مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين : أحدهما : النسب، والآخر العهد، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الإناث. وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة، وأما العهد فمن وجهين : الأول : الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره : دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فإذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت، والثاني : التبني، فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة، ولما بعث الله محمدا ﷺ تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية، ومن العلماء من قال : بل قررهم الله على ذلك فقال :﴿ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون﴾ والمراد التوارث بالنسب. ثم قال :﴿والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم﴾ والمراد به التوارث بالعهد، والأولون قالوا المراد بقوله :﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية.
وأما أسباب التوارث في الإسلام، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر. وإن كان أجنبيا عنه، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه. والثاني : المؤاخاة، كان الرسول ﷺ يؤاخي بين كل اثنين منهم، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ والذي تقرر عليه دين الإسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب، والنكاح، والولاء.
المسألة الثانية : روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعدا قتل وإن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام :«ارجعي فلعل الله سيقضي فيه » ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله ﷺ عمهما وقال :«أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ». فهذا أول ميراث قسم في الإسلام.
المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام، وما على الأولياء فيه، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالإرث، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث، الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالإجمال في قوله :
﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ فذكر عقيب ذلك المجمل، هذا المفصل فقال :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.
المسألة الرابعة : قال القفال : قوله :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ أي يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصال يقال : وصى يصي إذا وصل، وأوصى يوصي إذا أوصل، فإذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا :﴿يوصيكم﴾ أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله :﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به﴾ ولا شك في كون ذلك واجبا علينا.
فإن قيل : إنه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا :﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾.
قلنا : لما كانت الوصية قولا، لا جرم ذكر بعد قوله :﴿يوصيكم الله﴾ خبرا مستأنفا وقال :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ونظيره قوله تعالى :﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول.
المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" فاطمة بضعة مني " فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.
واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معا، وإما أن يخلف الإناث فقط، أو الذكور فقط.
القسم الأول : ما إذا خلف الذكران والإناث معا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾.
واعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : إذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان، ولك أنثى سهم. وثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ يفيد هذه الأحكام الكثيرة.
القسم الثاني : ما إذا مات وخلف الإناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين، فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح. واختلفوا فيه، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال :﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ وكلمة «إن » في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين.
والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ فجعل حصول النصف مشروطا بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيبا للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله. الثاني : أنا لا نسلم أن كلمة «إن » تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الإجماع دل على أن نصيب اثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة «إن » للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا، ولأنه تعالى قال :﴿وإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ وقال :﴿لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.
الوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير : فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : عرفناه من قوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين، الثاني : قال أبو بكر الرازي : إذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى. الثالث : أن قوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص، وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق، والرابع : أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه. الخامس : أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم اثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات :﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب، فالوجوه الثلاثة الأول مستنبطة من الآية، والرابع مأخوذ من السنة، والخامس من القياس الجلي.
أما القسم الثالث : وهو إذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول : أما الابن الواحد فإنه إذا انفرد أخذ كل المال، وبيانه من وجوه : الأول من دلالة قوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فإن هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين.
ثم قال تعالى في البنات :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ فلزم من مجموع هاتين الآيتين أن نصيب الابن المفرد جميع المال. الثاني : أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام :«ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر » ولا نزاع أن الابن عصبة ذكر، ولما كان الابن آخذا لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل. الثالث : أن أقرب العصبات إلى الميت هو الابن، وليس له بالإجماع قدر معين من الميراث، فإذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له إن يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد، فوجب أن يأخذ الكل.
فإن قيل : حظ الأنثيين هو الثلثان فقوله :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال.
قلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن قوله :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك. والثاني : أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم.
بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول : لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه : أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك. وأما ثانيا : فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها. وأما ثالثا : فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.
والجواب عنه من وجوه : الأول : أن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى