الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر، يُحْتمل أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ ب " يُوصي " لأِنَّ المعنى : يَفْرض لكم، أو يُشَرِّع في أولادكِم، كذا قاله أبو البقاء، وهذا يَقْرُبُ من مذهبِ الفراء فإنه يُجْري ما كان بمعنى القولِ مُجْراه في حكايةِ الجملِ بعده. قال الفراء :" ولم يَعْمل " يُوصيكم " في " مِثْل "، إجراءً له مُجْرى القول في حكايةِ الجمل، فالجملةُ في موضع نصبٍ ب " يُوصيكم ". وقال مكي :" للذَّكَرِ مثلُ حظ " ابتداءٌ وخبر في موضع نصب، تبيينٌ للوصية وتفسيرٌ لها. وقال الكسائي :" ارتفع " مثل " على حذْفِ " إنَّ " تقديره :" أنَّ للذكرِ مثلَ حظ ". وبه قرأ ابن أبي عبلة.
ويُحْتمل ألأَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسيرِ، فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريين، وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري فإنَّه قال :" وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾. وقوله :" للذَّكر " لا بدَّ من ضمير [ فيه ] يعود على " أولادكم " من هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي : للذكر منهم نحو :" السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم " قاله الزمخشري. ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ : لِذَكَرِهم.
و " مثلُ " صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي : للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. و ﴿فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ قيل : ثَمَّ مضافٌ محذوف أي : في أولادِ موتاكم. قالوا : لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرََضَ عليه ذلك. وقال بعضُهم :" إنْ قلنا : إنَّ معنى " يُوصيكم " " يبيِّن لكم " لم يحتج إلى هذا التقدير ". وقَدَّر بعضُهم قبل " أولادكم " مضافاً أي : في شأنِ أولادِكم، أو في أمرِ أولادكم.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة :" يُوَصِّيكم " بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ أوصي ووصَّى لغتان.
قوله :﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ الضميرُ في " كُنَّ " يعودُ على الإِناث اللاتي شَمَلَهُنَّ قولُه ﴿فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾. فإنَّ التقدير : في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ الضميرُ على أحدِ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله عليه السلام :" وربَّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْن " كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الأَوْلَى والأحرى، وهذا معنى قولِ الشيخ. وفيه نظرٌ لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىً مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة لأنَّ قبلَه " اللهم ربََّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ " ذَكَر ذلك النحويون.
وقيل : الضمير يَعُود على المتروكات أي : فإنْ كانت المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي. وقَدَّرَه الزمخشري :" فإنْ كان البنات أو المولودات ".
فإذا تقرَّر هذا ف " كُنَّ " كان واسمُها، و " نساءً " خبرُها، و " فوق اثنتين " ظرف في محل نصب صفةً ل " نساء " وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةُ، ألا ترى أنه لو قيل :" إن كان الزيدون رجالاً كان كذا " لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزمخشري في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما : أن يكونَ الضميرُ في " كنَّ " ضميراً مبهماً، و " نساءً " منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في " كانت " من قوله " وإنْ كانت واحدة " على أنَّ " كان " تامة. والوجهُ الآخر : أن يكونَ " فوق اثنتين " خبراً ثانياً ل " كُنَّ "، ورَدَّهما عليه الشيخ : أمَّا الأولُ فلأنَّ " كان " ليسَتْ من الأفعالِ التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصٌّ من الأفعالِ ب " نعم " و " بئس " وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ به فائدةُ الإِسنادِ، وقد تقدَّم أنه لو اقتَصَر على قولِه :﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ لم يُفِدْ شيئاً، لأنه معلوم.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة :" ثُلْثا " و " الثلْث " و " النصْف " و " الرُّبْع " و " الثُّمْن " كلُّ ذلك بإسكان الوسط. والجمهور بالضم، وهي لغةُ الحجاز وبني أسد. قال النحاس :" من الثلث إلى العشر ". وقال الزجاج :" هي لغةٌ واحدة، والسكونُ تخفيف ".
قوله :﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ قرأ نافع :" واحدةٌ " رفعاً على أنَّ " كان " تامة أي : وإنْ وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون " واحدة " نصباً على أنَّ " كانت " ناقصةً، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة، و " واحدةً " نصبٌ على خبرِ " كان "، وقد تقدَّم أن الزمخشري أجاز أن يكونَ في " كان " ضميرٌ مبهمٌ مفسَّر بالمنصوب بعدُ.
وقرأ السلمي :" النُّصف " بضم النون، وهي قراءةُ على وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله :﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [ الآية : ٢٣٧ ].
قوله :﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ " السدس " مبتدأ و " لأبويه " خبر مقدم، و " لكلِّ واحدٍ " بدلٌ من " لأبويه " وهذا ما نَصَّ عليه الزمخشري فإنه قال :" لكلَّ واحد منهما " بدل من " لأبويه " بتكريرِ العاملِ، وفائدةُ هذا البدلِ أنه لو قيل :" ولأبويه السدسُ " لكان ظاهرُه اشتراكهما فيه، ولو قيل :" لأبويه السدسان " لأَوْهَمَ قسمةَ السدسين عليهما بالتسويةِ وعلى خلافِهما.
فإنْ قلت : فهلا قيل :" ولكلِّ واحدٍ من أبويه السدس " وأيُّ فائدةٍ في ذِكْرِ الأبوين أولاً ثم في الإِبدالِ منهما ؟ قلت : لأنَّ في الإِبدال والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمعِ بين المفسَّر والتفسيرِ. و " السدس " مبتدأ، وخبره " لأبويه "، والبدلُ متوسط بينهما للبيانِ ". انتهى.
وناقَشَه الشيخ في جَعْلِه " لأبويه " الخبرَ دونَ قوله " بكلِّ واحد " قال :" لأنه ينبغي أن يكونَ البدلُ هو الخبرَ دونَ المبدلِ منه " يعني أنَّ البدلَ هو المعتمدُ عليه، والمبدلُ منه صارَ في حكمِ المُطَّرح، ونَظَّره بقولك :" إنًَّ زيداً عينُه حسنة " فكما أنَّ " حسنة " خبر عن " عينه " دون " زيد " لأنّه في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك :" أبواك كلُّ واحد منهما يَصنع كذا " ف " يَصنع " خبرٌ عن " كل واحد " منهما، ولو قلت :" أبواك كلُّ واحدٍ منهما يَصْنعان كذا " لم يَجُزْ ".
وفي هذه المناقشةِ نظرٌ لأنه إذا قيل لك : ما مَحَلُّ " لأبويه " من الإِعرابِ ؟ نضطر إلى أَنْ نقولَ : في محلِّ رفعٍ خبراً مقدماً، ولكنه نَقَل نسبةَ الخبرية إلى " لكلِّ واحدٍ منهما " دونَ " لأبويه ". قال :" وقال بعضُهم " :" السدسُ " رفعٌ بالابتداء، و " لكلِّ واحدٍ " الخبرُ، و " لكلِّ " بدلٌ من الأبوين، و " منهما " نعتٌ لواحد، وهذا البدلُ هو بعضُ من كل، ولذلك أتَى معه بالضمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنه بدلُ شيء من شيء وهما لعينٍ واحدة لجوازِ " أبواك يَصْنعان كذا " وامتناع " أبواكَ " كلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا " بل تقول :" يَصْنع ". انتهى.
والضميرُ في " لأبويه " عائدٌ على ما عادَ عليه الضمير في " ترك "، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوةِ الكلام. والتثنية في " أبويه " من التغليب، والأصلُ : لأبيه وأمه، وإنما غَلَّب المذكرَ على المؤنث كقولهم : القَمَران والعُمَران وهي تثنيةٌ لا تنقاس.
