مثل حظ الأنثى، وهو خلاف النص، فوجب أن يكون حظهما الثلثين، لأنه لا قائل بالفرق.
فهذه وجوه ثلاثة مستنبطة من الآية تدل على أن فرض البنتين الثلثان.
ووجه رابع من القياس الجلي وهو أنه لم يذكر هنا حكم الثنتين، وذكر حكم الواحدة وما فوق الثنتين.
وفي آخر السورة ذكر حكم الأخت الواحدة، وحكم الأختين، ولم يذكر حكم الأخوات، فصارت الآيتان مجملتين من وجه، مبينتين من وجه.
فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين، كانت البنتان أولى بذلك لأنهما أقرب إلى الميت.
ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزاد على الثلثين، وجب أن لا يزاد نصيب الأخوات على ذلك، لأن البنت لما كانت أشدّ اتصالاً بالميت امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقوى.
وقال الماتريدي : في الآية دليل على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل ما للأنثيين.
وقد جعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ فدل على أن للذكر حالة الانفراد مثلي ذلك ومثلاً النصف، هو الكل انتهى.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة : يوصيكم بالتشديد.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة والأعرج : ثلثاً والثلث والربع والسدس والثمن بإسكان الوسط، والجمهور بالضم، وهي لغة الحجاز وبني أسد، قاله : النحاس من الثلث إلى العشر.
وقال الزجاج هي لغة واحدة، والسكون تخفيف، وتقدير الآية : يوصيكم الله في شأن أولادكم الوارثين للذكر منهم حظ مثل حظ الأنثيين حالة اجتماعهم مما ترك الموروثون أن انفرد بالإرث، فإن كان معهما ذو فرض كان ما يبقى من المال لهما، والفروض هي المذكورة في القرآن وهي ستة : النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
﴿فإن كنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ ظاهر هذا التقسيم أنّ ما زاد على الثنتين من الأولاد يرثن الثلثين مما ترك موروثهما، وظاهر السياق انحصار الوارث فيهن.
ولما كان لفظ الأولاد يشمل الذكور والإناث، وقصد هنا بيان حكم الإناث، أخلص الضمير للتأنيث.
إذ الإناث أحد قسمي ما ينطلق عليه الأولاد، فعاد الضمير على أحد القسمين، وكأن قوله تعالى :﴿في أولادكم﴾ في قوة قوله :﴿في أولادكم﴾ الذكور والإناث.
وإذا كان الضمير قد عاد على جمع التكسير العاقل المذكر بالنون في نحو قوله : ورب الشياطين ومن أضللن كما يعود على الإناث كقوله :﴿والوالدات يرضعن﴾ فلأن يعود على جمع التكسير العاقل الجامع للمذكر والمؤنث، باعتبار أحد القسمين الذي هو المؤنث أولى، واسم كان الضمير العائد على أحد قسمي الأولاد، والخبر نساء بصفته الذي هو فوق اثنتين، لأنه لا تستقل فائدة الأخبار بقوله : نساء وحده، وهي صفة للتأكيد ترفع أن يراد بالجمع قبلهما طريق المجاز، إذ قد يطلق الجمع ويراد به التثنية.
وأجاز الزمخشري أن يكون نساء خبراً ثانياً، لكان، وليس بشيء، لأن الخبر لا بد أن تستقل به فائدة الإسناد.
ولو سكت على قوله فإن كن نساء لكان نظير، أن كان الزيدون رجالاً، وهذا ليس بكلام.
وقال بعض البصريين : التقدير وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين.
وقدره الزمخشري : البنات أو المولودات.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : هل يصح أن يكون الضميران في كن وكانت مبهمين، ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على أن كان تامّة ؟ ( قلت ) : لا أبعد ذلك انتهى.
ونعني بالإبهام أنهما لا يعودان على مفسر متقدّم، بل يكون مفسرهما هو المنصوب بعدهما، وهذا الذي لم يبعده الزمخمشري هو بعيد، أو ممنوع ألبتة.
لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده، بل هو مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما، وفي باب التنازع على ما قرر في النحو.
ومعنى فوق اثنتين : أكثر من اثنتين بالغات ما بلغن من العدد، فليس لهن إلا الثلثان.
ومن زعم أن معنى قوله : نساء فوق اثنتين، اثنتان فما فوقهما، وأنّ قوة الكلام تقتضي ذلك كابن عطية، أو أنّ فوق زائدة مستدلاً بأن فوق قد زيدت في قوله :﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ فلا يحتاج في ردّ ما زعم إلى حجة لوضوح فساده.
وذكروا أنّ حكم الثنتين في الميراث الثلثان كالبنات.
قالوا : ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس، فإنه يرى لهما النصف إذا انفردا كحالهما إذا اجتمعا مع الذكر، وما احتجوا به تقدّم ذكره.
وورد في الحديث في قصة أوس بن ثابت :« أنه ﷺ أعطى البنتين الثلثين » وبنات الابن أو الأخوات الأشقاء أو لأب كبنات الصلب في الثلثين إذا انفردن عن من يحجبهن.
﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ قرأ الجمهور واحدة بالنصب على أنه خبر كان، أي : وإن كانت هي أي البنت فذة ليس معها أخرى.
وقرأ نافع واحدة بالرفع على إن كان تامة وواحدة الفاعل.
وقرأ السلمي : النصف بضم النون، وهي قراءة عليّ وزيد في جميع القرآن.
وتقدّم الخلاف في ضم النون وكسرها في ﴿فنصف ما فرضتم﴾ في البقرة.
وبنت الابن إذا لم تكن بنت صلب، والأخت الشقيقة أو لأب، والزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، ولا ولد ابن كبنت الصلب لكل منهم النصف.
﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ لما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون، فذكر أنّ الميت يرث منه أبواه كل واحد السدس إن كان للميت ولد، وأبواه هما : أبوه وأمه.
وغلب لفظ الأب في التثنية كما قيل : القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس، وهي تثنية لا تقاس.
وشمل قوله : وله ولد الذكر والأنثى، والواحد والجماعة.
وظاهر الآية أن فرض الأب السدس إذا كان للميت ولد أي ولد كان، وباقي المال للولد ذكراً كان أو أنثى.
والحكم عند الجمهور أنه لو كان الولد أنثى أخذ السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.
وتعلقت الروافض بظاهر لفظ ولد فقالوا : السدس لكل واحد من أبويه، والباقي للبنت أو الابن، إذ الولد يقع على : الذكر، والأنثى، والجد، وبنات الابن مع البنت، والأخوات لأب مع أخت لأب وأم، والواحدة من ولد الأم، والجدات كالأب مع البنت في السدس.
وقال مالك : لا ترث جدة أبي الأب.
وقال ابن سيرين : لا ترث أم الأم.
والضمير في لأبويه عائد على ما عاد عليه الضمير في
وفي قوله : يوصيكم الله في أولادكم إجمال أيضاً بينه بعد.
وبدأ بقوله : للذكر، وتبين ما له دلالة على فضله.
وكان تقديم الذكر أدل على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه، ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فكفاهم إن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يحرمن إذ هن يدلين بما يدلون به من الولدية.
وقد اختلف القول في سبب النزول، ومضمن أكثر تلك الأقاويل : أنهم كانوا لا يورّثون البنات كما تقدم، فنزلت تبييناً لذلك ولغيره.
وقيل : نزلت في جابر إذ مرض، فعاده الرسول فقال : كيف أصنع في مالي ؟ وقيل : كان الإرث للولد والوصية للوالدين، فنسخ بهذه الآيات.
قيل : معنى يوصيكم يأمركم.