قوله :" فلأِمه " قرأ الجمهور " فلإِمه " وقولُه :﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾
[ الآية : ٤ ] في سورةِ الزخرف، وقولُه :﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾
[ الآية : ٥٩ ] في القصص، وقوله :﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
في [النحل: ٧٨] و[الزمر: ٦]، وقوله :﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [ الآية : ٦١ ] في النور، و ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
[ الآية : ٣٢ ] في النجم، بضم الهمزة من " أُمّ " وهو الأصلُ، وقرأ حمزة والكسائي جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادةِ كسرِ الميم من " أمَّهات " في الأماكنِ المذكورةِ، هذا كله في الدَّرْج. أمَّا في الابتداءِ بهمزةِ " الأم " و " الأمهات " فإنه لا خِلافَ في ضَمِّها.
وأمَّا وجهُ قراءةِ الجمهور فظاهرٌ لأنه الأصلُ كما تقدَّم. وأمَّا قراءةُ حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا : لمناسبةِ الكسرةِ أو الياء التي قبل الهمزة، فكُسِرت الهمزةُ إتباعاً لِما قبلَها، ولاستثقالهم الخروجَ من كَسْرٍ أو شبهه إلى ضم، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزةِ ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ الميمَ من " أمهات " في المواضع المذكورة فللإِتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تَبَع التبعِ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ لما تقدم من زوالِ موجب ذلك. وكسرُ همزة " أم " بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل.
قوله :﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ " إخوة " أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس، قالوا : لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع يَقَعُون على الاثنين، فيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس فإن لا يَحْجُب بهما والظاهر معه.
قوله :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها : أنه متعلق بما تقدَّمه من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل : قسمةٌ هذه الأنْصباء من بعد وصيةٍ، قالَهَ الزمخشري، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وما بعدَه. والثاني : ذكره الشيخ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي : يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّل من بعد وصية. والثالث : أنه حال من السدس تقديره/ مستحِقاً من بعد وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء. وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال :[ " ويجوز أن يكون ظرفاً ] أي : يتسقر لهم ذلك بعد إخراجِ الوصيةِ، ولا بد من تقديرِ حذف المضاف ؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصَى به، وقد تكونُ الوصيةُ مصدراً مثلَ الفريضة ". وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله :" والعامل الظرف يعني بالظرف الجارَّ والمجرور في قوله ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فإنه شبيه بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و " يوصي " فعل مضارع المرادُ به المضمر أي : وصيةٍ أوصَى بها. و " بها " متعلقٌ به، والجملةُ في محلِّ جرٍ صفةً ل " وصية ".
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر " يُوصَى " مبنياً للمفعول في الموضعين، وافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً
ويُحْتمل ألأَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسيرِ، فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريين، وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري فإنَّه قال :" وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾. وقوله :" للذَّكر " لا بدَّ من ضمير [ فيه ] يعود على " أولادكم " من هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي : للذكر منهم نحو :" السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم " قاله الزمخشري. ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ : لِذَكَرِهم.
و " مثلُ " صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي : للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. و ﴿فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ قيل : ثَمَّ مضافٌ محذوف أي : في أولادِ موتاكم. قالوا : لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرََضَ عليه ذلك. وقال بعضُهم :" إنْ قلنا : إنَّ معنى " يُوصيكم " " يبيِّن لكم " لم يحتج إلى هذا التقدير ". وقَدَّر بعضُهم قبل " أولادكم " مضافاً أي : في شأنِ أولادِكم، أو في أمرِ أولادكم.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة :" يُوَصِّيكم " بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ أوصي ووصَّى لغتان.
قوله :﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ الضميرُ في " كُنَّ " يعودُ على الإِناث اللاتي شَمَلَهُنَّ قولُه ﴿فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾. فإنَّ التقدير : في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ الضميرُ على أحدِ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله عليه السلام :" وربَّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْن " كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الأَوْلَى والأحرى، وهذا معنى قولِ الشيخ. وفيه نظرٌ لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىً مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة لأنَّ قبلَه " اللهم ربََّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ " ذَكَر ذلك النحويون.
وقيل : الضمير يَعُود على المتروكات أي : فإنْ كانت المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء ومكي. وقَدَّرَه الزمخشري :" فإنْ كان البنات أو المولودات ".