كقوله :﴿ذلكم وصاكم به﴾ وعدل إلى لفظ الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام، وطلب حصوله سرعة، وقيل : يعهد إليكم كقوله :﴿ما وصى به نوحاً﴾ وقيل : يبين لكم في أولادكم مقادير ما أثبت لهم من الحق مطلقاً بقوله ﴿للرّجال وأولوا الأرحام﴾ وقيل : يفرض لكم.
وهذه أقوال متقاربة.
والخطاب في : يوصيكم، للمؤمنين، وفي أولادكم : هو على حذف مضاف.
أي : في أولاد موتاكم، لأنه لا يجوز أن يخاطب الحي بقسمة الميراث في أولاده ويفرض عليه ذلك، وإن كان المعنى بيوصيكم يبين جاز أن يخاطب الحي، ولا يحتاج إلى حذف مضاف.
والأولاد يشمل الذكور والإناث، إلا أنه خص من هذا العموم من قام به مانع الإرث، فأما الرّق فمانع بالإجماع، وأما الكفر فكذلك، إلا ما ذهب إليه معاذ من : أن المسلم يرث الكافر.
وأما القتل فإن قتل أباه لم يرث، وكذا إذا قتل جده وأخاه أو عمه، لا يرث من الدية، هذا مذهب ابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة وسفيان وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد : لا يرث من المال، ولا من الدية شيئاً.
واستثنى النخعي من عموم أولادكم الأسير، فقال : لا يرث.
وقال الجمهور : إذا علمت حياته يرث، فإن جهلت فحكمه حكم المفقود.
واستثنى من العموم الميراث من النبي ﷺ، وأما الجنين فإن خرج ميتاً لم يرث، وإن خرج حياً فقال القاسم، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والزهري، ومالك، والشافعي : يستهل صارخاً، ولو عطس أو تحرك أو صاح أو رضع أو كان فيه نفس.
وقال الأوزاعي وسفيان والشافعي : إذا عرفت حياته بشيء من هذه، وإن لم يستهل فحكمه حكم الحي في الإرث.
وأما الجنين في بطن أمه فلا خلاف في أنه يرث، وإنما الخلاف في قسمة المال الذي له فيه سهم.
وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما الخنثى فداخل في عموم أولادكم، ولا خلاف في توريثه، والخلاف فيما يرث وفيما يعرف به أنه خنثى، وذلك مذكور في كتب الفقه.
وأما المفقود فقال أبو حنيفة : لا يرث في حال فقده من أحد شيئاً.
وقال الشافعي : يوقف نصيبه حتى يتحقق موته، وهو ظاهر قول مالك : وأما المجنون والمعتوه والسفيه فيرثون إجماعاً، والولد حقيقة في ولد الصلب ويستعمل في ولد الابن، والظاهر أنه مجاز.
إذ لو كان حقيقة بطريق الاشتراك أو التواطىء لشارك ولد الصلب مطلقاً، والحكم أنه لا يرث إلا عند عدم ولد الصلب، أو عند وجود من لا يأخذ جميع الميراث منهم.
وهذا البحث جار في الأب والجد والأم والجدة، والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة لاتفاق الصحابة على أنَّ الجد ليس له حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناوله حقيقة لما صح هذا الاتفاق.
ولو أوصى لولد فلان فعند الشافعي لا يدخل ولد الولد، وعند مالك يدخل، وعند أبي حنيفة يدخل إن لم يكن لفلان ولد صلب.
وللذكر : إما أن يقدّر محذوف أي : للذكر منهم، أو تنوب الألف واللام عن الضمير على رأي من يرى ذلك التقدير لذكرهم.
ومثل : صفة لمبتدأ محذوف تقديره حظ مثل.
قال الفراء : ولم يعمل يوصيكم في مثل إجراء له مجرى القبول في حكاية الجمل، فالجملة في موضع نصب بيوصيكم.
وقال الكسائي : ارتفع مثل على حذف أن تقديره : أنّ للذكر.
وبه قرأ ابن أبي عبلة وأريد بقوله : للذكر مثل حظ الأنثيين حالة اجتماع الذكر والأنثيين فله سهمان، كما أن لهما سهمين.
وأما إذا انفرد الابن فيأخذ المال أو البنتان، فسيأتي حكم ذلك.
ولم تتعر الآية للنص على هاتين المسألتين.
وقال أبو مسلم الأصبهاني : نصيب الذكر هنا هو الثلثان، فوجب أن يكون نصيب الانثيين.
وقال أبو بكر الرازي : إذا كان نصيبها مع الذكر الثلث، فلا أن يكون نصيبها مع أنثى الثلث أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وقيل : حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى، وإلا لزم حظ الذكر مثل حظ الأنثى، وهو خلاف النص، فوجب أن يكون حظهما الثلثين، لأنه لا قائل بالفرق.
فهذه وجوه ثلاثة مستنبطة من الآية تدل على أن فرض البنتين الثلثان.
ووجه رابع من القياس الجلي وهو أنه لم يذكر هنا حكم الثنتين، وذكر حكم الواحدة وما فوق الثنتين.
وفي آخر السورة ذكر حكم الأخت الواحدة، وحكم الأختين، ولم يذكر حكم الأخوات، فصارت الآيتان مجملتين من وجه، مبينتين من وجه.
فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين، كانت البنتان أولى بذلك لأنهما أقرب إلى الميت.
ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزاد على الثلثين، وجب أن لا يزاد نصيب الأخوات على ذلك، لأن البنت لما كانت أشدّ اتصالاً بالميت امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقوى.
وقال الماتريدي : في الآية دليل على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل ما للأنثيين.
وقد جعل للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ فدل على أن للذكر حالة الانفراد مثلي ذلك ومثلاً النصف، هو الكل انتهى.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة : يوصيكم بالتشديد.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة والأعرج : ثلثاً والثلث والربع والسدس والثمن بإسكان الوسط، والجمهور بالضم، وهي لغة الحجاز وبني أسد، قاله : النحاس من الثلث إلى العشر.
وقال الزجاج هي لغة واحدة، والسكون تخفيف، وتقدير الآية : يوصيكم الله في شأن أولادكم الوارثين للذكر منهم حظ مثل حظ الأنثيين حالة اجتماعهم مما ترك الموروثون أن انفرد بالإرث، فإن كان معهما ذو فرض كان ما يبقى من المال لهما، والفروض هي المذكورة في القرآن وهي ستة : النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
﴿فإن كنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ ظاهر هذا التقسيم أنّ ما زاد على الثنتين من الأولاد يرثن الثلثين مما ترك موروثهما، وظاهر السياق انحصار الوارث فيهن.
ولما كان لفظ الأولاد يشمل الذكور والإناث، وقصد هنا بيان حكم الإناث، أخلص الضمير للتأنيث.
إذ الإناث أحد قسمي ما ينطلق عليه الأولاد، فعاد الضمير على أحد القسمين، وكأن قوله تعالى :﴿في أولادكم﴾ في قوة قوله :﴿في أولادكم﴾ الذكور والإناث.
وإذا كان الضمير قد عاد على جمع التكسير العاقل المذكر بالنون في نحو قوله : ورب الشياطين ومن أضللن كما يعود على الإناث كقوله :﴿والوالدات يرضعن﴾ فلأن يعود على جمع التكسير العاقل الجامع للمذكر والمؤنث، باعتبار أحد القسمين الذي هو المؤنث أولى، واسم كان الضمير العائد على أحد قسمي الأولاد، والخبر نساء بصفته الذي هو فوق اثنتين، لأنه لا تستقل فائدة الأخبار بقوله : نساء وحده، وهي صفة للتأكيد ترفع أن يراد بالجمع قبلهما طريق المجاز، إذ قد يطلق الجمع ويراد به التثنية.