فإذا تقرَّر هذا ف " كُنَّ " كان واسمُها، و " نساءً " خبرُها، و " فوق اثنتين " ظرف في محل نصب صفةً ل " نساء " وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةُ، ألا ترى أنه لو قيل :" إن كان الزيدون رجالاً كان كذا " لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزمخشري في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما : أن يكونَ الضميرُ في " كنَّ " ضميراً مبهماً، و " نساءً " منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في " كانت " من قوله " وإنْ كانت واحدة " على أنَّ " كان " تامة. والوجهُ الآخر : أن يكونَ " فوق اثنتين " خبراً ثانياً ل " كُنَّ "، ورَدَّهما عليه الشيخ : أمَّا الأولُ فلأنَّ " كان " ليسَتْ من الأفعالِ التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصٌّ من الأفعالِ ب " نعم " و " بئس " وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ به فائدةُ الإِسنادِ، وقد تقدَّم أنه لو اقتَصَر على قولِه :﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ لم يُفِدْ شيئاً، لأنه معلوم.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة :" ثُلْثا " و " الثلْث " و " النصْف " و " الرُّبْع " و " الثُّمْن " كلُّ ذلك بإسكان الوسط. والجمهور بالضم، وهي لغةُ الحجاز وبني أسد. قال النحاس :" من الثلث إلى العشر ". وقال الزجاج :" هي لغةٌ واحدة، والسكونُ تخفيف ".
قوله :﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ قرأ نافع :" واحدةٌ " رفعاً على أنَّ " كان " تامة أي : وإنْ وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون " واحدة " نصباً على أنَّ " كانت " ناقصةً، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة، و " واحدةً " نصبٌ على خبرِ " كان "، وقد تقدَّم أن الزمخشري أجاز أن يكونَ في " كان " ضميرٌ مبهمٌ مفسَّر بالمنصوب بعدُ.
وقرأ السلمي :" النُّصف " بضم النون، وهي قراءةُ على وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله :﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [ الآية : ٢٣٧ ].
قوله :﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ " السدس " مبتدأ و " لأبويه " خبر مقدم، و " لكلِّ واحدٍ " بدلٌ من " لأبويه " وهذا ما نَصَّ عليه الزمخشري فإنه قال :" لكلَّ واحد منهما " بدل من " لأبويه " بتكريرِ العاملِ، وفائدةُ هذا البدلِ أنه لو قيل :" ولأبويه السدسُ " لكان ظاهرُه اشتراكهما فيه، ولو قيل :" لأبويه السدسان " لأَوْهَمَ قسمةَ السدسين عليهما بالتسويةِ وعلى خلافِهما.
فإنْ قلت : فهلا قيل :" ولكلِّ واحدٍ من أبويه السدس " وأيُّ فائدةٍ في ذِكْرِ الأبوين أولاً ثم في الإِبدالِ منهما ؟ قلت : لأنَّ في الإِبدال والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمعِ بين المفسَّر والتفسيرِ. و " السدس " مبتدأ، وخبره " لأبويه "، والبدلُ متوسط بينهما للبيانِ ". انتهى.
وناقَشَه الشيخ في جَعْلِه " لأبويه " الخبرَ دونَ قوله " بكلِّ واحد " قال :" لأنه ينبغي أن يكونَ البدلُ هو الخبرَ دونَ المبدلِ منه " يعني أنَّ البدلَ هو المعتمدُ عليه، والمبدلُ منه صارَ في حكمِ المُطَّرح، ونَظَّره بقولك :" إنًَّ زيداً عينُه حسنة " فكما أنَّ " حسنة " خبر عن " عينه " دون " زيد " لأنّه في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك :" أبواك كلُّ واحد منهما يَصنع كذا " ف " يَصنع " خبرٌ عن " كل واحد " منهما، ولو قلت :" أبواك كلُّ واحدٍ منهما يَصْنعان كذا " لم يَجُزْ ".