وأجاز الزمخشري أن يكون نساء خبراً ثانياً، لكان، وليس بشيء، لأن الخبر لا بد أن تستقل به فائدة الإسناد.
ولو سكت على قوله فإن كن نساء لكان نظير، أن كان الزيدون رجالاً، وهذا ليس بكلام.
وقال بعض البصريين : التقدير وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين.
وقدره الزمخشري : البنات أو المولودات.
وقال الزمخشري :( فإن قلت ) : هل يصح أن يكون الضميران في كن وكانت مبهمين، ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على أن كان تامّة ؟ ( قلت ) : لا أبعد ذلك انتهى.
ونعني بالإبهام أنهما لا يعودان على مفسر متقدّم، بل يكون مفسرهما هو المنصوب بعدهما، وهذا الذي لم يبعده الزمخمشري هو بعيد، أو ممنوع ألبتة.
لأن كان ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمراً يفسره ما بعده، بل هو مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما، وفي باب التنازع على ما قرر في النحو.
ومعنى فوق اثنتين : أكثر من اثنتين بالغات ما بلغن من العدد، فليس لهن إلا الثلثان.
ومن زعم أن معنى قوله : نساء فوق اثنتين، اثنتان فما فوقهما، وأنّ قوة الكلام تقتضي ذلك كابن عطية، أو أنّ فوق زائدة مستدلاً بأن فوق قد زيدت في قوله :﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ فلا يحتاج في ردّ ما زعم إلى حجة لوضوح فساده.
وذكروا أنّ حكم الثنتين في الميراث الثلثان كالبنات.
قالوا : ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس، فإنه يرى لهما النصف إذا انفردا كحالهما إذا اجتمعا مع الذكر، وما احتجوا به تقدّم ذكره.
وورد في الحديث في قصة أوس بن ثابت :« أنه ﷺ أعطى البنتين الثلثين » وبنات الابن أو الأخوات الأشقاء أو لأب كبنات الصلب في الثلثين إذا انفردن عن من يحجبهن.
﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ قرأ الجمهور واحدة بالنصب على أنه خبر كان، أي : وإن كانت هي أي البنت فذة ليس معها أخرى.
وقرأ نافع واحدة بالرفع على إن كان تامة وواحدة الفاعل.
وقرأ السلمي : النصف بضم النون، وهي قراءة عليّ وزيد في جميع القرآن.
وتقدّم الخلاف في ضم النون وكسرها في ﴿فنصف ما فرضتم﴾ في البقرة.
وبنت الابن إذا لم تكن بنت صلب، والأخت الشقيقة أو لأب، والزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، ولا ولد ابن كبنت الصلب لكل منهم النصف.
﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾ لما ذكر الفروع ومقدار ما يرثون أخذ في ذكر الأصول ومقدار ما يرثون، فذكر أنّ الميت يرث منه أبواه كل واحد السدس إن كان للميت ولد، وأبواه هما : أبوه وأمه.
وغلب لفظ الأب في التثنية كما قيل : القمران، فغلب القمر لتذكيره على الشمس، وهي تثنية لا تقاس.
وشمل قوله : وله ولد الذكر والأنثى، والواحد والجماعة.
وظاهر الآية أن فرض الأب السدس إذا كان للميت ولد أي ولد كان، وباقي المال للولد ذكراً كان أو أنثى.
والحكم عند الجمهور أنه لو كان الولد أنثى أخذ السدس فرضاً، والباقي تعصيباً.
وتعلقت الروافض بظاهر لفظ ولد فقالوا : السدس لكل واحد من أبويه، والباقي للبنت أو الابن، إذ الولد يقع على : الذكر، والأنثى، والجد، وبنات الابن مع البنت، والأخوات لأب مع أخت لأب وأم، والواحدة من ولد الأم، والجدات كالأب مع البنت في السدس.
وقال مالك : لا ترث جدة أبي الأب.
وقال ابن سيرين : لا ترث أم الأم.
والضمير في لأبويه عائد على ما عاد عليه الضمير في