وفي هذه المناقشةِ نظرٌ لأنه إذا قيل لك : ما مَحَلُّ " لأبويه " من الإِعرابِ ؟ نضطر إلى أَنْ نقولَ : في محلِّ رفعٍ خبراً مقدماً، ولكنه نَقَل نسبةَ الخبرية إلى " لكلِّ واحدٍ منهما " دونَ " لأبويه ". قال :" وقال بعضُهم " :" السدسُ " رفعٌ بالابتداء، و " لكلِّ واحدٍ " الخبرُ، و " لكلِّ " بدلٌ من الأبوين، و " منهما " نعتٌ لواحد، وهذا البدلُ هو بعضُ من كل، ولذلك أتَى معه بالضمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنه بدلُ شيء من شيء وهما لعينٍ واحدة لجوازِ " أبواك يَصْنعان كذا " وامتناع " أبواكَ " كلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا " بل تقول :" يَصْنع ". انتهى.
والضميرُ في " لأبويه " عائدٌ على ما عادَ عليه الضمير في " ترك "، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوةِ الكلام. والتثنية في " أبويه " من التغليب، والأصلُ : لأبيه وأمه، وإنما غَلَّب المذكرَ على المؤنث كقولهم : القَمَران والعُمَران وهي تثنيةٌ لا تنقاس.
قوله :" فلأِمه " قرأ الجمهور " فلإِمه " وقولُه :﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾
[ الآية : ٤ ] في سورةِ الزخرف، وقولُه :﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾
[ الآية : ٥٩ ] في القصص، وقوله :﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
في [النحل: ٧٨] و[الزمر: ٦]، وقوله :﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [ الآية : ٦١ ] في النور، و ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
[ الآية : ٣٢ ] في النجم، بضم الهمزة من " أُمّ " وهو الأصلُ، وقرأ حمزة والكسائي جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة بزيادةِ كسرِ الميم من " أمَّهات " في الأماكنِ المذكورةِ، هذا كله في الدَّرْج. أمَّا في الابتداءِ بهمزةِ " الأم " و " الأمهات " فإنه لا خِلافَ في ضَمِّها.
وأمَّا وجهُ قراءةِ الجمهور فظاهرٌ لأنه الأصلُ كما تقدَّم. وأمَّا قراءةُ حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا : لمناسبةِ الكسرةِ أو الياء التي قبل الهمزة، فكُسِرت الهمزةُ إتباعاً لِما قبلَها، ولاستثقالهم الخروجَ من كَسْرٍ أو شبهه إلى ضم، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزةِ ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ الميمَ من " أمهات " في المواضع المذكورة فللإِتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تَبَع التبعِ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ لما تقدم من زوالِ موجب ذلك. وكسرُ همزة " أم " بعد الكسرة أو الياء حكاه سيبويه لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل.
قوله :﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ " إخوة " أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس، قالوا : لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع يَقَعُون على الاثنين، فيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً لابن عباس فإن لا يَحْجُب بهما والظاهر معه.
قوله :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها : أنه متعلق بما تقدَّمه من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل : قسمةٌ هذه الأنْصباء من بعد وصيةٍ، قالَهَ الزمخشري، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ وما بعدَه. والثاني : ذكره الشيخ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي : يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّل من بعد وصية. والثالث : أنه حال من السدس تقديره/ مستحِقاً من بعد وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء. وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال :[ " ويجوز أن يكون ظرفاً ] أي : يتسقر لهم ذلك بعد إخراجِ الوصيةِ، ولا بد من تقديرِ حذف المضاف ؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصَى به، وقد تكونُ الوصيةُ مصدراً مثلَ الفريضة ". وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله :" والعامل الظرف يعني بالظرف الجارَّ والمجرور في قوله ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فإنه شبيه بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و " يوصي " فعل مضارع المرادُ به المضمر أي : وصيةٍ أوصَى بها. و " بها " متعلقٌ به، والجملةُ في محلِّ جرٍ صفةً ل " وصية ".
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر " يُوصَى " مبنياً للمفعول في الموضعين، وافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً